تظاهرة مناهضة للعنصرية في إيطاليا (أ ف ب)
تظاهرة مناهضة للعنصرية في إيطاليا (أ ف ب)

بقلم منصور الحاج/

في إحدى حلقات برنامج Pops and Tops الذي كانت تقدمه الإعلامية اللبنانية رزان مغربي على قناة "أم بي سي" في أواخر التسعينيات، اتصل مشاهد للتعليق على أغنية للفنانة الأميركية الراحلة ويتني هيوستن فقال: "الفنانة حلوة بس عبدة". ردت عليه رزان متسائلة: "شو؟" فكرر المتصل: "حلوة بس عبدة عبدة".

تذكرت هذه الحلقة وأنا أتابع فيديو يظهر فيه أطفال أميركيون من أصول إفريقية يتحدثون بفخر عن إنجازات السود قديما وحديثا في نهضة بلادهم ويتمنون لبني جلدتهم مزيدا من التقدم والنجاح بمناسبة حلول شهر شباط/فبراير المخصص للاحتفال بمساهمات السود والاعتراف بالدور البارز الذي لعبوه في تاريخ الولايات المتحدة. وما بين الأطفال الذين يفخرون بإنجازات أسلافهم ومعاصريهم، وهو ما يمثل حافزا لهم للتفوق والإبداع، وما جاء في المداخلة الهاتفية بون شاسع وفارق كبير بين ثقافتين: إحداها تعزز القيمة الإنسانية والجمالية والإبداعية لكل شخص بغض النظر عن لونه وشكله وأصله، وأخرى تنظر إلى الآخر بدونية وترسخ فيهم الشعور بالنقص لكونهم يختلفون عن الغالبية والمعايير التي وضعوها للجمال والثقافة.

إن ما يعيشه السود وغيرهم من الأقليات والفئات في الدول العربية والإسلامية من تمييز ممنهج بسبب لون البشرة أو نوع المهنة أو الانتماء القبلي أو العرقي، أمر مؤسف وظاهرة اجتماعية ذميمة يجب وضع حد لها، خاصة بعد استفحالها وانتشارها على نطاق واسع بحيث باتت أقرب إلى المسلمات. وهذا ما يجعل من مهمة التصدي لها أمرا عسيرا ويتطلب مضاعفة الجهود ووضع خطط بعيدة المدى والاستفادة من تجارب الدول التي قطعت أشواطا كبيرة في هذا المجال.

لا يتطرق الباحثون إلى التاريخ والتراث الإسلامي وما يحويه من تمييز ضد السود منذ عهد الصحابة وما تبعه من عصور

​​وتعتبر التجربة الأميركية، من أبرز التجارب والأكثر نجاحا في الانتقال من مرحلة العنصرية الممنهجة إلى مرحلة المواطنة الكاملة لكل شرائح ومكونات المجتمع وترسيخ القيم الإنسانية وتعزيز قيمة الفرد وقدرته على الإبداع والتميز والنجاح وتحقيق أحلامه بالجد والاجتهاد. إنها تجربة مميزة جعلت من التعددية الثقافية والعرقية والدينية مصدرا للقوة ومحل احترام وتقدير، فأصبح الأميركي الأسمر والأسود، العربي والهندي، الإفريقي والصيني يشعر بأنه مميز ومقدر وجميل ومتفوق، وأن أصوله وعاداته وتقاليده محل فخر واعتزاز، وأن دينه ولونه وخلفيته العرقية لن تحول دون وصوله إلى هدفه وتحقيق أحلامه.

إقرأ للكاتب أيضا: مهلا يا دعاة 'السعودة'

وبالعودة إلى التاريخ الأميركي القريب، نجد أن السلطة التي كانت تحرم السود من حقوقهم الأساسية والمجتمع الذي كان يضطهدهم ولا يختلط معهم في المدارس والمطاعم والفنادق ومركبات النقل العامة، تحول في فترة وجيزة إلى مجتمع يعزز مفهوم المساواة ويكافح التمييز والعنصرية من خلال برامج تعليمية وثقافية وتربوية واجتماعية، تهدف إلى خلق أجيال متنورة تتسلح بالعلم والمعرفة والثقافة والثقة بالنفس والإيمان بأن لون البشرة أو الخلفية الثقافية أو العرقية لن تكون حائلا دون تحقيق الأحلام.

لم تصل الولايات المتحدة إلى ما وصلت إليه اليوم عبر ترديد الشعارات أو الافتخار بالمواد الدستورية التي تنص على العدل والمساواة، وإنما من خلال تبني سياسات وبرامج وخطط حرصت فيها على منح الفرص لأبناء الأقليات في الدراسة وتخصيص مقاعد لهم في أعرق الجامعات. وكذلك عبر قوانين تجرم التمييز في طلبات الحصول على عمل بناء على الدين أو اللون أو النوع، بالإضافة إلى تشجيع الأقليات على التمسك بعاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم واعتبارها عوامل تميز وإضافات تحسب لصالح من ينحدرون من تلك الفئات وليس ضدهم.

إحدى صور تعزيز التعددية الثقافية في الولايات المتحدة تتمثل في تخصيص شهر شباط/فبراير من كل عام منذ 1976 للاحتفاء بإنجازات السود ومساهماتهم في جميع المجالات. وجاءت فكرة هذا الشهر من "أسبوع تاريخ السود" الذي بدأه المؤرخ الشهير كارتر وودسون ونشطاء آخرون، لتتبناه الدولة لاحقا ويتحول إلى شهر مخصص لمراجعة ما حققوه والاحتفاء بما قدمه الأسلاف والمعاصرون والاعتراف بمساهماتهم في مسيرة التقدم والنجاح لهذه الأمة.

إحدى صور تعزيز التعددية الثقافية في الولايات المتحدة تتمثل في تخصيص شهر شباط/فبراير من كل عام منذ 1976 للاحتفاء بإنجازات السود

​​في هذا الشهر، تحتفل أقلية الأميركيين من أصول إفريقية بقادة نضالهم الذي ضحوا من أجل أن ينال بنو جلدتهم حقوقهم السياسية والاجتماعية والإنسانية. ويحرص الآباء على تذكير أبنائهم بالتاريخ النضالي للرموز أمثال القس مارتن لوثر كنغ جونيور وفريدريك دوغلاس ومايا أنجلو وأوبرا وينفري وغيرهم من العظماء.

وعلى الرغم بما يحظى به هذا الشهر من تقدير لدى أقلية السود في الولايات المتحدة، إذ تنظم فيه الفعاليات في الجامعات والمراكز الثقافية والقنوات الفضائية الخاصة بهم، إلا أن هناك من يعارضون هذا التخصيص ويسعون لإلغائه، أمثال النجم السينمائي الشهير مورغن فريمان. يرفض فريمان فكرة هذا الشهر من الأساس ويصفها بالأمر "السخيف"، على اعتبار أن تاريخ السود في أميركا هو تاريخ أميركا نفسها وبالتالي لا معنى لتخصيص شهر لتاريخ السود. وتساءل فريمان في حوار في برنامج "60 دقيقة" لماذا ليس هناك شهر لتاريخ البيض أو اليهود الأميركيين؟

وبالنظر إلى واقع حال السود وغيرهم من الأقليات في واقعنا العربي والإسلامي، نجد أن الموضوع لا يحظى باهتمام السلطات أو وسائل الإعلام، كما لا يتطرق الباحثون إلى التاريخ والتراث الإسلامي وما يحويه من تمييز ضد السود منذ عهد الصحابة وما تبعه من عصور. إن هناك العديد من الوقائع في التاريخ الإسلامي التي توضح أن ثقافة التعالي العرقي كانت سائدة حتى في عهد الصحابة. فعلى سبيل المثال، لم يحظ بلال الحبشي وهو من "السباقين إلى الإسلام" بأي منصب رفيع، وقد واجه مواقف عنصرية نقل لنا التاريخ منها وصف أبا ذر له بـ"ابن السوداء،" كما كانت "فارسية" سلمان الفارسي و"رومية" صهيب الرومي وماضي زيد بن حارثة وشكله، منقصة لهم تطلبت أن يضم الرسول سلمان إلى "أهل البيت" ليرفع من قدره، وملابسات زواج زيد بن حارثة بزينب بنت جحش والأحاديث التي تحث المسلمين على طاعة ولاة أمورهم ولو "تأمر عليهم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة"، وكذلك الآيات التي تذم السواد وتمدح بياض البشرة.

إقرأ للكاتب أيضا: خديجة سِمبِل .. امرأة عصامية تشادية

إن أي معالجة حقيقية لهذا الواقع، تتطلب الاعتراف بهذا التحامل والعمل على تصحيح المفاهيم وتبني سياسات وبرامج تتصدى لكل أوجه التمييز والعنصرية، ومنح الأقليات حقوقهم وتشجيعهم على إبراز ثقافاتهم وعاداتهم والدور الذي لعبوه في مختلف المجالات من أجل بناء أجيال واعية ومستنيرة لا ترى في اختلافها عن الأغلبية أي منقصة.

لن يتغير واقع الأقليات العرقية المضطهدة كالسود وفئة "لمعلمين" في موريتانيا (العاملون في الصناعات اليدوية التقليدية) و"البانتو" في الصومال وغيرهم في مختلف الدول العربية والإسلامية إلا بعد أن يحظى موضوع التمييز والعنصرية بمزيد من الاهتمام من قبل الحكومات ووسائل الإعلام والباحثين. حتى ذلك الحين، سوف تستمر معاناة الكبار والصغار معا من أمثال الطفلة ريتال التي رأت أن بشرتها السوداء عيبا فيها يعطي أقرانها الحق في لفظها وتجنبها ومنعها من أن تشاركهم اللعب في المدرسة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.