هربا من الموت في الغوطة (أ ف ب)
هربا من الموت في الغوطة (أ ف ب)

بقلم حسن منيمنه/

ما هي طبيعة الصراع في سورية؟ يتنازع الخطاب المثقف، الموضوعي و"المهذب"، تقييمان. أحدهما يرى في الأمر ثورة شعبية ضد نظام قمعي مجرم، والآخر يعتبر ما يجري مؤامرة، خارجية في معظمها، تستهدف الحلقة المركزية لمحور المقاومة والممانعة وتسعى إلى تمرير مشاريع على مستوى المنطقة والعالم.

ضمن الخطاب الإعلامي الترويجي، تتراجع بعض اللياقة وتظهر بعض الفجاجة في التصوير. المسألة هي إذن انتفاضة على نظام يتحكم ظلما بسورية، ذات الأكثرية السنية، لصالح أقلية علوية، أو "نصيرية" عند الجرأة والعداء. فيما هي، من الجانب الآخر، مسعى أكثرية، أو بعض منها، استولى على عقلها داء الإقصاء التكفيري الداعي إلى حرمان ما عداها من حقوقه، فتوجب مواجهتها بل إنقاذها من نفسها.

أما المتداول في محافل التواصل الاجتماعي، فغالبا ما يسقط الجماليات ليصبح الأمر ثورة السنة، أصحاب الحق والأرض، على العلويين، المتآمرين عليهم على مدى التاريخ، ومن اصطف معهم من الأقليات والخونة. أو هي فصل آخر من فصول كبح جماح المتوحشين والمتخلفين من السنة والحاسدين لما أنجزه غيرهم فيما هم عاجزون عنه.

الموضوع السوري هو نموذج وحسب للتكاذب المترسخ في الخطاب السياسي المشرقي العربي، حيث الزعم في المجال العام هو غلبة العوامل الوطنية والموضوعية، فيما السائد في الإطار الخاص هو الصدارة للاعتبارات الفئوية الطاعنة بالآخر القريب. والحالة السورية تبرز هذا الواقع المموه بالشكل الواضح الصريح. فقبل سورية كان للثقافة السياسية في الإطار العربي ظاهرا وباطنا، أما اليوم، مع سورية، فالباطن يزداد ظهورا، فيما الظاهر ينكفئ.

إن الرضوخ للطائفية كحقيقة منتصرة ليس أمرا محتما، لا في سورية ولا في سائر المشرق

​​وعلى مستوى الظاهر، شهدت الثقافة العربية تتال من السرديات الكبرى التي أرادت تأطير الواقع القائم المأزوم سعيا لتبيان المستقبل البنّاء. أولى هذه السرديات، مع بدايات القرن الماضي وقيام منظومة الدول القطرية في أعقاب الحرب الكبرى (الحرب العالمية الأولى)، كانت الحداثة العالمية التي تعتنق التقدم الغربي على أنه نتاج حضاري للإنسانية جمعاء وتعمل على تحقيقه بأسلوب فوقي ـ أبوي ـ نخبوي تتولى عبره بعض الشرائح التي نالت نصيبا من الرقي تمريره إلى العامة.

اقرأ للكاتب أيضا: مساءلات بحق الأفارقة، الأميركيين والعرب

ومع افتراض فشل هذه السردية، في أعقاب "النكبة"، برزت أخرى تنقضها في نخبويتها فتعتمد الشعوبية، وفي عالميتها فتتراجع إلى الخصوصية الثقافية، وهي السردية القومية العربية. ولكن "النكسة"، والتي هي أشبه بالفضيحة قوضت مزاعم السردية القومية، فصعدت أخرى تمتد مجددا إلى ما يتجاوز الإرث الخاص، ولكن تحت مسمى الأممية، وتعود إلى النخبوية، إنما باسم "الطليعة"، وهي السردية الاشتراكية.

ورغم أن السمة الثورية قد مكنت هذه السردية من الاستقطاب، فإن اهتراء المنظومة المساندة لها، أي الاتحاد السوڤياتي وتوابعه، ثم تورط موسكو في أفغانستان، كشف إفلاسا في هذه السردية. وهذا ما أتاح المجال للعودة إلى الخصوصية، إنما بصيغة دينية، فكانت السردية الإسلامية. لم تأت هذه السردية بالجديد، بل أعادت توضيب المتاح، فهي، كما القومية وعلى خلاف الحداثية والاشتراكية، تؤكد على الخاص الثقافي وترفض العام، فيما هي تنتقي من الصيغ المختلفة لسابقاتها الثلاث الثورية، والنخبوية (الجهادية) حينا والشعبوية (الإخوانية) أحيانا. ومهما تنوع الإبداع في اختيار المقومات، بقي الفشل هو النتيجة.

ولكن تحت هذا الظاهر الخطابي المتحول، ثمة باطن عقدي يكاد أن يكون ثابتا، اخترق الظاهر من أكثر من موقع، وأثر عليه، بل كاد أن يكون حاسما في دفعه إلى مصيره. تتقاسم هذا الباطن جدليا قناعتان، يمكن وسم أولاهما بالـ"الأكثروية"، والأخرى بـ"الأقلوية".

وخلاصة "الأكثروية" أنها القائلة بأنه للمنطقة هوية ثقافية واضحة، كانت إسلامية قبل القرن الماضي (تستثني غير المسلمين من صلب الهوية) ثم أعيد طرحها لتصبح عربية (تخرج الأكراد وغيرهم وتدخل المسيحيين بعد إقرار عروبتهم)، قبل أن تستقر على صيغة إسلامية عربية (تقتصر على العرب السنة، وهم الأصل وإن غير المعلن منذ نشأة هذه القناعة)، وأن المنطقة في حالة عداء مع الخارج.

أزمة المنطقة المشرقية وامتدادتها ليست طبعا خطابية في جوهرها. كما هو الحال في كافة المجتمعات، القضية هي أولا، مسألة الموارد وتوزيعها واستعمالها

​​فوفق الرأي "الأكثروي"، من لا يستوفي المعيارية، من غير العرب السنة، سواءً كان القصور قوميا أو دينيا، مطالب ضمنيا بالولاء المضاعف للتعويض وللاقتراب من المساواة القطعية، وإلا ثبتت عليه تهمة الخروج والخيانة والعمالة والاغتراب (ويأتي "التكفير" كوسيلة اتهام إضافية في المرحلة الإسلامية). فـ"الأكثروية"، وإن كانت على الغالب صامتة، هي أن من ليس من الجماعة السيدة، متهم إلى حين ثبوت الولاء.

أما القناعة "الأقلوية"، وإن كانت في العديد من تعابيرها لا تنفي حالة الصراع مع الخارج، غير أنها ترى أن المواجهة الأولى هي مع الداخل، وتحديدا مع الأكثرية. هذا الكم الذي تفوقه الأقلية رقيا وثقافة وقدرات، إما بداعي الخيارات التي أقدمت عليها عبر التاريخ، أو المنحة التي نالتها بإرادة إلهية، أو نتيجة للانتقاء الطبيعي على مدى القرون. والأمر سواء، فعلى الأقلية، أو الأقليات حين ترى صلاح التحالف أو وجوبه، درء خطر الأكثرية عنها على أقل تقدير، أو السعي إلى رفع هذه الأكثرية، حاجة أو كرما، عند الإمكان.

قد يكون من المجدي لقراءة الثقافة السياسية في الإطار العربي، ولا سيما المشرقي، متابعة تفاعل القناعتين "الأكثروية" و"الأقلوية" مع السرديات المتتالية، الحداثية والقومية والاشتراكية والإسلامية. والهيمنة ليست تلقائية. فإذا كان ثمة قدر من التماهي بين الحداثية، والتي تعتمد على المنتوج الغربي في عالميتها، وبين "الأقلوية"، ولا سيما لدى النخب المسيحية التي تعتنق هذا المنتوج جهارا، فإن الاعتبارات الطبقية والتوزع المديني الريفي، أي العوامل الأفقية، اخترقت العاموديات الفاصلة بين الطوائف، فالنخبة الحداثية جمعت الشرائح العليا من الأكثرية والأقليات، وإن كانت النسب مختلفة بوضوح عن حال العامة.

اقرأ للكاتب أيضا: معضلة التوفيق بين القصص الديني والتاريخ الوقائعي

أما السردية القومية فالمفارقة فيها أنها نتاج "أقلوي" يسعى إلى تقويض "الأكثروية" الإسلامية عبر استبدالها بـ"أكثروية" أخرى. وما بدا وكأنه قدر من النجاح، من خلال إعادة طرح الإسلام على أنه وليد العروبة، سرعان ما تبين أنه وحسب مزيد من التضييق في مفهوم المعيارية، والتي أمست "عربية إسلامية"، بدلا من أن تكون مجرد "عربية" (أو إسلامية). فكان على ميشيل عفلق أن يدفن باسم "أحمد ميشيل عفلق" لصون مطلق كفاءته القومية.

"الأكثروية"، وإن كانت على الغالب صامتة، هي أن من ليس من الجماعة السيدة، متهم إلى حين ثبوت الولاء

​​غير أن استبدال "النخبة" بـ"الطليعة" قد يكون أهم انجازات هذه السردية. فعلى خلاف النخبة، الواضحة المعالم اقتصاديا واجتماعيا، "الطليعة"، بصفتها المرحلية المزعومة، لا تحتاج أن تمثل تركيبة المجتمع، بل أن تسعى وحسب لصالحه وإن رغما عنه. فلا يضر الطليعة أن يغلب عليها اللون الطائفي الواحد، طالما أن القصد شريف، بل إن من يشير إلى هذا اللون هو الطائفي الرجعي. ومع مراجعة النجاحات المتواصلة في أكثر من حالة للاستيلاء الفئوي على "الطلائع"، ضمن السردية القومية كما ضمن السردية الاشتراكية، يجدر حول ما إذا كانت "الطليعة" وحسب تجسيدا أو إعادة تعليب لمفهوم التفوق "الأقلوي".

فالسردية الإسلامية في العديد من إلقاءاتها جاءت بلغة فجة في "أكثرويتها"، يبدو أنها تحاكي التغشية "الأقلوية" في الاستيلاء "الطلائعي" على السردية القومية والاشتراكية، والتي لا تفي بالغرض إلا شكلا. ومع انغماس السردية الإسلامية في منحاها الإقصائي، يبدو وكأن القناعة "الأقلوية" تسير باتجاه إسقاط الأقنعة.

رغم الشكل المعيب، والمنتقل من الخطاب الجامع، وإن المتكاذب، إلى الخطاب الفئوي الوقح، في صيغتيه "الأكثروية" و"الأقلوية"، فإن الرضوخ للطائفية كحقيقة منتصرة ليس أمرا محتما، لا في سورية ولا في سائر المشرق.

أزمة المنطقة المشرقية وامتدادتها ليست طبعا خطابية في جوهرها. كما هو الحال في كافة المجتمعات. القضية هي أولا، مسألة الموارد وتوزيعها واستعمالها، أرضا وطاقة وغذاء وماء، لإيفاء الحاجات والرغبات. وثمة من ربط الأزمة السورية بالتحولات المناخية وما ترتب عنه من تصحر ونزوح. وثمة من اعتبره ناتج عن تبدل أنماط استهلاك الطاقة والحاجات المتضاربة إلى مد أنابيب غاز عبر سورية.

هذه وغيرها من الأسباب قد يصح القول إنها من العوامل. والعنصر القاضي ليس التصوير الخطابي. ولكن للصيغ الخطابية القدرة على التأثير بما يضبط المصالح ويؤطرها. والإقرار بالعلاقة بين القناعات الفئوية والمصير البائس للسرديات الكبرى ليس تسليما بغلبة الطائفية، بل هو دعوة وحسب إلى عدم إسقاط الاعتبارات الطائفية من التقدير خلال السعي إلى تشذيب البديل الوطني. وهو جهد لا يزال في أول الطريق.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.