مقاتلون في الحشد الشعبي يتابعون مؤتمرا صحافيا للعبادي (أرشيف)
مقاتلون في الحشد الشعبي يتابعون مؤتمرا صحافيا للعبادي (أرشيف)

بقلم عمر النداوي

تخبطت الساحة السياسية في العراق في حالة من الارتباك خلال الأسابيع الماضية حين أقدم رئيس الوزراء حيدر العبادي على المقاربة لفترة وجيزة بين حلفه الانتخابي وتحالف "الفتح" الانتخابي الذي يتزعمه بعض قياديي الميليشيات العراقية الشهيرة والمدعومة من إيران. ومع أن هذا التقارب دام أقل من 24 ساعة، أثارت الواقعة لدى الكثيرين داخل العراق وخارجه تساؤلات جدية حول الوجه الحقيقي لرئيس الوزراء.

فما الذي دفع العبادي إلى السعي وراء مثل هذا التحالف المخجل؟ لعله سوء تقدير، أو ربما تركيزه على احتواء المنافسة ـ بمعنى أنه تصرف على أساس مبدأ إبقاء الروابط بالأصدقاء وثيقة والروابط بالأعداء أوثق. لكن واقع أن السياسيين المنتمين إلى الميليشيات هم الذين أعلنوا فضّ هذا التقارب، يوحي بأنهم هم الذين اعتبروه خطأ.

وفي الواقع، يهدف انسحاب الميليشيات من التحالف إلى تشويه سمعة العبادي وإحباط خطته في نزع سلاح تلك المليشيات. وقد بدأ كل ذلك مع نوري المالكي الذي خدع العبادي بتسجيل كتلة حزب "الدعوة" تحت اسمه، وذلك على عكس الاتفاق الذي أبرمه مع العبادي الذي كان رده مفرطا حيث سارع وانضم للتحالف التابع لـ"قوات الحشد الشعبي".

ومن الواضح أن أحداث الأسبوع الماضي تركت العبادي في مكانة أضعف في عيون مناصريه وأبقت العراقيين بعيدين عن أي حل للسؤال الأكبر المطروح في العراق ما بعد "داعش"، ألا وهو: ماذا سيحل بكل التنظيمات المسلحة التي أنتجتها الحرب؟

يجدر بالدول التي تنادي بسياسة لجم الميليشيات في العراق أن تكون مستعدة لدعم تطبيق هذه السياسة بما هو أكثر من مجرد تمنيات

​​والجدير بالذكر أن الدولة العراقية عاجزة منذ عام 2003 عن الانفراد بصلاحية استعمال القوة. واليوم، بعد إعلان النصر على تنظيم "داعش" في كانون الأول/ديسمبر، يتمثل التحدي الكبير التالي أمام رئيس الوزراء حيدر العبادي أو خلفه، في إيجاد سبيل لتفكيك "قوات الحشد الشعبي" حبيا أو استلام إدارتها بشكل فعلي. علما أن قوات المتطوعين أدت دورا مهما في زيادة عدد قوات الأمن العراقية فيما كانت تكافح لاستعادة قوتها وإعادة بناء نفسها بعد غزو "داعش" عام 2014.

ولكن لا بد من الإشارة إلى أن "قوات الحشد الشعبي" ليست تنظيما موحدا، إذ تتألف عموما من فئتين هما الوحدات المنضوية تحت إمرة رجل الدين البارز آية الله علي السيستاني والمقامات الشيعية المقدسة والموالية له، وهي القوات الخيرة من "الحشد الشعبي"، والوحدات التابعة والموالية لوكلاء "حرس الثورة الإسلامية" الإيراني وحلفائه وتشمل تنظيم "بدر" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله"، وهي القوات السيئة.

التحدي المطروح إذن، هو تحديدا التعامل مع الفئة الثانية. ففصائل "الحشد الشعبي" التي تحافظ على روابط وثيقة بإيران، متورطة في أعمال إجرامية وانتهاكات لحقوق الإنسان ـ بما فيها جرائم قتل خارجة عن اختصاص المحاكم ومنع عودة النازحين داخليا، ناهيك عن أن قيادييها بدأوا يترجمون الانتصارات الحربية إلى انتصارات سياسية، وسبق أن شكلوا قائمة حزبية بأسماء المرشحين للانتخابات المقبلة، وزعيمها المدعو هادي العامري هو من السياسيين القلائل القادرين على خوض منافسة جدية في وجه العبادي.

ولم يخلُ الأمر من بعض التوقعات، أغلبها من خارج العراق، بأن يفكك السيستاني قواته بعد الحرب ـ فما عليه إلا أن يعطي الأمر بذلك. ولكن السيستاني يعتقد للوقت الراهن أنه يجب الإبقاء على سلاح قواته واستخدامها في خدمة الدولة، وهذا قرار ناتج في الظاهر عن التخوف من معاودة ظهور "داعش"، مع أنه قد يعني أيضا أن العلامة يأخذ حذره من حلفاء إيران ويريد الحفاظ على ولاء الوحدات له كقوة موازنة في وجه وكلاء إيران. ففي النهاية، ظهرت تقارير تفيد بحدوث دمج وتوحيد داخل "وحدات الحشد الشعبي الخيرة".

يأخذ السيستاني حذره من حلفاء إيران ويريد الحفاظ على ولاء الوحدات له كقوة موازنة في وجه وكلاء إيران

​​بيد أن تفكيك الميليشيات أو حتى السيطرة عليها يستدعي اهتماما أكبر كون البلاد مقدمة على انتخاباتها العامة الأولى منذ سقوط الموصل عام 2014. وتعود أهمية هذه الانتخابات إلى أنها ستشكل فرصة لإعادة بدء العملية السياسية بعد مرور أربعة أعوام مدمرة فقد فيها الكثير من ممثلي الشعب مصداقيتهم. فالوجود غير المنظم للميليشيات في زمن الانتخابات يضع العراق أمام مفترق طرق، حيث سيقاس مستقبل الدولة بما إذا كانت نتيجة الانتخابات ستوجِد الظروف اللازمة لاستمرار الحالة نفسها، أي احتكار الأقليات القديمة وأسياد الحرب الجدد لزمام اللعبة، أم أن هذه الانتخابات ستتيح للعراقيين اتخاذ قرار حر وإنتاج حكومة قوية قادرة على المضي بعملية نشطة لمكافحة الفساد وحكومة متجاوبة مع الشعب لا مع المصالح المستحكمة.

وإذا وضعنا جانبا اللحظة العابرة التي تودد فيها العبادي إلى تحالف "الفتح"، فإن لهجة العبادي على مدى الأسابيع الأخيرة كانت تحذر من "اختراق وشيك" ضد "رؤوس الفساد" ونحو نزع سلاح التنظيمات المسلحة. ومنذ ذلك الوقت، نفذت القوات الحكومية عدة عمليات لمصادرة الأسلحة غير الشرعية في مدينة الصدر، وآخرها عملية اعتقال ابن محافظ النجف الحالي. وقد تكون طبيعة هذه العمليات استقصائية هدفها جس النبض قبل الإقدام على عمليات أضخم. فمشكلتا الفساد والميليشيات متشابكتان للغاية في العراق، ويصعب تصور إمكانية تنفيذ قمع لواحدة بدون ارتدادها على الأخرى.

إلا أن التقارير التي تصف الآلية التي يفترض أن يتبعها العبادي لنزع سلاح الميليشيات، ملفقة كانت أو متسمة بشفافية غريبة، ستصعب أي إجراءات مفاجئة في هذا الخصوص. فهل يا ترى يدرس العبادي حملة واسعة النطاق مشابهة لعملية "صولة الفرسان" التي أطلقها خلفه نوري المالكي عام 2008 حين سعى إلى القضاء على التهديد الأكبر آنذاك، أي "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر؟ لقد كانت مناورة المالكي لتؤول إلى نهاية كارثية لولا الدعم المباشر من الجيش الأميركي. وصحيح أن الجيش العراقي بات اليوم متمرسا بفضل خبرته في المعارك وصار يمتلك قوة جوية مؤهلة، إلا أن قدرات الميليشيات آخذة هي أيضا في التعاظم.

مشكلتا الفساد والميليشيات متشابكتان للغاية في العراق، ويصعب تصور إمكانية تنفيذ قمع لواحدة بدون ارتدادها على الأخرى

​​وهنا، يمكن أن يكون للولايات المتحدة دور، على أن يكون تركيز واشنطن على ثلاثة محاور وهي: الحفاظ على اتصال وثيق بالعبادي لتفادي أي تصرف عسكري متسرع وغير منسق، ومساعدة العبادي على تحديد أولوية الأهداف الصحيحة لأي تدابير حكيمة لمكافحة الفساد ونزع السلاح، ووضع خطة طوارئ لمساعدة بغداد في حال نشوب مواجهة مسلحة واسعة النطاق مع الميليشيات. وعلاوة على الاعتبارات الأمنية الفورية، من شأن الفعاليات المماثلة لمؤتمر إعادة الإعمار في الكويت أن تتيح الفرصة أمام مجموعة المعنيين الكبرى أن تناقش المبادرات الاقتصادية والسياسية الكفيلة بالتشجيع على تفكيك القوات بصورة طوعية.

ويشكل وجود "قوات الحشد الشعبي" ـ بلا حسيب ولا رقيب وإمكانية تناميها وتحولها إلى نسخة عن "حرس الثورة الإسلامية" الإيراني أو "حزب الله" ـ تهديدا للعراق وللولايات المتحدة والدول العربية المجاورة التي تتخوف من النفوذ الإيراني المتنامي في العراق وسورية. وثمة مصلحة مشتركة في تفكيك القوات المسلحة، والعمل مع العبادي يخدم هذه المصلحة المشتركة. ولذلك، يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها أن يتفادوا الإدلاء بتصريحات تؤتي بنتائج عكسية وتستند إلى معلومات غير دقيقة يطلبون فيها من "الإيرانيين" مغادرة العراق، أو بتصريحات تفتقر إلى الدبلوماسية بشكل فادح وتقوض التعاون. إذ يجب أن يتمثل الهدف في مساعدة بغداد على الابتعاد عن النزاع المفتوح فيما تتخلص البلاد شيئا فشيئا من الميليشيات وتطبق الإصلاحات الحكومية المحيرة، والاستعداد لنجدة العراق في حال تكرر سيناريو عام 2008. ومن ثم، يجدر بالدول التي تنادي بسياسة لجم الميليشيات أن تكون مستعدة لدعم تطبيق هذه السياسة بما هو أكثر من مجرد تمنيات.

عمر النداوي، هو محلل في الشؤون العراقية يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.