هلا، البالغة من العمر 9 سنوات تتلقى العلاج بعد إصابتها بقصف قوات النظام السوري (أ ف ب)
هلا، البالغة من العمر 9 سنوات تتلقى العلاج بعد إصابتها بقصف قوات النظام السوري (أ ف ب)

بقلم فارس خشّان/

في اللحظة التي يصبح فيها خليط العويل والصراخ والنحيب هو الموسيقى، ويكون الدوي هو الإيقاع، ويكون الموت الجماعي هو الحدث، وتكون أشلاء الأطفال والنساء والعجزة هي الديكور، لا يعود ثمة قيمة لأي تحليل، ولأي عقل بارد، ولأي قلم مدرك.

في هذه اللحظة، لا تعود الحرب حربا، لأنه حتى الحروب لها ضوابطها التي تحوّل كل مستخف بها من محارب إلى مجرم، ومن قائد إلى سفاح، ومن دولة إلى عصابة.

في هذه اللحظة، لا تعود هناك انتصارات. المنتصر بالمجازر مهزوم. الحقد الذي يراكمه يهزمه. الدماء التي يريقها تخنقه. الدمار الذي يتركه ينهمر عليه. النحيب الذي يستخرجه يلاحقه.

في هذه اللحظة، تتلاشى الحدود الفاصلة بين المفاهيم. لا يعود ثمة فارق بين جيش نظامي وبين تنظيم إرهابي. ولا يعود ثمة تمييز بين من يتوسل سيارة مفخخة وبين من يتوسل المدافع والصواريخ والدبابات والطائرات. الأدهى أن مدعي مكافحة الإرهاب يصبح هو أكبر مروج للإرهاب.

في هذه اللحظة، لا تعود ترى إلا الغوطة، وهي ترفع منسوب نهر بردى ليس بالماء المتفجر من الينابيع بل من الدماء المتفجرة من الأجساد

​​في هذه اللحظة، يصيبك اليأس من كل شيء: من الديموقراطيات. من منابر السلام. من المحاكم الدولية. من برامج التلفزيون. من أفلام السينما. من الكتاب الذي بين يديك. من الحب. من التقدم الطبي. من الابتكارات الكبرى. من مهرجانات الفرح. من المتمايلين على أنغام فنانات الإغواء. من مروجي الأديان، من حقوق الأقليات، من مظلومية الأكثريات، ومن وعود صناديق الاقتراع.

اقرأ للكاتب أيضا: نصر الله في "محكمة الحريري"

في هذه اللحظة، لا تعود تنتظر من الأرض شيئا، فتذهب بخيالك إلى الجنة. حتى ولو كنت لا تؤمن بالجنة إلا أنك تحتاج إليها. تحتاج إليها لترى الطفل المتناثر أشلاء، يلهو ويضحك ويأكل الحلويات. تحتاج إليها لترى الأب الذي يفتش عن عائلته المفقودة تحت الأنقاض، يجمع عائلته إلى طاولة الطعام ويسرد عليها قصص الجدود ويمنحهم نصائح بناء المستقبل. تحتاج إليها لترى الأم المفجوعة باحتضان ما تبقى من أجساد أبنائها، تقف أمام الموقد تجهز لهم فطور الصباح وتشرف على حقائب الكتب وتطبع على جباههم قبلات التشجيع، عند سماع هدير باص المدرسة.

في هذه اللحظة، تنتفض فيك ذكرياتك الموجعة لتقارنها بضحايا المجازر، فيؤلمك أنها، على مرارتها، كانت نزهة بسيطة على أعتاب الجحيم الذي يرسل إليه هؤلاء، جماعات جماعات، حيث يجوعون ويعطشون ويرتعدون ويتألمون ويقتلون، بالحديد والنار والحجر.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان وإسرائيل... والحرب

في هذه اللحظة، يصدمك أن تتعرف على أشكال الشيطان، فهو يتدثر، حينا، بجبة رجل دين يدعي الولاء لله، وهو يتمظهر حينا بزي غربي حديث، يدعي تقديم نفسه على مذبح خدمة الإنسانية.

في هذه اللحظة، لا تعود تسأل عن موازين القوى ولا عن لعبة الأمم ولا عن تقاسم رقع النفوذ. كل ذلك لا تعود له أهمية، أمام استكبار السفاحين

​​في هذه اللحظة، تهرب إلى أفلام الحيوانات، فتُكبر في الوحش أنه لا يقتل إلا ليأكل هو وعائلته. يصطاد ما يسد حاجته فقط لا غير. هو لا يرتكب مجزرة. إنه يدفعك إلى السخرية من مفاهيمنا للتوحش ومفاهيمنا للإنسان.

في هذه اللحظة، تعرف كل من اختبأ وراء قناع اسمه أبو بكر البغدادي، ومن استعمل واجهة اسمها "داعش". ترى هؤلاء بالعين المجردة. تميزهم واحدا واحدا. لا تعود مخدوعا بمن صنعه، ومن استعمله، فمن ثمارهم تعرفونهم. تعرفونهم من مجازرهم. من استخفافهم بكل قيمة. من احتقارهم لكل حضارة ولكل ما يدب حياة على الأرض.

في هذه اللحظة، لا تعود ترى إلا الغوطة، وهي ترفع منسوب نهر بردى ليس بالماء المتفجر من الينابيع بل من الدماء المتفجرة من الأجساد. تشمها، وهي تستبدل عطر زهر الليمون، بأجساد خمرت موتا حتى العفن. تسمعها، وهي تستبدل زقزقة العصافير بنحيب الأمهات وعويل الآباء وأنين الجائعين، وسخافات قلق الدبلوماسيين، وكذب تعهدات الرؤساء.

في هذه اللحظة، لا تعود تسأل عن موازين القوى ولا عن لعبة الأمم ولا عن تقاسم رقع النفوذ. كل ذلك لا تعود له أهمية، أمام قوافل الموت، أمام تجسيد الجحيم، وأمام استكبار السفاحين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.