فهم القرآن بعمق عبر درجات من الفهم والتدبر قد يأتي بمعان تختلف تماما عن بعض المعاني الظاهرية للآيات
فهم القرآن بعمق عبر درجات من الفهم والتدبر قد يأتي بمعان تختلف تماما عن بعض المعاني الظاهرية للآيات

بقلم توفيق حميد/
لم أزل أتذكر تلك اللحظات وأنا أقرأ لأول مرة في القرآن آية "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ"، وكنت حينذاك صغيرا في العمر متحمسا لأن أعرف ديني. وقعت عليَ هذه الآية الكريمة كالصاعقة حيث أنها تعارضت جوهريا مع ضميري، وشعرت وقتها بزلزال فكري حيث كنت أتساءل هل المفروض عليَ كمسلم أن أقتل جارتي "طنط فوزية" والتي كانت تعيش مع زوجها الفاضل في الطابق السابع من عمارتنا في شارع شريف باشا في القاهرة وكانت شقتنا في الطابق السادس؟

كانت هذه السيدة الطيبة مسيحية مملوءة بالمحبة والخير والحنان، وأصبحت لا أدري حينذاك هل المفروض أن أقتلها لأنها ليست مسلمة؟ أم ماذا أفعل لكي أطبق ديني بحرفية؟

ذهبت إلى أحد أصدقائي السلفيين وكان يدعى "عادل سيف" وسألته عن هذه الآية فقال لي أن علينا أن نقاتل كل الكافرين، وأعطاني بعدها كتبا لأبي الأعلى المودودي تتحدث عن الجهاد وعن قتال غير المسلمين حتى يكونوا أذلاء وخاضعين تحت راية الإسلام.

لم يتقبل ضميري حينها رأي صديقي، فذهبت بعد صلاة الجمعة التالية إلى جامع الساحة القريب منا لأسأل شيخه، وكان شيخا صوفيا رائعا يدعى "الشيخ شعبان" فكان رده أن ربت على كتفي وقال لي: "يا بني أحب كل الناس وعاملهم بالحسنى وسيرضى الله عنك"، فسألته وأنا مملوء بالحماس وماذا عن الأمر الإلهي المذكور في القرآن "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ".. ماذا أفعل به؟

كثير ممن يريدون أن يتفقهوا في الدين لا يجدون أمامهم إلا تفسيرات حرفية تدعو إلى العنف مع غير المسلمين

​​فقال لي الشيخ شعبان: "يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ". وهي آية في سورة الأعراف في القرآن تتحدث، كما يرى البعض، عن أن التأويل الحقيقي للقرآن لن يعرف كاملا إلا يوم القيامة. وسأكون صادقا مع القارئ حين أقول له إنه لم يكن لدى الصبر لأنتظر حتى يوم الدين لأعرف مفهوم هذه الآية فاتبعت ـ وللأسف ـ فكر صديقي السلفي عادل لفترة من الزمان.

اقرأ للكاتب ايضا: جريمة كتمان آيات القرآن

وباختصار شديد يلخص المشكلة، كان "عادل سيف" ـ وغيره الكثيرين ـ يدعم فكره المتشدد بالتفاسير المعروفة والفقه المتداول، في حين أن "الشيخ شعبان" كان يتكلم برأيه الشخصي ودون وجود أدلة شرعية قوية تدعمه فيما يسمى بأمهات الكتب أو "كتب التراث الإسلامي".

وهذا هو حال الكثيرين ممن يريدون أن يتفقهوا في الدين فلا يجدون أمامهم إلا تفسيرات حرفية تدعو إلى العنف مع غير المسلمين، ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر تفسير "ابن كثير" لهذه الآية في سورة التوبة.

 الآية 5 من سورة التوبة: "فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

تفسير ابن كثير: "وقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) أي من الأرض وهذا عام، وقوله: (واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) ولهذا اعتمد الصديق ـ رضي الله عنه ـ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام، والقيام بأداء واجباته".

 أما تفسير القرطبي (لا فُضَ فوه!) لهذه الآية الكريمة فهو:

"قوله تعالى فاقتلوا المشركين عام في كل مشرك، واعلم أن مطلق قوله: اقتلوا المشركين يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان، إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المُثلة (أي التمثيل بجثثهم)، ومع هذا فيجوز أن يكون الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق بالنار، وبالحجارة وبالرمي من رؤوس الجبال، والتنكيس في الآبار، تعلق بعموم الآية، وكذلك إحراق علي رضي الله عنه قوما من أهل الردة يجوز أن يكون ميلا إلى هذا المذهب، واعتمادا على عموم اللفظ والله أعلم".

والمذكورة أعلاه ليست مجرد تفسيرات شاذة بل هي تمثل ما يجده القارئ في كتب التفسير التي هيمنت لعدة قرون ولم تزل تهيمن على الفكر الإسلامي حتى عصرنا الحالي!

وبأمانة شديدة للقارئ فإن لساني ليعجز عن أن يجد وصفا لدرجة بشاعة هذه التفسيرات!

اقرأ للكاتب أيضا: أكبر جريمة فى تاريخ الإسلام

وبعد فترة طويلة من الزمان والبحث توصلت إلى أن فهم القرآن بعمق عبر درجات من الفهم والتدبر قد يأتي بمعان تختلف تماما عن بعض المعاني الظاهرية للآيات.

حين يقرأ الإنسان آية من آيات الكتاب العزيز، فإنه قد يفهمها بصورة سطحية ربما تتسبب في إضلاله عن المعنى الحقيقي المقصود منها

​​فحين يقرأ الإنسان آية من آيات الكتاب العزيز، فإنه قد يفهمها بصورة سطحية ربما تتسبب في إضلاله عن المعنى الحقيقي المقصود منها، في حين أنه لو تعمق في فهمها كما سنرى في المثال التالي فإنه قد يصل إلى غايتها والهدف منها ومفهومها الحقيقي الذي يتفق مع روح القرآن، فعلى سبيل المثال حين نقرأ الآية التالية:

{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، فإن فهم هذه الآية بصورة سطحية ودون تعمق (كما استخدمها صديقي حينذاك!) قد يتسبب في ارتكاب جريمة لا تغتفر إن نتج عن ذلك الفهم قتل إنسان بريء لمجرد أن له عقيدة أخرى قد تراها شركا أو كفرا. وعلى العكس من ذلك تماما، فإن فهم الآية وتحليلها من خلال "درجات الفهم القرآني" التي سأذكرها قد ينتج عنه مفهوم يختلف بصورة مطلقة عن الفهم السطحي للآية، ولنرى هذا المثل التوضيحي لكيفية فهم هذه الآية الكريمة على خمس مستويات أو درجات:

♦ الدرجة الأولى: من المقصود بكلمة "المشركين"؟

المقصود بها فقط مشركو مكة الذين أعلنوا القتال على المسلمين الأوائل في بدء الدعوة.

♦ الدرجة الثانية: ما الدليل على تخصيص المعنى في هؤلاء المشركين؟

الدليل هو استخدام القرآن لأداة التعريف "أل" قبل كلمة مشركين وذلك يحدد المعنى في طائفة بعينها، فلو أراد القرآن تعميم المعنى لأستخدم تعبير "من كفر" بدلا من تعبير "الذين كفروا".

♦ الدرجة الثالثة: لماذا غضب الله على مشركي مكة؟ 

لأنهم اضطهدوا المسلمين الأوائل لأجل دينهم وطردوهم من ديارهم وعذبوهم لأنهم آمنوا بعقيدة تخالف عقيدتهم، فكما ذكر القرآن "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ" (سورة الحج).

♦ الدرجة الرابعة: ما هي الصفة التي تتصف بها أفعال مشركي مكة مع المسلمين الأوائل؟

اضطهاد أقلية في المجتمع لأجل دينها أو ما يسمى "الاضطهاد الديني".

♦ الدرجة الخامسة: ماذا نتعلم من هذا؟ 

ألا نضطهد أي أقلية دينية موجودة بيننا أو تعيش معنا، وإلا أصبحنا مثل كفار مكة واستوجبنا غضب الله.

وهكذا تبين لي كيف أن النظرة السطحية والحَرفية لصديقي عادل وغيره من أصحاب فكر العنف والكراهية كانت ستنتهي إلى كارثة وقتل للأبرياء، وفهمت لماذا ذكر الله في الإنجيل أن "الحرف يقتل" (أي أن الفهم الحرفي للأشياء قد يتسبب في قتل إنسان) ـ وأدركت لماذا قال القرآن "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أقفالها".

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.