الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال (أرشيف)
الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال (أرشيف)

بقلم مالك العثامنة/

يقال إن الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال لم يستخدم في قمة الرباط عام 1974 توقيعه المعروف (اسمه مرسوم فيه بما يشبه التاج الملكي)، بل وقع على قرارات القمة خاطا بيده عبارة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، بما يشبه تحفظا شديد اللهجة للملك الغاضب من إجماع القمة على أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي "والوحيد" للشعب الفلسطيني.

لا أستطيع تأكيد قصة التوقيع، لكن عندي قناعة بأن الملك الراحل كان طوال حياته حتى رحيله مكابرا على جرحه العميق بخسارته الضفة الغربية، نصف مملكته التي استلم عرشها بضفتين، بعد قرار الوحدة "أو الضم" للضفة الغربية عام 1950. وهي وحدة لم تباركها جامعة الدول العربية، وأصرت على اعتبارها احتلالا أردنيا، متحججة أن الرفض في الأساس كان فلسطينيا، مع أن الوقائع التاريخية تثبت اليوم أن الرفض كان فصائليا فلسطينيا.

على أرض الواقع، كانت الضفة الغربية فعليا أحد جناحي المملكة الهاشمية، وكان في البرلمان الأردني ممثلين عن محافظات الضفة الغربية. وكان الدينار الأردني العملة الرسمية المتداولة هناك، وكان جسر الملك حسين يحمل ذهابا وإيابا رعايا المملكة من مواطنين فيما يعبر عن واقع حال وحدوي منجز.

لكن في تلك المرحلة كان المد القومي، بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، هو المتحدث الرئيس والوحيد في النزاع العربي الإسرائيلي، وأي مخالفة لتيار عبد الناصر هو خيانة في ذلك الزمان، رغم أن خسارة حرب 1967 كانت مسؤولية عبد الناصر نفسه وباعترافه، وهي الهزيمة المرة التي خسر فيها الملك حسين نصف مملكته في حرب لم يملك ترف الاختيار في خوضها من عدمه ذلك الوقت.

كانت الضفة الغربية فعليا أحد جناحي المملكة الهاشمية، وكان في البرلمان الأردني ممثلين عن محافظات الضفة الغربية

​​ما علينا من كل تلك التفاصيل الآن، ما يهمنا كي لا نستطرد فنخسر نصف المقال، أن الملك حسين بقي يدير الضفة الغربية بمشاركة ضمنية مع إدارة الاحتلال الإسرائيلي، وربما كانت تلك السنوات الذهبية الأفضل في تاريخ الضفة الغربية منذ بداية عصر الاستقلال الحديث في العالم العربي.

اقرأ للكاتب أيضا: بابا روما وأفندينا في الباب العالي.. تشفير الهدايا و خفايا البروتوكول

وكانت الضفة حتى آخر سنوات حكمه حلما لم يكتمل، رغم غضبته عام 1988 التي ترجمها إلى قرار إنفعالي (على عكس هدوئه المعروف)، بما سمي بقرار فك الارتباط مع الضفة الغربية، وهو القرار الذي تبعه فورا إعلان ياسر عرفات في الجزائر استقلال فلسطين!

تحملت المنظمة (ككيان ثوري تحرري في تعريفها لذاتها) مسؤولية استعادة الأراضي المحتلة، وهي أراض محتلة بإقرار أممي واعتراف إسرائيلي كذلك. لكن إسرائيل، في المقابل، لم تكن ترى في المنظمة شريكا كاملا لأي اتفاقية سلام، وهو ما أدى في النهاية إلى مؤتمر مدريد، والمظلة الأردنية لتسريب شرعية ما إلى الوفد الفلسطيني، ثم الاستفراد بالفلسطينيين في أوسلو.

يمكن اختصار واقع الحال اليوم في اتفاقية سلام معطلة وجزر من المستوطنات الجديدة جعلت من حل الدولتين مزحة سمجة و"كلاشيه" لفظي يتمسك به محمود عباس كي لا تسقط شرعية سلطته. ولم يتبق من هذه الشرعية إلا ورقة توت تكاد تنزلق مع أول هبة ريح، لنجد أنفسنا في المحصلة أمام برميل بارود قابل للانفجار في الضفة الغربية، ونزاع يكاد يشتعل من جديد في أي لحظة، في محيط إقليم ملتهب بات للتطرف الديني أمراء حرب فيه.

إذن..

نحن أمام حلين، لا ثالث لهما، إما إقرار مفهوم العدالة للجميع عبر فكرة الدولة الواحدة، وهو ما ستحاربه إسرائيل بلا شك، رغم رواج الفكرة فلسطينيا، على مبدأ العدالة.. أو العودة إلى الأساس، والعمل على وحدة الضفة مع المملكة الأردنية الهاشمية، وهي عودة إلى ما قبل حرب الـ 1967 لتفعيل قرارات الأمم المتحدة ما بعد تلك الحرب على أسس قانونية سليمة.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

كتب البروفسور الإسرائيلي د. رؤوبين باركو في العام 2016، في "يسرائيل هيوم"، مقالا مطولا، أقتبس هنا الفقرة الأخيرة منه وهي خلاصة الرؤية الراهنة في إسرائيل حيث يقول: "... بالنسبة لإسرائيل، لمصلحتها ولوجودها المستقبلي، من المفضل طرح الخيار الأردني على الطاولة الدولية. الاعلان بأن إسرائيل مستعدة للانسحاب من 98% من الأراضي التي احتلت في عام 1967 وإعادتها الى الأردن. صحيح أنه في أواخر الثمانينيات اتخذت الجامعة العربية قرارا يصادر السيطرة على الضفة من أيدي الأردن ويحولها إلى منظمة التحرير، ولكن خلال العقود الثلاث التي مضت، أظهرت منظمة التحرير نسبة صفر من الاستعداد للتقدم نحو الدولة المستقلة والاقتصاد المستقل. ولذلك يمكن رؤية ذلك القرار ملغيا ولا يعكس التفضيل الفلسطيني".

نحن أمام تصاعد في الحديث اسرائيليا عن "الخيار الأردني" يرافقه عصف ذهني حقيقي بحثا عن خطط واقعية على الأرض 

​​وينهي باركو بقوله: "لدى المملكة الأردنية مخاوف مفهومة من الاحتضان الفدرالي أو الكونفدرالي مع الفلسطينيين، ولكن في الأفق لا يوجد أي حل آخر، والباب الموصد اسوأ من ذلك".

انتهى الاقتباس.. وأتساءل: أيها السادة في شرق المتوسط.. هل نحن أمام الباب الموصد الان؟

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

إن أي صيغة وحدة بين الضفتين، عليها أن تراعي أولا مفهوم الدولة بمعناها الحقيقي، وبما تتطلبه من أسس مواطنة متساوية، وهذا لن يتأتى للمواطن من أصل فلسطيني بدون أرض صلبة تحت قدميه، وهذا بالمعنى الحقيقي لا المجازي، أي جغرافيا صلبة يقف عليها وهي هنا الضفة الغربية من النهر، لتكتمل الوحدة بين الضفتين، بصيغة الدولة المؤسسية التي يحكمها دستور حقيقي ومواطنة متساوية.

إن عبارة "وحدة الضفتين" عبارة فضفاضة ورومانسية جدا، وفي تفاصيلها تكمن شياطين الحلول المخابراتية والأمنية، التي تضمن أمن إسرائيل فقط، بدون الانتباه إلى الأمن الإقليمي لكل الأطراف.

اقرأ للكاتب أيضا: الدولة المدنية في الأردن... حزب قادم للسلطة مع وقف التنفيذ

أخشى ما نخشاه، أن نعود إلى سيادة أمنية أردنية ذات منهجية بوليسية دركية في الضفة، وهو ما يفاقم الوضع أكثر، بدلا من حله، وعليه فإن أي مناقشات حول وحدة بين الضفتين، تتطلب أول ما تتطلب حرية الحديث عن التعديلات الدستورية، والعودة بها إلى ملكية دستورية نيابية، وذلك على عكس ما يجري الآن من توسيع صلاحيات لها نكهة أمنية بلا مسائلات ولا ضوابط.

للفقه الدستوري أهله، لكن الخلاصة تكمن في الانتباه إلى أي مخطط يخدم الأمن الإسرائيلي فقط، بدون مراعاة الأمن الإقليمي بمجمله.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

إسرائيليا..

بدأ الحديث يتصاعد وبقوة عن فكرة "الخيار الأردني".. وندرك أن الفكرة دوما يتم تكرارها في الإعلام الإسرائيلي، لكن أمام معطيات الراهن من واقع الأمر، فنحن أمام تصاعد في الحديث يرافقه عصف ذهني حقيقي بحثا عن خطط واقعية على الأرض، وبسرعة.

أردنيا، يكون السؤال الأهم: في حال طرح إعادة الوحدة، هل نحن أمام مملكة هاشمية تشمل الأردن وفلسطين؟ أم مملكة أردنية تضم إليها الضفة الغربية وحسب؟ هل هي وحدة بين ضفتين أم توسع على حساب ضفة منهما ولحسابات أمنية فقط؟

برأيي يجب صياغة الإجابة بعقل بارد جدا، بعيدا عن انسياقات العواطف والاجترارات الإنشائية بلا معنى!

في المحصلة..

فإن الموصد هو باب في "الكردور" الإسرائيلي.. لكن بجانبه أبواب عديدة يمكن فتحها لو نظرنا خارج "الكردور"!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.