علينا أن ننتظر سنوات طويلة لتجف الدماء ويكتب المنتصر تاريخ الغوطة الحديث (أ ف ب)
علينا أن ننتظر سنوات طويلة لتجف الدماء ويكتب المنتصر تاريخ الغوطة الحديث (أ ف ب)

بقلم كوليت بهنا/

يتصدر اسم الغوطة اليوم نشرات الأخبار العربية والعالمية وعناوين الصحف بسبب الحملة العسكرية عليها الأكثر دموية منذ سنوات والتي أدت إلى مقتل المئات، معظمهم من المدنيين المحاصرين منذ سنوات الذين تتخذهم الفصائل الإسلامية المسلحة درعا بشريا بحسب الخطاب الرسمي، فيما تنفي الفصائل الأمر وتقول إنهم اختاروا البقاء بإرادتهم خشية من عمليات "الترانسفير" التي حدثت مع أهالي المناطق الثائرة الأخرى.

شهدت الغوطة التي تتاخم العاصمة السورية، في العقدين الأخيرين توسعا عمرانيا كبيرا حيث لجأت إليها العائلات الشابة الجديدة من سكان دمشق لتدني أسعار عقاراتها مقارنة بالغلاء الفاحش في العاصمة، فشكلت تمازجا جديدا بين الريف والمدينة. وانتعشت لسنوات قليلة قبل أن يندلع الحراك السلمي عام 2011 الذي شاركت فيه مدنها الرئيسة وبلداتها منذ بداياته قبل أن يتصاعد العنف ويتعسكر الصراع.

الغوطة تاريخيا، بستان عظيم أو مجموعة بساتين مثمرة، تعتبر سلة دمشق الغذائية وتحيط بها بمساحة إجمالية تصل إلى حدود 230 كيلومتر مربع تقريبا. اشتق اسمها من الغائط ومعناه المطمئن من الأرض وجمعه غيطان وأغواط. ذات تربة خصبة للغاية بما يحمله إليها نهر بردى من طمي مثل دلتا النيل. يبتدأ حدها غربا من فوهة وادي "الربوة" فـ"المزة" فـ"داريا"، وينتهي جنوبا بـ"صحنايا" و"الأشرفية" و"سبينة" و"حوش بلاس"، ومن الشرق "الريحان" و"الشفونية" و"حوش مباركة" و"حوش خرابو" و"النشابية" و"بيت نايم"، وينتهي شمالا بجبلي "قاسيون" و"سنير" أو جبل قلمون" و"جبل الحلو".

اقرأ للكاتبة ايضا: فصل من بشاعة الحرب

تشكل هذه الأسماء بمجموعها أسماء الأقاليم الرئيسية للغوطة متضمنة قرى كثيرة يحمل بعضها أسماء آرامية أو يونانية أو رومانية أو فارسية أو عربية، أي أنها كانت تشكل 90% من الطوق الأخضر المحيط بدمشق الذي اندثر بمعظمه وتصحر وباتت أغلب هذه الأقاليم جزءا رئيسيا من العاصمة بعد توسعها العمراني الكبير منذ ستينيات القرن الماضي تقريبا. 

بلغت الغوطة في درجات العلم مكانة لا بأس فيها وما خلت في أكثر الأدوار قرية من قراها من رواة السنة وأرباب الفقه وممن يقرضون الشعر

​​تغنى الشعراء بجمال الغوطة بقصائد تربو على ألف قصيدة. وعن أبي إمامة أن النبي (ص) تلا هذه الآية "وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين". قال: "هل تدرون أين هي؟" قالوا: "الله ورسوله أعلم". قال: "هي الشام بأرض يقال لها الغوطة، مدينة يقال لها دمشق هي خير مدائن الشام". يدرك "الغواطنة" الذين كانوا ينتمون تاريخيا إلى الأديان السماوية الثلاث وبقيت معابدهم الدينية إلى وقت قريب، قيمة إقليمهم ويعتزون به ويقدرونه خير تقدير ويقولون في أمثالهم "شبر بإلية الخاروف ولا ذراع بذنب الثور". ويرددون أن جزءا صغيرا من أرضها أعود على صاحبها ممن يمتلك مساحات عظيمة في غيرها من الأراضي الفقيرة.

اقرأ للكاتبة أيضا: راقصة في "سوتشي"

بلغت الغوطة في درجات العلم مكانة لا بأس فيها وما خلت في أكثر الأدوار قرية من قراها من رواة السنة وأرباب الفقه وممن يقرضون الشعر. وقد أخرجت رجالا اشتهروا شهرة عالمية وخدموا الشريعة على اختلاف مظاهرها. وفي أكثر العصور كانت "داريا" حاضرة للعلم والأدب، وممن نبغ منها من الصحابة "عبد الرحمن بن يزيد الأزدي الداراني" ويعد من الطبقة الثانية من فقهاء الشام. ومن التابعين من أهلها "سالم بن عبد الله المحاربي" قاضي دمشق، وكان من حملة القرآن وممن يحضر الدراسة في دمشق.

ومن أهل الغوطة أيضا، فقيه الشام وقاضيه "أبو إدريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله" الذي تولى القضاء بدمشق في عهد الخليفة معاوية وابنه يزيد؛ ومنهم أيضا "أبو سليمان الداراني" الذي يقول فيه أبو حيان التوحيدي إنه جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: "والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك" وقد فعل ذلك مخافة أن يكون خط فيها ما يستحق عليه النار يوم القيامة. ويقول العمادي في "الروضة الريا": "وممن سكن داريا بلال الحبشي مؤذن رسول الله (ص) مات سنة عشرين (للهجرة)" وقال ابن كثير: "والظاهر أنه دفن بداريا".

ما تقدم، جزء يسير للغاية من تاريخ الغوطة القديم، أما تاريخها الحديث فربما علينا أن ننتظر سنوات طويلة لتجف الدماء ويكتبه المنتصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.