جندي اسرائيلي متأهب في دبابته عند الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية (أرشيف)
جندي اسرائيلي متأهب في دبابته عند الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية (أرشيف)

بقلم فارس خشّان/

منذ أن وضعت حرب تموز/يوليو 2006 بين إسرائيل ولبنان أوزارها، ثمة آلة واحدة لم تهدأ عن العمل يوما. إنها "طبول الحرب".

وتكفي مراجعة الأرشيف، ليكتشف مراقبو الأوضاع اللبنانية ـ الإسرائيلية أن عبارة "طبول الحرب تقرع"، تكررت بمعدل مرتين في السنة الواحدة، على امتداد 12 عاما، تميزت بأعلى نسبة هدوء ميداني بين الدولتين المتعاديتين.

وطالما أننا ما زلنا في الأرشيف، فثمة عبارة لم يتخل عنها المسؤولون الإسرائيليون، بل رددوها على إيقاع "الطبول" وهي "سنعيد لبنان إلى العصر الحجري".

وبما أن المعنى الأول بـ"نشيد" الحرب الإسرائيلي هو "حزب الله"، فإن الحزب لم يتوقف عن الرد على الكلام بالكلام، وعلى التهديد بالتهديد، وعلى المناورة الميدانية بمناورة إلكترونية.

يهدف التهديد الإسرائيلي يهدف إلى إبلاغ الجميع بأن نصر الله، في حال استدعى تل أبيب إلى الميدان، فهو يفعل ذلك مع إداركه للعواقب

​​السيناريو نفسه يستنسخ حاليا، فهل تتكرر النتائج نفسها أيضا؟

القائلون بجدية احتمال نشوب حرب وشيكة بين إسرائيل و"حزب الله" يقدمون الكثير من "الأسباب الموجبة"، ومنها على سبيل المثال الآتي:

  • أولا، إن إسرائيل، في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعادية لإيران وأدواتها في المنطقة، ومن ضمنها "حزب الله" بطبيعة الحال، هي غير إسرائيل في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما.

وفي اعتقاد هؤلاء بأن أوباما كان داعية تهدئة مع إيران وامتداداتها، فيما ترامب داعية مواجهة.

وهذا يعني، وفق هؤلاء، أن إسرائيل ستحظى بتغطية أميركية شاملة إن هي دخلت في أي حرب جديدة.

إقرأ للكاتب أيضا: عضلتا اللسان... والشارع

ثانيا، إن وضع الخليج العربي عموما والمملكة العربية السعودية خصوصا، يختلف راهنا عما كان عليه سابقا. إذ يجد في أدوات إيران، يتقدمها "حزب الله"، خطرا استراتيجيا لا بد من التعامل بحزم معه.

وفي ظن هؤلاء، أن الخليج العربي عموما والمملكة العربية السعودية خصوصا، لن يكون مستاء من أي حرب يمكن أن تؤدي إلى إضعاف نفوذ إيران في المنطقة.

  • ثالثا، إن إسرائيل تسعى إلى تبريد نهائي لحدودها مع لبنان، من خلال إقامة الجدار الإسمنتي الفاصل، وعليها، بمواكبة ذلك، أن تضمن جدوى الجدار بإلغاء مفاعيل الصواريخ المتطورة التي يمكن أن يملكها "حزب الله" بالتصنيع المحلي.
  • رابعا، إن إعادة النظر الأميركية ـ ولو المتمهلة ـ بموضوع الاتفاق النووي مع إيران، قد تغير "قواعد عدم الاشتباك" الحالية جذريا، سواء من الجانب الإسرائيلي، وقائيا، أو من جانب "حزب الله"، انتقاميا.
  • خامسا، إن عملية "تقاسم النفوذ" في سورية "ما بعد داعش"، تدفع إسرائيل إلى الضغط، بكل الوسائل المتاحة لديها، بما فيها الحرب، والقيام بخطوات قوية، بهدف توفير الأمن الاستراتيجي لحدودها، ما يعني في لغتها إبعاد إيران و"حزب الله"، بشكل مقنع عسكريا، عن الجولان.
  • سادسا، إن إسرائيل تريد أن تحمي، بشكل نهائي، استثماراتها الجديدة والكبيرة من أي خطر عسكري، وهذا يشمل منصاتها النفطية كما "السيلكون فالي".

إلا أن هناك فئة ثانية، تقول بأن "الصراخ" الإسرائيلي إنما يهدف إلى منع "الدوي"، ولذلك فهي تتبع استراتيجية "الاحتواء بالتهديد".

ووفق أوساط إسرائيلية ـ كما بيّن الإعلام الغربي ـ فإن التهديد بتدمير شامل للبنان، يبني نفسه على مقولة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بُعيد حرب تموز/يوليو 2006: "لو كنت أعلم بما ستُقدم عليه إسرائيل من عدوان تدميري، لما قمت بعملية خطف الجنود، في مزارع شبعا".

هناك فئة تقول بأن "الصراخ" الإسرائيلي إنما يهدف إلى منع "الدوي"، ولذلك فهي تتبع استراتيجية "الاحتواء بالتهديد"

​​وهذا يعني أن التهديد الإسرائيلي يهدف إلى إبلاغ الجميع بأن نصر الله، في حال استدعى تل أبيب إلى الميدان، فهو يفعل ذلك مع إداركه للعواقب.

ويبدو أن القيادة الإسرائيلية واثقة من مفاعيل هذا الأسلوب، إذ إنها تشن غارات، في التوقيت والمكان اللذين يناسبانها، ضد أهداف جلها لـ"حزب الله" في سورية، من دون أن يكون هناك أي رد من الحزب.

ووفق مصادر دبلوماسية عربية في باريس، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أثار موضوع لبنان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، على إثر الأزمة اللبنانية ـ السعودية، فكان الرد الإسرائيلي هو الآتي: "لا يهمنا من يحكم لبنان، بل يهمنا أمننا الاستراتيجي، وتحديدا نوعية الصواريخ التي يمكن أن يملكها حزب الله".

وتشير هذه المصادر إلى أن الطرف اللبناني أبلغ الفرنسيين أن لا مصانع صواريخ لحزب الله ضمن الأراضي اللبنانية، كما أن الحزب ليس في وارد تحريك الجبهة الحدودية مع إسرائيل.

إقرأ أيضا: بين التطبيع... والتطويع

وفي ظل هذه التأكيدات، نزعت الدولة اللبنانية مسألة المواجهة من "حزب الله" وتبنتها على قاعدة أن إسرائيل هي التي تعتدي على لبنان، سواء من خلال محاولة تمرير الجدار الفاصل بنقاط يعتبرها لبنان ضمن حدوده، أم من خلال اعتبار إسرائيل أن البلوك النفطي الرقم 9 هو ملك لها، ولا يحق للبنان تلزيمه.

ووسط التصعيد المتبادل، حملت إسرائيل مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيلد تهديدا واضحا إلى المسؤولين اللبنانيين، من مغبة إنشاء "حزب الله" لمصنع صواريخ في لبنان، وأبدت رغبتها، بوساطة أميركية لحل المشكلات الحدودية مع الدولة اللبنانية.

أمام هذه المعطيات مجتمعة، قد لا يكون ثمة داع إلى الهلع، ولكن لا بد من القلق.

صحيح أن لا حتميات في أي مسألة تتصل بالحرب، وأن إسرائيل تفضل في تعاطيها مع لبنان التهديد على التنفيذ، ولكن الصحيح أكثر أن المعطيات في إسرائيل ولبنان والمنطقة تتبدل في حمأة إعادة النظر بكل المعطيات الاستراتيجية، وتاليا فإن شهر نيسان/أبريل المقبل يبدو "مفصليا" لأنه شهر "القاسم المشترك" بين مصالح إسرائيل من جهة أولى وبين من يتطلع إلى الحيلولة دون حصول انتخابات نيابية يمكنها أن تنقل المجلس النيابي في أوائل أيار/مايو إلى سطوة "حزب الله"، من جهة ثانية.

ووفق المعادلات السياسية، فإن العاقل ليس ذاك الذي يحسن الاختيار بين الجيد والسيء، إنما بين السيء والأسوأ.

ولبنان، كما يتبين من حملة الرسائل التحذيرية إليه، يبقى في زمن السيء... والأسوأ.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.