استبعد اللورد كرومر الأقباط من المناصب المهمة في مصر (أرشيف)
استبعد اللورد كرومر الأقباط من المناصب المهمة في مصر (أرشيف)

بقلم صامويل تادرس/

حين يسأل مصري عن مؤسس مصر الحديثة، فالإجابة دوما مهما اختلفت توجهاته: محمد علي. هكذا أجمعت مناهج التعليم ودفاتر الذاكرة الجمعية المصرية. ليس في الأمر إنقاصا من دور محمد علي، حين نذكر أن رجلا آخر يزاحمه هذا الدور المحوري: إيفلين بارينج اللورد كرومر، الذي كان الحاكم الفعلي لمصر لمدة تقارب 25 عاما.

لم يكن الأمر مقررا في البداية. جاء الإنكليز إلى مصر للقضاء علي عرابي وإعادة الاستقرار إلى البلاد من خلال تعزيز سلطة الخديوي توفيق بهدف الحفاظ على المصالح المالية البريطانية وضمان تسديد مصر لديونها. كانت الخطة تقضي بالقيام ببعض الاصلاحات الصغيرة ثم الرحيل سريعا. من أجل هذا الهدف جيء باللورد كرومر. لم يكن الرجل غريبا عن البلاد. قام بدور هام كمسؤول مالي في نهاية عهد الخديوي إسماعيل، لكن تكوينه الفكري بدأ في الهند.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: الكنيسة القبطية وأزمة الحداثة (6)

في عقل كرومر الشرق والغرب ضدان لا يلتقيان. العقلية الشرقية ممتلئة بالعيوب الناتجة عن الاستبداد، تغييب العقل، وسيطرة النزعة الدينية. لا يستطيع الشرقي تخطي ثقافته. أي محاولة إذا للسماح للشرقي بالحكم الذاتي ستنتهي بمأساة حيث أنه غير مؤهل لها. الحل إذا هو الإدارة البريطانية الحازمة التي من خلالها يمكن الوصول إلى الاستقرار والتقدم. كرومر، ها هنا هو الابن البار للمدرسة الاستعمارية البريطانية وأفكار مسؤولية الرجل الأبيض.

نظر اللورد كرومر إلى التعليم كمصدر للخطر. رأى أن نشوء طبقة كبيرة متعلمة أكبر من احتياجات الجهاز الحكومي قد يخلق مشاكل

​​سوف تؤكد تجربة كرومر في مصر له أفكاره المسبقة. مصر التي حضر إليها هي دولة شبه منهارة، حكامها من الأتراك هم أسوأ ما فيها طبقا لكرومر. فاسدون، غير أكفاء، لا يعرفون إلا الكرباج والاستبداد وسيلة للحكم. لا يهتمون بشؤون البلاد ويقمعون الفلاحين.

الهدف الأول الذي وضعه كرومر كان الاستقرار المالي بعد الانهيار الذي أدى إليه إسراف إسماعيل. في عام 1887 تحقق الاستقرار المالي. وجه كرومر اهتمامه لشؤون الريف المصري من خلال مشاريع ضخمة للري. أهم ما قام به هو تنظيمه الإداري لمصر. نتيجة تجربته في الهند، لم يتحمس كرومر لإنشاء بيروقراطية كبيرة. ونتيجة عدم ثقته في الموظفين المصريين، سيأتي بمئات الخبراء الإنجليز على رأس الإدارات الحكومية ويقوم بتعيين الآلاف من الشوام محل المصريين.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث 5: الخديوي إسماعيل

نظر كرومر إلى التعليم كمصدر للخطر. رأى أن نشوء طبقة كبيرة متعلمة أكبر من احتياجات الجهاز الحكومي قد يخلق مشاكل. في عام 1882 كان في مصر 28 مدرسة ابتدائية حكومية ومدرستين ثانويتين. حين ترك مصر عام 1907، كان عدد المدارس 32 ابتدائية وأربع ثانويات. في عام 1907 كانت نسبة الأمية 91% بين الرجال و99.7% بين النساء. ستتحقق تخوفات كرومر رغم أنفه. لم يكن بإمكانه السيطرة على المدارس الأجنبية أو إرسال المصريين لأولادهم للتعلم في أوروبا. سيشكل المتعلمون عماد الحركة السياسية المناوئة للإنجليز.

وجد الأقباط أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه. تم استبعادهم من المناصب الحكومية المهمة وإحلال الشوام والمسلمين مكانهم

​​يبقى وضع الأقباط تحت حكم كرومر. يطيب لكثير من المصريين استحضار مقولة كرومر في كتابه "مصر الحديثة": "الفرق الوحيد بين القبطي والمسلم، أن الأول مصري يتعبد في كنيسة مسيحية بينما الآخر مصري يتعبد في مسجد محمدي"، للتدليل على الوحدة الوطنية عبر التاريخ وغياب الفوارق بين المصريين. في الحقيقة، القصد من الجملة الإهانة.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث (4): كيرلس الرابع

كان كرومر ينظر إلى الإسلام نظرة دونية. الإسلام في عقله، هو دين لا يحض على التفكير وإعمال العقل وهو السبب الأساسي لتخلف الشرق. من هذا المنطلق يمكن فهم الصفحات العشرين التي اختص كرومر بها الأقباط في كتابه.

يكتب كرومر: "القبطي بقي غير قابل للتغير ليس لأنه قبطي ولكن لأنه مشرقي". السبب هو أن القبطي صار مسلما: "القبطي بغير معرفته قام بمشابهة المسلمين"، "القبطي من رأسه إلى أخمص قدميه، في الأخلاق، اللغة، الروح.. مسلم، رغم عدم رغبته في الاعتراف بهذه الحقيقة". هذا الأمر طبيعي نتيجة طول الاحتكاك بينهم فـ"الأقلية يجب عليها، بحكم الضرورة، أن تخضع لتأثير الأغلبية". من هذا المنطلق الأقباط والمسلمون سواء.

كان هناك جانب إيجابي، تحت حكم الاحتلال الإنكليزي سمح للأقباط لأول مرة بالدخول في المدارس العليا

​​صار الأمر أسوأ بحكم وضعهم كأقلية مضطهدة، وهذا ما جعل الأقباط، طبقا لكرومر، يتصفون بصفات الخبث والانتهازية. في كتابه "أبناء الفراعنة المحدثون" يكتب ليدر "حين أتى الإنكليز إلى البلد في 1882 كان لديهم موقف من عدم الثقة تجاه الأقباط لا يختلف عن الموجود في أوروبا تجاه اليهود".

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: عصر محمد علي (3)

استبعد كرومر الأقباط من المناصب المهمة في البلاد. قام بإحلال الشوام مكانهم. بعيدا عن نظرة كرومر تجاه الأقباط ذكر الرجل سببان لسياساته: الأول أن القبطي لم يحمل أي مشاعر ودودة تجاه "المصلح الإنكليزي". تفسير كرومر للأمر أن الأقباط توقعوا أن يفضلهم المحتل على المسلمين، وحين لم يحدث ذلك كرهوه. السبب الثاني ذكره في رسالة إلى رؤسائه عام 1889، عندما أشار إلى أنه سيقوم بالاعتماد على المسلمين فيما يخص إدارة مصر. تفسير ذلك سهل. مصر ذات أغلبية سكانية مسلمة. تفضيل الأقباط سيؤدي إلى ظهور مشاكل للإنكليز. بعكس تجربة الاحتلال الفرنسي في الشام التي اعتمدت على الأقليات، سيهمل الإنكليز الأقباط.

كان هناك رغم ذلك جانب إيجابي. تحت حكم الاحتلال الإنكليزي سمح للأقباط لأول مرة بالدخول في المدارس العليا التي كانوا ممنوعين من دخولها. مدرسة الطب أنشأت عام 1824، ودخلها الأقباط لأول مرة عام 1886. وأنشأت مدرسة الهندسة عام 1834، وتخرج منها أول قبطي عام 1899. دخل أول قبطي مدرسة الحقوق عام 1887. كما دخل أول قبطي مدرسة الأوقاف عام 1889، وأول خريج قبطي كمعلم عام 1889 أيضا.

اقرأ للكاتب ايضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: الجنرال يعقوب

وجد الأقباط أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه. تم استبعادهم من المناصب الحكومية المهمة، وإحلال الشوام والمسلمين مكانهم. وظائف مثل المدير (المحافظ) والمأمور صارت ممنوعة عليهم رغم توليهم لها في السابق. برر الإنكليز الأمر بأن المسلم فقط هو القادر على الحصول على الاحترام اللازم لحفظ الأمن. لم يتوقف الأمر عند هذه المناصب. اشتكي الأقباط من تغييبهم من مختلف المناصب المهمة في الوزارات المختلفة والجيش. المشاكل سوف تتراكم. في المدارس الحكومية سوف يدرس الدين الإسلامي فقط. الحركة السياسية الناشئة بقيادة مصطفى كامل سوف تتبني خطابا إسلاميا مواليا للسلطان العثماني والرابطة الإسلامية كإطار جامع.

ورد في التقرير الإنكليزي عن اغتيال بطرس غالي عام 1910: لو كان بطرس باشا مسلما لما وقعت الجريمة

​​في عام 1908 سوف تثور المسألة القبطية على صفحات الجرائد. كان للأقباط صحيفتين رئيسيتين: الوطن (1877) ومصر (1895). إذ أثارت مقالات الصحيفتين حفيظة الشيخ عبد العزيز جاويش القيادي بالحزب الوطني. في 17 حزيران/يونيو 1908 سيكتب في جريدة الحزب الوطني (اللواء) مقالته الشهيرة "الإسلام غريب في دياره". لن يخجل الرجل من استخدام أي إهانة في مقالاته المتتالية. "خدود الأقباط تصلح نعالا"، "الأقباط يجب أن يضربوا حتى الموت. لا زال لديهم أوجه وأجسام تشبه تلك التي للشياطين والقرود. وجودهم في العالم هو إثبات نظرية داروين أن الانسان أصله قرد". صحف المؤيد ومصر الفتاه سوف تشارك في الهجوم.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث 1

في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1908 سوف يعين بطرس غالي باشا رئيسا للوزراء. كان كرومر قد رحل عن مصر وحل محله جورست الذي تبنى سياسة العمل مع الخديوي بعكس سابقه. اختيار غالي كان من قبل الخديوي عباس حلمي. غالي كان أول قبطي يتولى منصب الوزارة حين عين وزيرا للمالية في 1893 قبل أن يتولى الخارجية. قوبل تعيين غالي بالرفض من قبل الحزب الوطني الذي صاغ أسبابا سياسية للرفض. كان الكاتب الشاب وقتها عباس العقاد أوضح. كتب يقول إن اختيار مسيحي للمنصب يمثل إهانة للمسلمين حيث يصور عدم وجود مسلم كفؤ.

في 20 شباط/فبراير 1910 يتم اغتيال بطرس غالي علي يدي ابراهيم ناصف الورداني. وسيسوق القاتل أسبابا سياسية لفعلته: توقيع غالي على اتفاقية السودان، دوره في محكمة دنشواي، قانون المطبوعات، ومحاولة تمديد امتياز قناة السويس. درج المؤرخون المصريون على الموافقة على هذه الأسباب وتبرير فعلته. اختلف التقرير الإنكليزي عن الحادث مع هذا التبرير، إذ جاء فيه أنه "لو كان بطرس باشا مسلما لما وقعت الجريمة". زاد الأمر سوءا رفض المفتي الموافقة على حكم إعدام القاتل. تبارى نخبة من المحامين المصريين من حزب الأمه في الدفاع عنه بقياده أحمد لطفي السيد. اعتبر الحزب الوطني الورداني شهيدا. يوم إعدامه خرجت الجماهير المصرية هاتفه "قولوا لعين الشمس متحماشي.. لحسن غزال البر صباح ماشي". الهتاف الثاني كان أوضح ما يكون "تسلم إيدين الورداني.. قتل بطرس النصراني".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…
شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.