قضت الدبلجة الصوتية على متعة متابعة العمل الفني بالأصوات الحقيقية لأبطاله
قضت الدبلجة الصوتية على متعة متابعة العمل الفني بالأصوات الحقيقية لأبطاله

بقلم كوليت بهنا/

منذ أن ارتفعت تكاليف الإنتاج الدرامي التلفزيوني قبل سنوات بسبب الأجور الخرافية التي يطلبها النجوم ومصاعب التسويق وأسباب أخرى، اتجهت أنظار المنتجين وبعض المحطات إلى الدراما غير العربية مثل التركية والهندية والأميركية اللاتينية والفارسية وأحيانا الأوروبية وغيرها. وهي انتاجات درامية مختلفة الأنواع، يتم شراؤها بأسعار تنافسية، أقصرها لا يقل عن ثمانين حلقة ويصل بعضها إلى أكثر من مائتي حلقة. تتم دبلجة هذه الأعمال إلى عدد من اللهجات العامية العربية مثل المصرية والخليجية والسورية (الشامية)، والأخيرة هي الغالبة على الأعمال المدبلجة، التركية منها بشكل خاص. بدورها، لم تسلم أعمال سينمائية شهيرة من عمليات الدبلجة هذه، فصرت تسمع مارلون براندو في "العراب" يتحدث باللهجة الشامية وكأنه مولود في إحدى حاراتها العتيقة، أو تسمع أنجلينا جولي وروبرت دي نيرو وويل سميث ينطقون بالمصرية في فيلم "إشاعة القرش".

من الناحية الايجابية، شكلت عمليات الدبلجة هذه نوعا جديدا من "البزنس" الفني استفادت منه شركات التسويق واستديوهات الصوت، كما أحيت مهنة الترجمة لبعض اللغات التي كانت كاسدة إلى زمن قريب مثل التركية. إضافة إلى أنها ساهمت في الحد من عطالة العديد من الفنانين، خاصة الجيل الشاب من خريجي معاهد التمثيل الذين لا يحظون بفرص عمل لسنوات طويلة ويكاد عملهم في الدبلجة، هذه الأيام، يكون مصدر رزقهم الوحيد.

إقرأ للكاتبة أيضا: فصل من بشاعة الحرب

في المقلب الآخر، قضت الدبلجة الصوتية على متعة متابعة العمل الفني بالأصوات الحقيقية لأبطاله، حيث يشكل الصوت القادم من داخل الكادر، أي صوت أحد أبطاله خلال تمثيل المشهد، وليس صوتا يلصق به من خارجه لاحقا، أحد أهم عناصر نجاح أي عمل فني. وتأثير الصوت لا يقل أهمية عن تأثير الصورة، وأفضل من عبر عن تأثير ذلك الشاعر بشار بن برد حين قال: "والأذن تعشق قبل العين أحيانا".

إضافة إلى ما تقدم، ساهمت دبلجة الأعمال هذه، بحرمان الملايين من الاستماع إلى اللغات العالمية بأصولها. ومن نافل القول، إن الاستماع الدؤوب لأية لغة يساهم ببناء ذاكرة سمعية للفرد، بحيث يغدو تقبله المستقبلي لهذه اللغة أكثر سلاسة لأنها تصير مألوفة سمعيا وبالتالي يسهل النطق بها، وهو أمر تنتهجه معاهد تعليم اللغات التي تحرص على إسماع طلابها بعض الأعمال الاذاعية أو عرض بعض الأفلام بدون ترجمة ليسهل على الطالب التقاط المفردات وكيفية النطق بها من أصحابها وحفظها في الذاكرة.

كما أن العديد من الناس قبل سنوات خلت، عبروا عن امتنانهم لدور السينما والفنون السمعية ـ البصرية عموما التي ساهمت في اكتسابهم لبعض المفردات الأجنبية، أو ساهمت في تقوية لغتهم وتدعيمها عبر مراقبة الآلية التي ينطق بها أصحابها، وبخاصة الأفلام الناطقة بالإنكليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية.

إقرأ للكاتبة أيضا: راقصة في "سوتشي"

صناع الدبلجة اليوم يعتبرون أن العدد الأكبر من المشاهدين هم ربات بيوت، كسولات، غير عاملات، وأن العالم العربي يرزح تحت الأمية بشكل كبير، وهم بدبلجة هذه الأعمال إنما يقدمون خدمة جليلة لمساعدة الأكثرية على فهمها بلهجة محلية بسيطة واستقطابهم وإمتاعهم، دون الاكتراث إلى أنهم يساهمون في ترسيخ هذه الأمية، وتثبيط الذهن عبر تجميده، أو توجيهه نحو ذاته فقط عبر دائرة مغلقة.

كانت اللغة ولا تزال الجسر الحيوي الأهم والأبرز بين حضارات البشرية، وتعلم أية لغة جديدة هو مكسب ثقافي وتعبير عن الانفتاح، إضافة إلى أن إتقان اللغات يندرج ضمن قائمة مواهب الفرد. كما أثبتت الدراسات العلمية مؤخرا أن تعلم أو إتقان لغة أو أكثر يساهم في التخفيف مستقبلا من أمراض العقل وأبرزها ألزهايمر. لأجل تعلم اللغات، ينفق الأهالي الكثير من المال لتعليم أبنائهم وتحصينهم مستقبلا، في الوقت الذي لا تتوقف فيه عجلة بث الأعمال المدبلجة بلهجات محلية بشكل ممنهج بحيث تغلق عن العقل العربي بعض محاولات الانعتاق ولو كانت صوتية، ولا يستمع إلا إلى نفسه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…
شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.