تظاهرة للاتحاد التونسي للشغل (أ ف ب)
تظاهرة للاتحاد التونسي للشغل (أ ف ب)

بقلم عريب الرنتاوي/

من يتتبع تفاصيل علاقة اليسار العربي خاصة، والعلمانيين العرب عامة، بحركات الإسلام السياسي بجناحيها السني والشيعي، تحديدا بعد انتهاء الحرب الباردة، وبالأخص في السنوات العشر الفائتة، لا بد يلحظ أنها سلكت مسارب ثلاثة:

الأول؛ ويتميز بـ "الاستتباع" و"الذيلية"، ولا سيما بإزاء تيارات الإسلام السياسي الشيعي "المقاوم"...

والثاني؛ ويتميز بالنبذ والإقصاء ولا سيما مع تيار الإسلام السياسي السني، الإخواني بخاصة، ربما باستثناء حركة حماس، مقابل "الاستلحاق" بالدولة العميقة...

الثالث؛ ويتميز بالاستقلالية والتكافؤ والندية، مع أنه مسار ثانوي لم تسلكه سوى فصائل وشخصيات محدودة في حجمها ونفوذها وتأثيرها.

في المقابل، سيجد الباحث المتأمل في خريطة العلاقات الإسلامية ـ العلمانية، أن تيارات الإسلام السياسي سلكت بدورها مسارات ثلاثة في علاقاتها بالعلمانيين العرب:

بعض اليسار والعلمانيين العرب، وأمام الصعود الجارف لتيارات الإسلام السياسي في المنطقة، انتهج طريقا من اثنين: إما الاستتباع للحركات الإسلامية وإما الاستلحاق بالدولة العميقة

​​الأول؛ ويمكن أن نطلق عليه مسار "التوظيف" و"الاستخدام"، حيث لجأت قوى وتيارات إسلامية إلى استغلال الاحتياج العلماني للتحالف مع قوى شعبية نافذة، لتحقيق أغراض أخرى، منها استيعاب المخاوف من النفوذ المتفرد والمهيمن لهذه الجماعات، واستغلال علاقات العلمانيين الإقليمية والدولية خاصة، من أجل التجسير مع عواصم صنع القرار الدولي ومراكزه، ومنها منع خصوم الإسلاميين من جنرالات و"دول عميقة" من "وضع اليد" على إرث العلمانيين العرب من يساريين وقوميين وديمقراطيين ليبراليين ووطنيين مستقلين.

المسار الثاني؛ ويمكن أن نسميه مسار "الشيطنة" و"التكفير"، إذ تولت حركات إسلامية بمرجعيات مذهبية وفكرية مختلفة، العمل على "شيطنة" هذا التيار و"تكفير" رموزه، توطئة لعزله ونبذه، وإقصائه عن المشاركة في العمليات السياسية والمؤسسات المنبثقة عنها، وحصر نفوذه وتأثيره في مؤسسات الدولة والمجتمع في أدنى حد ممكن.

اقرأ للكاتب أيضا: ثلاث قراءات عربية للنظام العالمي الجديد وموقع روسيا فيه

المسار الثالث؛ وقد أملته بعض توازنات القوى القائمة في الدولة والمجتمع بين التيارين، فجنح الإسلاميون إلى القبول بالعلمانيين من يساريين وقوميين، بل وبشروا بالتحالف معهم، وتداولوا معهم السلطة، من منطلق تعذر الانفراد بالحكم والنفوذ، وبسبب الإخفاق في إعمال مفاعيل نظرية "التمكين" المتجذرة في وعي الحركة الإسلامية وعقيدتها وسلوكها وممارساتها.

توفر تونس أفضل نموذج قائم حتى الآن، على العلاقة المتوازنة بين العلمانيين بمدارسهم المختلفة من جهة والإسلاميين في حزب النهضة، الذي يمثل أكثر "الطبعات الإخوانية" انفتاحا على قيم المدنية والتعددية والديمقراطية من جهة ثانية.. وتوازن العلاقة يعود إلى توازن القوى في المجتمع التونسي، بين جناحي الثورة التونسية.. لا دولة عميقة في تونس، ولكن مجتمع عميق، أثبت حتى الآن، أنه قادر على الحد من جموح الإسلاميين للتفرد والهيمنة والتمكين.. على أن تونس ذاتها، توفر أيضا، صورة عن النزعة الإقصائية لليسار الراديكالي، الذي ينبذ الإسلاميين ويناصبهم العداء، ويلوذ إلى الإستقطابات الحادة في نظرته وعلاقاته معهم.

توفر تونس أفضل نموذج قائم حتى الآن، على العلاقة المتوازنة بين العلمانيين بمدارسهم المختلفة من جهة والإسلاميين في حزب النهضة

​​فلسطين ولبنان، قدما نماذج لأشكال ومستويات متفاوتة من علاقات "الاستتباع" و"الذيلية" التي نسجها بعض "اليسار المقاوم" مع حركتي حماس السنية وحزب الله الشيعي. وأصبح شعار "المقاومة" اليوم، مثلما كان شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" بالأمس، ذريعة بعض هذه الحركات العلمانية للذوبان والاستتباع والذيلية.. في المقابل، توفر التجربتان، نموذجا لمسار "التوظيف" و"الاستخدام" الذي تمارسه قوى الإسلام السياسي للتيار العلماني، فهو ينفع كمظلة تخفي الهيمنة و"التمكين"، ويمكن أن يكون "ديكورا زائفا" لإخفاء أكثر السياسات الموغلة في مشروع إعادة انتاج الدولة والمجتمع على صورة وشاكلة هذه الحركات الدينية.

قبل أيام، صرح مستشار المرشد العام للثورة الإسلامية، علي أكبر ولايتي، بأن بلاده، متحالفة مع "الصحوة الإسلامية"، يقصد الشيعية بالطبع، لن تسمح للعلمانيين والشيوعين والليبراليين بالعودة لحكم العراق، الأمر الذي عد تدخلا فظا في شؤون العراق الداخلية وفي انتخاباته، وشف عن عميق العداء الذي تستبطنه "الصحوة" للقوى العلمانية، مع أن فصائل وأحزاب وقوى عديدة علمانية، تدافع عن إيران وتتحالف معها وتتمول منها بل وتقاتل إلى جانبها.

الموقف الإيراني الفج، وجدنا نظيرا له، وإن كان مغلفا بقفازات ناعمة، في خطابات وممارسات الحزب الإسلامي (السني) الحاكم في تركيا وبعض جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي، ولا سيما مع اندلاع ثورات الربيع العربي.. نجح أردوغان في تفكيك قلاع العلمانية الأتاتوركية وإسقاطها الواحدة تلو الأخرى: الرئاسة، الجيش، الجامعة، الإعلام والقضاء.. فيما لا يخفي الإخوان المسلمون، والسلفيون بالطبع، مواقفهم الكارهة للعلمانية والعلمانيين بوصفهم فرقا ضالة، ومعادية قولا وعملا لهم ولفلسفتهم في الحكم والسياسة والاجتماع.

اقرأ للكاتب أيضا: قطار الربيع العربي لم يتوقف بعد

الموقف الإيراني، يؤشر بما لا يدع مجالا للشك، إلى حقيقة أن لا مكان للعلمانيين في خطاب "الصحوة" الإسلامية واستراتيجياتها، حتى وإن كانوا من معسكر الأصدقاء والحلفاء، وأن الصيغة الوحيدة المقبولة للعلاقة معهم، هي الاستتباع والذيلية والاستخدام والتوظيف.

لا مكان للعلمانيين في خطاب "الصحوة" الإسلامية واستراتيجياتها، حتى وإن كانوا من معسكر الأصدقاء والحلفاء

​​أما الموقف التركي، فيشف عن درس استراتيجي بالغ الأهمية، يرسم علاقة الإسلاميين والعلمانيين، ومفاده أن الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، لا يمكن أن يتطور مدنيا وديمقراطيا إلا بوجود "معادل موضوعي" له في الدولة أو المجتمع.. في تونس توفر "المعادل الموضوعي" بالمجتمع المدني والحركة النسائية والقوى العلمانية القوية.. وفي المغرب تلعب الملكية دور "ضابط الإيقاع" لتطور حركات الإسلام السياسي، من منها في السلطة ومن خارجها.. وفي تركيا توفر "المعادل الموضوعي" في "الدولة العميقة"، تماما مثلما هو الحال في مصر كذلك.. مصر وتركيا تسيران وإن بتفاوت وسرعات مختلفة، ناجمة عن اختلاف الظروف والسياقات، صوب الديكتاتورية وحكم الفرد، في حين تسير تونس نحو أفق ديمقراطي تعددي على الرغم من المصاعب والتحديات.. أما المغرب، فمصير مسار التحول الديمقراطي فيه متروك لتطور توازنات القوى بين قوى التغيير وسلطة القصر.

وتثبت التجربة التركية بخاصة، وبعض تجارب الربيع العربي، أن طريق الإسلاميين العرب للحرية والديمقراطية والتعددية، وحتى "المصالحة مع العلمانية" كما كان عليه الحال في تركيا، ليست طريقا ذات اتجاه واحدة، فالعودة إلى الوراء تظل أمرا ممكنا إن اختلت توازنات القوى مع "المعادل الموضوعي" سواء أكان كامنا في مؤسسات الدولة أو مبثوثا في قوى المجتمع ومؤسساته.. سنوات صعود تركيا العشر الأولى من تجربة حكم العدالة والتنمية، كانت محكومة بهذا التوازن الدقيق بين الإسلاميين والدولة العلمانية العميقة، وعندما نجح أردوغان في تفكيك مؤسسات الدولة واختراقها من الداخل، خصوصا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة، أطلق العنان لخطابه الإسلامي ـ المذهبي، وشرع في "أسلمة" مؤسسات الدولة والمجتمع، وإقصاء العلمانيين عن مراكز صنع القرار، ومن ضمن سياقات نظرية "التمكين" ذاتها.. أما الإخوان، فقد شرعوا في ترجمة سياساتهم الإقصائية، قبل أن يستتب لهم حكم مصر، وما أن وصلوا إلى سدة السلطة فيها.

بعض اليسار والعلمانيين العرب، وأمام الصعود الجارف لتيارات الإسلام السياسي في المنطقة، انتهج طريقا من اثنين: إما الاستتباع للحركات الإسلامية كما في بعض التجارب (لبنان، فلسطين والعراق)، وإما الاستلحاق بالدولة العميقة كما في تجارب أخرى، وهنا تبرز مصر بوصفها المثال الأفدح على استلحاق النخب العلمانية المختلفة، بالدولة العميقة ومؤسسة الجيش وجنرالاتها، وتبنيها لخطاب إقصائي شديد التطرف حتى حيال أكثر مدارس الإسلام السياسي وسطية واعتدالا.

في معظم تجارب العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين في العالم العربي في السنوات العشر الأخيرة، فقد اليساريون والعلمانيون لونهم وهويتهم، حتى أنهم ما عادوا يجرؤون على الجهر بعلمانيتهم، ويفضلون استخدام "المدنية" بدل العلمانية" في وصف حركاتهم وأحزابهم، أو في توصيف هوية الدولة التي يطمحون لبنائها ويناضلون في سبيلها..

ولا شك في أن خسارة العلمانيين العرب لهويتهم واستقلالهم، وتوزع ولاءاتهم وتحالفاتهم على ثنائية "العسكر والإخوان"، أو "الإسلام السياسي والدولة العميقة"، قد أفقدتهم القدرة على تشكيل "قطب ثالث" وازن، يحسب له حساب، ولن تقوم لهم قائمة في مسارات التحول والانتقال في منطقتنا، ما لم يعودوا إلى أنفسهم ومرجعياتهم ويحتفظوا لأنفسهم بمسافة واضحة من حركات الإسلام السياسي من جهة، والدولة العميقة بكل أجهزتها الأمنية والعسكرية من جهة ثانية، وإلى أن يتحقق ذلك، سنظل أمام مخاض انتقالي مديد ومرير وباهظ الكلفة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.