تشييع الطيار الروسي الذي أسقطت طائرته في سورية في 8 شباط/فبراير
تشييع الطيار الروسي الذي أسقطت طائرته في سورية في 8 شباط/فبراير

بقلم عريب الرنتاوي/

صنفت الاستراتيجية الكونية الجديدة للولايات المتحدة، روسيا والصين بين القوى "الرجعية" المناهضة لأميركا والمنافسة لها، وأطلقت الاستراتيجية الدفاعية الجديدة للبنتاغون، ما يمكن وصفه بـ "سباق تسلح جديد" بين موسكو وواشنطن، يستعيد مفردات الحرب الباردة ويذكر بها.

وعلى وقع هذه التطورات الجديدة في العلاقات الدولية، يتزايد الحديث، خصوصا في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط على اتساعها، عن نظام عالمي جديد آخذ في التشكل، على أنقاض نظام "الأحادية القطبية"، الذي بدأ مع انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد اختبر نظام "الأحادية القطبية" لأول مرة في حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، قبل أن يبدأ بمواجهة الصعوبات مع اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2008، ومن ثم تفاقم الأزمة السورية ودخول روسيا كلاعب رئيسي فيها في الربع الأخير من العام 2015، وصعود دول وتكتلات جديدة على المسرح الدولي، عسكرية وسياسية واقتصادية، وشيوع الحديث عن نظام "متعدد الأقطاب"، وإن كانت ملامحه لم تتضح بعد.

وتتكشف القراءات العربية لموقع روسيا ودورها في النظام الدولي الجديد، الآخذ في التشكل، عن ثلاثة أنماط من التفكير:

سيخفق الاقتصاد الروسي، كما أخفق الاقتصاد السوفياتي من قبل، في كسب "المباراة الاقتصادية"، ولن يكون بمقدوره تمويل "سباق تسلح"

​​الأول؛ ويمكن وصفه بـ "الرغائبي"، وتتبناه عموما جماعات وقوى وتيارات محسوبة على المدرسة القومية ـ اليسارية ـ العربية القديمة، والدول والجماعات المنضوية في إطار ما يعرف اليوم باسم "محور المقاومة والممانعة" في المنطقة، والذي يضم إلى جانب إيران، كلا من سورية وحزب الله وجماعات أخرى.

بعض مدارس هذا التيار، تريد أن تصدق أن الاتحاد الروسي سيواصل دور الاتحاد السوفياتي المنحل، وأنه سيقف إلى جانب بعض الأطراف العربية والإقليمية في صراعها مع إسرائيل والولايات المتحدة، وأن وجود روسيا العسكري في سورية اليوم، قد أكسبها القدرة على الوقوف بـ "ندية" في مواجهة الولايات المتحدة، وأن سورية ستكون الساحة التي ستشهد على ولادة نظام "الثنائية القطبية معدلا".

اقرأ للكاتب أيضا: قطار الربيع العربي لم يتوقف بعد

ومع أن تجربة الأعوام القليلة الفائتة، أظهرت غياب ما يدعم الفرضية القائلة بقدرة روسيا على أن تكون "القطب الثاني" في معادلة النظام الدولي، أظهرت كذلك، وبما لا يدع مجالا للشك، أن روسيا في أحسن تقدير، تقف على مسافة واحدة بين العرب والإسرائيليين. وإنها، أي روسيا، لا تقيم وزنا لمطالب الإصلاح والتغيير الديموقراطي في العالم العربي، ومستعدة لدعم أنظمة وحكومات ديكتاتورية، بذريعة أن ثورات الربيع العربي وانتفاضاته، لم تجلب سوى الخراب للمنطقة، وأن الأولوية في العالم العربي، يجب أن تعطى للاستقرار والتنمية، وليس لحقوق الإنسان ونشر الديموقراطية، في تبن صريح للأطروحة العربية الرسمية التي تضع الاستقرار والتنمية في تقابل وتضاد مع الإصلاح والديموقراطية.

الثاني؛ ويرى أن روسيا أضعف من أن تكون لاعبا قادرا على "معادلة" دور الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وأن نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، يكاد يقتصر على سورية، وأنها حتى في ساحة نفوذها الرئيسة: سورية، تجد مشقة في التوصل إلى حل للأزمة، من دون أن تأخذ بنظر الاعتبار مصالح فرقاء كثيرين آخرين وحساباتهم.

ويذهب هذا الفريق، إلى عدم استبعاد تحول سورية إلى مستنقع ثان لروسيا، في تذكير بالمستنقع الأفغاني الأول، وأن موسكو تواجه تحديا أميركيا في شمال سورية وشمالها الشرقي، وتحديا إسرائيليا في جنوب غرب سورية، وتحديا تركيا في الشمال الغربي، فضلا عن علاقاتها الغامضة والمعقدة مع طهران ودمشق والقوى الحليفة والرديفة لهاتين العاصمتين.

ثمة "حيرة" عربية في فهم طبيعة المواقف والمصالح الروسية في المنطقة، وفي التعرف على محددات الدور الروسي على الساحتين الإقليمية والدولية

​​هذا الفريق لا يقيم وزنا لصعود قوى وتكتلات اقتصادية وأمنية جديدة، مثل الصين ومجموعة "البريكس" ومجموعة "شنغهاي" وغيرها، ويرى أن دور هذه القوى والتكتلات، سيظل محدودا للغاية عند صياغة العلاقات الدولية وتحديد معالم النظام العالمي الجديد الذي تراه هذه المدرسة امتدادا واستمرارا لنظام "الأحادية القطبية".

الثالث؛ وينطلق من فرضية أن بديل نظام "القطب الواحد" الآخذ في الترنح، هو نظام "متعدد الأقطاب"، وليس نظام "الثنائية القطبية" كما كان عليه الحال زمن الحرب الباردة، وأن الولايات المتحدة ستظل تلعب دورا رئيسيا فيه، وإن لم يكن متفردا أو مهيمنا، وأن روسيا ستضطلع بأدوار في ظل هذا النظام، من ضمن مجموعة من الأقطاب الدولية الناشئة، مثل الصين والهند والبرازيل، فضلا عن القوى الدولية التقليدية الأخرى مثل دول الاتحاد الأوروبي، وليس بوصفها ندا منفردا للولايات المتحدة.

اقرأ للكاتب أيضا: "جعجعة بلا طحين": بانتظار موسم انتخابي جديد في العالم العربي

ويعطي هذا الفريق، أوزانا مهمة لصعود "المارد الاقتصادي الصيني" إلى جانب بقاء روسيا كقوة عسكرية، يحسب لها حساب، بالنظر لامتلاكها ترسانة من أسلحة الدمار الشامل ووسائل نقلها من صواريخ وغواصات وطائرات استراتيجية وقواعد في جوارها وفي مياه المتوسط الدافئة.

والحقيقة أن ثمة "حيرة" عربية في فهم طبيعة المواقف والمصالح الروسية في المنطقة، وفي التعرف على محددات الدور الروسي على الساحتين الإقليمية والدولية، ما يجعل "التخبط" في تشكيل الرؤى ورسم السياسات، أمرا ظاهرا للعيان في كثير من المحطات والساحات.

روسيا لن تستطيع التفوق على الولايات المتحدة أو حتى مجاراتها اقتصاديا.. فحجم الاقتصاد الأميركي يفوق بأكثر من ثلاثة عشرة مرة حجم الاقتصاد الروسي، والفجوة بين البلدين في هذا المجال، مرشحة للاتساع وليس للتجسير. وثمة قائمة من عشر دول على الأقل، يتعين على روسيا أن تتجاوزها من أجل كسب "المباراة الاقتصادية" مع الولايات المتحدة.

تجري المباراة الاقتصادية و"الدفاعية" بين أميركا وروسيا في ظروف ليست مواتية للأخيرة إذ فقدت سيطرتها على مساحات واسعة من الاتحاد السوفياتي

​​سيخفق الاقتصاد الروسي، كما أخفق الاقتصاد السوفياتي من قبل، في كسب "المباراة الاقتصادية"، ولن يكون بمقدوره تمويل "سباق تسلح". لا يبدو أن واشنطن في عهد إدارة الرئيس ترامب، مترددة في خوض غماره. فالزيادة في ميزانية الإنفاق العسكري الأميركي بعد انقضاء سنة أولى على إدارة ترامب (أكثر من سبعين مليار دولار)، تفوق بكثير إجمالي الموازنة الدفاعية الروسية (46 مليار دولار) للسنة ذاتها. وتزيد آخر موازنة دفاعية أميركية عن موازنة روسيا الدفاعية بأكثر من أربعة عشر ضعفا على أقل تقدير.

إن المباراة الاقتصادية و"الدفاعية" بين الدولتين، تجري في ظروف ليست مواتية لروسيا. إذ فقدت الأخيرة سيطرتها على مساحات واسعة من الاتحاد السوفياتي القديم، فضلا عن أوروبا الشرقية، وفقدت تأثيرها على عشرات من دول العالم الثالث و"عدم الانحياز". كثير من هذه الدول، التي طالما دارت في الفلك السوفياتي، لم تعد تحتفظ اليوم بعلاقات طيبة مع روسيا، حتى أن بعضها يبدي حماسة ظاهرة في استقبال قوات "الناتو" ودرعها الصاروخي وقواعدها على أرضها وفي مياهها وأجوائها، ما خلق ويخلق مناخات من القلق والتحسب في مؤسسات صنع القرار الروسية من سياسية ودفاعية.

في مقابل عدم قدرة الولايات المتحدة، على الاحتفاظ بدورها كزعيمة متفردة للعالم كما كان عليه الحال في ظل نظام "القطبية الأحادية"؛ وعجز روسيا عن استعادة إرث الاتحاد السوفياتي القديم ودوره ووزنه في العلاقات الدولية، وعدم قدرتها على مجاراة واشنطن في "المباراة الاقتصادية" و"سباق التسلح" كما كان عليه الحال زمن الحرب الباردة و"القطبية الثنائية"؛ ومع الصعود المتسارع لبعض الأقطاب الاقتصادية و"النووية" في آسيا وأميركا اللاتينية؛ يبدو أن العالم يتجه لـ "تعددية قطبية"، ستجد الولايات المتحدة نفسها مجبرة على التعامل مع أقطابه الموزعة على عدد أكبر من الدول، كما أن روسيا ستجد نفسها مرغمة على القبول بموقعها كلاعب إقليمي ـ دولي من بين عدة لاعبين.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.