وجود مشاكل يعاني منها الأقباط لم يأت مفاجئا لأحد (أرشيف)
وجود مشاكل يعاني منها الأقباط لم يأت مفاجئا لأحد (أرشيف)

بقلم صامويل تادرس/

في 6 آذار/مارس 1911 عقد الأقباط مؤتمرا في مدينة أسيوط تحت عنوان المؤتمر القبطي رافعين خمسة مطالب تتعلق بالمشاكل التي يواجهونها. قوبل المؤتمر بالرفض التام من قبل الأغلبية وتعرض لهجوم حاد وقت انعقاده؛ وسرعان ما تبعه مؤتمر آخر في 29 نيسان/إبريل تحت عنوان المؤتمر الإسلامي ثم عدل إلى المصري للرد على المطالب القبطية. المصدر الأساسي الذي شكل تصور النخبة المصرية، بمختلف توجهاتها، للمؤتمرين على مدى قرابة نصف قرن، قام بصياغته طارق البشري في كتابه "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية".

الإطار العام لكتاب البشري هو غياب أي مشاكل قبطية حقيقية في تلك الفترة، أو بعدها، وانعدام الخلاف الحقيقي بين المسلمين والأقباط. انعقاد المؤتمر إذا غير مبرر بل ويمثل خطرا، "المؤتمر اكتسب خطورته الأساسية على الوحدة الوطنية من فكرة انعقاده نفسها". لماذا عقد المؤتمر إذا؟ "ظهر نوع من اصطناع الخلاف بين المسلمين والأقباط". من وراء هذا الاصطناع؟ الإنكليز بالطبع.

لكن التاريخ يذكر أن المعتمد البريطاني في مصر جورست قاد حملة رفض المؤتمر! هذا لا يوقف البشري من نسجه خرافاته "ظاهر موقف جورست في هذه المسألة لا يمثل حقيقة الموقف البريطاني منها". يذهب جورست إلى الصعيد ويصرح بأنه لم يسمع شكاوى قبطية هناك! فيقول البشري، "جاء حديثه مشجعا الداعين إلى النهوض تكثيرا للمشاكل". يجتمع قناصل الدول بقادة الأقباط مهددين لهم بعد تدخل جورست! البشري لديه الحل دوما "لا يستبعد أنهم كانوا يتربصون في المؤتمر فرصا تسوغ تدخلهم في شؤون مصر". يتقدم الأقباط بمطالبهم التي تبدو مفهومة! يحذر البشري "برغم أنه يبدو طابع الاعتدال على مثل هذا المطلب، فقد كان التأكيد عليه يقصد به إثارة مشكلة لم تكن قائمة". على مثل هذا المنوال صاغ البشري هراءه.

حمل المؤتمر تمثيلا قلما وجد في تلك الفترة. شارك في المؤتمر 1150 عضوا. كل عضو من هؤلاء كان يجب عليه أن يحمل توكيلا من عشرة أقباط آخرين

​​هل كانت المطالب القبطية وليدة وجود مشاكل حقيقية أم هي نتاج سياسات الإنكليز المستمرة "فرق تسد" كما درج المصريون على تصويرها؟ من هم الأشخاص الذين قادوا الدعوة للمؤتمر وماذا كانت أهدافهم؟ هل الدعوة للمؤتمر كانت فجائية كما كتب أحمد لطفي السيد وقتها وتبعه طارق البشري؟ هل كان المؤتمر ممثلا للأقباط؟ وماذا كانت المطالب التي تقدم بها؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وجب علينا الرجوع إلى الفترة السابقة للمؤتمر.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: الأقباط تحت الاحتلال الإنكليزي (7)

أول ذكر لدينا لوجود مشكلة قبطية ومحاولة بعض الأقباط البحث عن حل لها كان في عام 1897. في هذا العام ذهب وفد قبطي يتكون من ويصا بقطر واندراوس بشارة وأخنوخ فانوس إلى اللورد كرومر وإلى رئيس الوزراء مصطفى فهمي حاملين بعض المطالب: مساواة الأقباط والمسلمين في التعيين في المناصب الإدارية، تعطيل المحاكم يوم الأحد، تعيين عضو قبطي ثالث في مجلس شورى القوانين، وتعليم الدين المسيحي للتلاميذ الأقباط في المدارس الحكومية. وافق اللورد كرومر على المطلبين الثاني والثالث وتجاهل الباقي. في 1908 تقدمت جمعية التوفيق القبطية بطلب مقابلة جورست الذي حل محل كرومر ولم يستجب طلبها. في 20 حزيران/يونيو 1908 قام سميكة بك بمقابلة جورست حاملا المطالب القبطية. في 25 حزيران/يونيو 1908 أرسل له أخنوخ فانوس رسالة حاملة المطالب نفسها. في العام نفسه ذهب وفد مكون من أخنوخ فانوس، تادرس شنودة المنقبادي وحبشي مفتاح لمقابلة الخديوي للسبب نفسه. أثيرت عام 1909 مسائل تدريس الدين المسيحي، عدم قبول الأقباط في مدارس المعلمات، وغياب تمثيل الأقباط عن مجالس المديريات وعن مناقشات مجلس شورى القوانين.

اشتكى الأقباط حينئذ من أن رئيس الوزراء بطرس غالي لم يتدخل لحل هذه المشاكل لشعوره بالإحراج نظرا لقبطيته. الخطوة الإيجابية الوحيدة تجاه المطالب القبطية، قام بها وزير التعليم سعد زغلول، وهو الأمر الذي سيذكره الأقباط له بعدها، حين وافق على تعليم الدين المسيحي للطلبة المسيحيين، لكنها ظلت منقوصة. اشترط زغلول لتعليمهم وجود عدد كبير من الطلاب وتكفل الأقباط بأجور المعلمين. الخطوة الأخيرة قبيل انعقاد المؤتمر كانت إرسال كرياكوس ميخائيل في حزيران/يونيو 1910 مندوبا عن الصحف القبطية إلى لندن لتوعية الجمهور العام الإنكليزي حول المطالب القبطية.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: الكنيسة القبطية وأزمة الحداثة (6)

يفهم من هذا السرد أن وجود مشاكل يعاني منها الأقباط لم يأت مفاجئا لأحد، وأن انعقاد المؤتمر جاء بعد غياب أي سبيل آخر لحل هذه المشاكل. لكن المؤتمر في طوره الأول لم يهدف إلى البحث عن حل لهذه المشاكل فقط. في مقالة سابقة ذكرنا انهماك الأقباط بأمرين طوال الحقبة السابقة: صراع المجلس الملي مع البطريرك وانتشار البروتستانتية في مصر. في دراسة ماجستير مهمة غير منشورة للباحث مراد سينوت يؤكد أن المؤتمر وليد هذين الأمرين. التاريخ المقترح لانعقاد المؤتمر كان 24 شباط/فبراير 1910، وكانت الدعوة تركز على مناقشة الشؤون الداخلية للأقباط من وقف عمل المجلس الملي. يكشف مراد أن الداعين للمؤتمر هم من قادة الحراك القبطي الداعي لتولي المجلس الملي إدارة شؤون الأقباط مثل مرقس حنا، مرقس فهمي وإلياس عوض. الثلاثة كانوا من أعضاء المجلس الملي في 1906 الذي لم يستكمل عمله. بجانب هؤلاء برزت أسماء قيادات بروتستانتية مثل أخنوخ فانوس، جورج ويصا وعائله خياط. من هذا المنطلق يمكن فهم تخوف البطريرك كيرلس الخامس من المؤتمر من ناحية وتشجيع الأنبا مكاريوس مطران أسيوط الذي عرف بتبنيه المطالب الإصلاحية.

أمام غياب أي بدائل أمامهم والرفض الإنكليزي لمناقشة المشاكل القبطية لم يكن من المستغرب أن يعقد الأقباط مؤتمرهم

​​لماذا تم تأجيل المؤتمر لمدة عام؟ قبل انعقاد المؤتمر بثلاثة أيام تم اغتيال بطرس غالي باشا. أجج الاغتيال، كما سردنا في المقالة السابقة، نيران المشكلة الطائفية. في عام 1908 شهدت مصر جدلا عنيفا بين الأقباط والمسلمين على صفحات الجرائد. نتج عن هذا الجدال استقالة الأعضاء الأقباط القليلين في الحزب الوطني بقيادة ويصا واصف. في الوقت نفسه كان لدى الأقباط مخاوف من خطاب الحزب الآخر (حزب الأمة) رغم تبنيه الهوية المصرية فلم ينضم إليه سوى قبطي واحد (فخري عبد النور). خلال تلك الفترة امتنع أحمد لطفي السيد عن نشر أي مقالة ترد على هجوم الشيخ جاويش مما دفع الأقباط إلى القول إنه في الشأن القبطي لا فرق بين لطفي السيد وجاويش.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث 5: الخديوي إسماعيل

الأمر الأهم، أن تلك الفترة شهدت حوادث مؤسفة لهجوم الغوغاء على الأقباط في أسيوط والقاهرة وقنا وسوهاج كما جرت محاولات لتهديد الصحف القبطية مثل "الوطن" من قبل الدولة. في ظل غياب أي بدائل أمامهم والرفض الإنكليزي لمناقشة المشاكل القبطية لم يكن من المستغرب أن يعقد الأقباط مؤتمرهم وأن يركز المؤتمر على المشاكل القبطية بعد اغتيال غالي الذي كان يعد كبيرا للقبط خصوصا أن الوزارة التالية خلت من أي قبطي.

هل كان المؤتمر ممثلا للأقباط أم مثل شرذمة صغيرة منهم كما يصور طارق البشري؟ الحقيقة أن المؤتمر كان يحمل تمثيلا قلما وجد في تلك الفترة. شارك في المؤتمر 1150 عضوا. كل عضو من هؤلاء كان يجب عليه أن يحمل توكيلا من 10 أقباط آخرين. هذه الأرقام تشي بوجود حركة حقيقية ذات ظهير شعبي يؤيدها. قيادة المؤتمر التي تم انتخابها كلها أسماء معروفة في الساحة السياسية المصرية قبل وبعد المؤتمر. رئيس المؤتمر هو جورج ويصا (عضو مجلس النواب بعدها)، نائبا الرئيس: أخنوخ فانوس (رئيس الطائفة البروتستانتية) وخليل ابراهيم (عضو المجلس الملي عامي 1883 ـ 1892)، أمين الصندوق اندراوس بشارة، سكرتير المؤتمر توفيق دوس باشا (النائب والوزير لاحقا). وضمت اللجنة التنفيذية للمؤتمر بشري حنا (عضو مجلس النواب الوفدي وشقيق سينوت حنا)، إلياس عوض (عضو لجنة دستور 1923)، فخري عبد النور (القيادي الوفدي الكبير والنائب في مجلس النواب)، مرقس فهمي (أحد أقطاب المحاماة)، ومرقس حنا (نقيب المحامين والوزير الوفدي). مؤتمر يضم هؤلاء لا يمكن اتهامه بعدم تمثيل الأقباط رغم رفض بعض الأقباط مثل واصف بطرس غالي وويصا واصف له.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث (4): كيرلس الرابع

ما هي مطالب المؤتمر القبطي إذا؟ خرج المؤتمر بخمسة مطالب:

  1. منح يوم الأحد كإجازة رسمية للموظفين الحكوميين والطلبة.
  2. أن تكون التعيينات والترقيات في الوظائف الحكومية طبقا للكفاءة وليس للدين.
  3. اعتماد نظام انتخابي يضمن تمثيل الأقليات (تم اقتراح النظام البلجيكي).
  4. مساواة المدارس القبطية والإسلامية في المصروفات التعليمية الحكومية.
  5. مساواة المنظمات القبطية الخيرية مع الإسلامية في الدعم الحكومي.

وباستثناء المطالبة بإجازة يوم الأحد، لا يمكن وصف أي من هذه المطالب بالطائفية. بالعكس، جاءت هذه المطالب تحمل خطابا يطالب بالمساواة. سادت الروح عينها على الخطب التي ألقيت في المؤتمر حيث أكدت على الوحدة الوطنية محذرة من الخطاب الذي يقول للمسلم إن القبطي ليس أخاه، بل المسلم الذي يعيش في بلدان أخرى. بينما أكدت خطب أخرى على أن المشاكل القبطية هي نتاج السياسة البريطانية التي تستبعد الأقباط من المناصب وتعمل على تهييج المسلمين على الأقباط.

ماذا كانت ردة الفعل على المؤتمر القبطي وعلى مطالبه؟ نستكمل حديثنا في المقالة المقبلة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

(FILES) In this file photo taken on February 4, 2020, Iraqi students hold hands and chant as they march in an anti-government…
تظاهرة طلابية في العراق في فبراير الماضي

قد تُقدِّم الأزمة الاقتصادية التي تحيط بالعراق بسبب تراجع أسعار النفط، وبالتالي انكشاف هشاشة القطاعات الاقتصادية وتبلّد حلولها، لمحة عن المشكلة العراقية، لكنها ليست جوهر المشكلة على أية حال. فسعر النفط سوف يرتفع لا محالة، ويمكن حينها تعويض القطوعات في المرتبات، والمضي قدما نحو ضخ الآلاف من الشباب إلى مكاتب البطالة المقنعة بلا إنتاج، أو لتعظيم أعداد القوات الأمنية والعسكرية المليونية، أو حتى لاستئناف حفلات التقاسم الحزبي التقليدية لصفقات الوزارات وقوت الناس وإهدار المزيد من فرصهم.

الفشل الحكومي الممتد للسنوات السابقة كان قد أوفى نذوره بوضع الحكومة الحالية أمام امتحان سداد مرتبات الملايين من الموظفين والمتقاعدين الذين يعتمدون في حياتهم على رواتب الدولة، وذلك ليس خبرا مفزعا إذا ما كان بداية لولادة رؤية اقتصادية قائمة على تنويع مصادر الدخل، واستثمار طاقات الشباب في الإنتاج الزراعي والصناعي وسط رعاية حكومية. والحقيقة أن هذا التحدي ـ على فداحته ـ لم يكن السبب الذي دفع البيئة الحزبية العراقية إلى إنتاج حكومة من خارج سياقها وأمومتها الكاملة.

الصراع الأميركي ـ الإيراني، على ما اكتنف من خطورة، ليس بدوره أساس المشكلة العراقية، فقواعد الاشتباك تتغير إقليميا ودوليا باستمرار، ومن يتهم الحكومة الحالية اليوم بأنها أميركية، قد يتهمها غدا بأنها إيرانية، لأنه ينطلق، في نهاية المطاف، من رؤية كانت على الدوام تحلل الحدث العراقي بمعزل عن صيرورته الذاتية، متجنبة طرح المسائل الكبرى التي تدفع ببلد تاريخي مثل العراق إلى أن يكون مجرد قضية إقليمية ودولية.

لم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم

يمكن المجادلة طويلا مع "الخبراء" الذين جمعوا أذيال السياسة والإعلام والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس في وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم الدروس والعبر والنصائح منذ اليوم الأول لتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، كما يمكن القبول باستشراء القفز الحر إلى الاستنتاجات استنادا إلى الأمنيات حينا وإلى التخندق أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أبدا القبول بانطباع مُشوَّش يفترض أن مجرد تشكيل حكومة الكاظمي قد جعل الأزمة العراقية المركبة وراء ظهر العراقيين وليس أمامهم.

يمكن القول إن تظاهرات تشرين، قد أوضحت بدورها عن بعض مكامن اللحظة العراقية الحرجة التي يمكن اختصارها بعبارة: "انعدام الثقة بين المجتمع والدولة".

ليس الأمر وكأنه نحتٌ لعبارات مكررة، بل هو حفرٌ في حقيقة المسكوت عنه طوال عقود في العلاقة غير المكتملة بين الدولة العراقية وشعبها.

على الدوام كان انعدام الثقة دافعا لتكريس مواقف سياسية ومن ثم اجتماعية، عرقلت اكتمال مفهوم الدولة في العراق، ولم يكن ثمة حكم طوال القرن العشرين إلا وكان نتاجا لعدم نجاح الدولة في كسب ثقة كلّ شعبِها بها أو في الأقل معظمهم.

ولهذا، كان بالإمكان دائما القول بأن الدولة العراقية لم تثق بكل شعبها في أيٍّ من مراحلها، ولهذا أيضا، كانت تلك الحماسة الطاغية لعقود حول عروض الدولة الوطنية لفئات ومكونات اجتماعية في مقابل معارضة طاغية ودامية لفئات أخرى. ولهذا، لم تنجح قوى الإسلام السياسي الشيعي باستيعاب سيطرتها الفعلية على الحكم في العراق بعد 2003 واستمرت تفترض أن وجود المنظمات المسلحة على هامش الدولة وليس ضمن مؤسساتها التقليدية هو ضامن للطائفة، كما أن القوى الكردية لم تصدّق يوما أن العراق هو دولة يمكن تبادل الثقة معها إلى درجة دمج القوى المسلحة الراعية للقومية في الجيش الوطني، ولهذا انقلبت القوى السنية من التبشير بنسختها الخاصة من مفهوم الوطنية العراقية المستند إلى إرث من محاولة إجبار الآخرين على قبولها بالقوة، إلى انتظار لحظة الانفكاك عن الوطن نفسه!

ليست لحظة العراق العصيبة خلف العراقيين، بل هي أمامهم. بإمكانهم اليوم مع تشكيل حكومة افترضت نفسها نتاج أزمة بنيوية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، وليست صنيعة صيرورات ديمقراطية طبيعية، طرح الأسئلة بصوت مرتفع على الحكومة وعلى الأحزاب وعلى أنفسهم، حول ماهية الدولة، وكيف يمكنها أن تعيد ترميم الثقة المفقودة معهم، وصولا إلى تسليم السلطة إلى نتائج قوى منبثقة من انتخابات عادلة نزيهة.

ليست المرة الأولى التي تقف فيها دولة 2003 أمام امتحان الوجود، وليست المصيدة الأولى أمام الخريطة العراقية، فقد كان الفشل بإنتاج نظام عدالة انتقالية حقيقي كفيلا بتحويل القطيعة مع الماضي البعثي إلى نظام مصالح متجذر أكثر منه مشاعر حقيقية، وكان الفشل في تقويض التلاعب بالنزعات العاطفية المذهبية والقومية كفيلا في بناء منظومات سياسية ربطت مصيرها بهذا التلاعب، وتنازلت عن سلطة قرار العراق طوعا إلى الأجنبي، وكان الفشل في معالجة الاقتصاد الريعي، كفيلا ببناء منظومة فساد تسرطنت في الدولة حد المجازفة بقتلها.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة

العجز عن استعادة ثقة الشعب العراقي بالدولة، لم ينقذه حديث الفاعل الشيعي أمام جمهوره عن ضمان الحكم للشيعة، ولم يعالجه تبشير الفاعل الكردي أمام جمهوره بخريطة رسمت عام 2017 على ورقة استفتاء، ولم يغفر له تلويح الفاعل السني لجمهوره بإنشاء الإقليم.

الحقيقة أن إخفاق الدولة في اختبار الثقة لم يغفره العراقيون لكل ساستهم، وكانت انتفاضة تشرين لمحة فقط من ذلك الغضب الخطير الذي تكثف عبر السنوات وتحول إلى كَربٍ شعبي مزمن، يعبّر عن نفسه بلمحات مقلقة.

الوقت المستقطع الذي منح العراق فرصة تنفس مؤقتة، وضع ورقة اختبار النوايا لحكومة الكاظمي منذ يومها الأول على الطاولة، لكنه جاء في أسوأ ظروف ممكنة، بسبب أزمة كورونا، وما تبعها من انهيار اقتصادي عالمي. إنه وقت ثمين جدا، يجب دعمه بتنازلات حزبية جادة وحقيقية تصل إلى الاعتراف بطيّ صفحة بأكملها وفتح أخرى، في مقابل تفهم شعبي.

أن تدرك حكومة الكاظمي أن المرحلة الأصعب ما زالت أمامها، يضعها مباشرة أمام مسؤولية التصدي لواجبها الأساسي بالعمل على إجراءات حقيقية تضمن استعادة ثقة الشعب بالدولة، وذلك لن يكون من دون أن تبدأ الدولة أولا باستعادة الثقة بشعبها، كلِّ شعبها.