تشير بعض المعطيات إلى حراك جديد لإدارة ترامب في الملف السوري
تشير بعض المعطيات إلى حراك جديد لإدارة ترامب في الملف السوري

بقلم جويس كرم/

خمسة بيانات من البيت الأبيض حول الغوطة في أقل من أسبوع، أربعة منها استعراض لاتصالات دونالد ترامب بقيادات فرنسا وألمانيا وبريطانيا ومصر تحديدا حول الأزمة، ويلوح أحدها بأن واشنطن لن تقف صامتة أمام جرائم نظام الأسد. في المقابل، خرجت صحيفة "واشنطن بوست" الاثنين بعنوان أن الرئيس الأميركي "يدرس الخيار العسكري" في سورية، ترافق ذلك مع مناخ تصعيدي بين واشنطن وموسكو قد يؤدي إلى تصادم جديد في الساحة السورية.

أجواء واشنطن الدبلوماسية والرسمية وحتى الإعلامية تتحدث عن حراك جديد لإدارة ترامب في الملف السوري. افتتاحية في "بلومبيرغ" الأحد تدعو إلى ضربات ضد نظام الأسد، تنسيق أوروبي ـ أميركي في الخطاب وفي مجلس الأمن الدولي يؤيد معاقبة الأسد في حال ثبوت استخدام السلاح الكيميائي. أما "واشنطن بوست" فتحدثت عن اجتماع لترامب مع جنرالاته في الأمن القومي ووزارة الدفاع الأسبوع الفائت، لنبش الخيارات العسكرية، مع التأكيد أن الرئيس الأميركي لم يحسم قراره بعد.

المراجعة الأميركية حول سورية وإعادة التموضع قد تستمر أسابيع، إنما الجدل داخل الإدارة والمحيطين بترامب تغير ويمضي باتجاه مواجهة روسيا

​​رغم ذلك، هناك ثلاث متغيرات في الساحة الأميركية تفرض إعادة الحساب في سورية، وتفتح مرة أخرى خيارات الضربات الجوية ولو لم تؤد إلى تغيير المعادلة العسكرية أو إسقاط النظام. هذه المعطيات هي على الشكل التالي:

الاثنين الماضي- 5 آذار/مارس، شاهد الرئيس الأميركي شخصيا، بحسب مقربين منه، خطاب نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وتابع مباشرة لغة روسيا الاستقوائية والاستعراضية في الحديث عن قوة موسكو الصاروخية، والذهاب إلى حد تصوير الرؤوس النووية وهي تستهدف ولاية فلوريدا. الرسالة الروسية كان جزء منها رد على الضربات الأميركية التي قصفت في 7 شباط/فبراير مرتزقة روس بالقرب من دير الزور وأودت بحياة 100 منهم على الأقل.

قد تكون صورة الصواريخ الروسية وخطاب بوتين المتشنج قد فعلت بترامب ما لم تفعله القرصنة الإلكترونية الروسية، الانتهاكات الروسية في أوكرانيا وتدخله في الشأن الأوروبي. ترامب الذي يعتبر فلوريدا بمثابة مسقط رأس ثان له، ويقضي معظم عطلات الأسبوع في منتجعه في "مارالاغو" في الولاية، استفزه كلام بوتين وصعد من يومها نبرته واتصالاته مع الأوروبيين لمواجهة روسيا بجميع الأدوات المتاحة بدل الاستمرار بنهج السنوات الست الفائتة باسترضائها في العملية السياسية المجمدة أصلا في سورية.

ما قد يدفع ترامب للتحرك عسكريا في سورية، هو لترسيخ عرف عدم استخدام السلاح الكيميائي

​​وما زاد حدة التأزم الأميركي والأوروبي مع روسيا هو ضربها بعرض الحائط قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2401 والذي صوتت لصالحه عليه في 24 شباط/فبراير، والداعي إلى وقف شامل لإطلاق النار لمدة 30 يوما والموجه لجميع الأطراف السوريين. هذا النهج الروسي عزز من المخاوف بأن الكرملين بقيادة بوتين لا يعير الكثير من الأهمية للقانون الدولي ومستعد لانتهاك حتى القرارات التي صوت لصالحها. من هنا كانت التفاتة البيت الأبيض في البيان الأخير حول الغوطة إلى 20 طلعة جوية يومية لروسيا لقصف أحياء دمشق، وبعد صدور القرار.

ثانيا، ما قد يدفع ترامب للتحرك عسكريا في سورية، هو لترسيخ عرف عدم استخدام السلاح الكيميائي، والذي يبقى أهم وأكثر إلحاحا للتدخل أميركيا من أي أزمة إنسانية بالرغم من أن ضحاياه هم 1في المئة من القتلى والجرحى في سورية. فمأساة الغوطة الشرقية وقبلها حلب وحمص وغيرها من المدن التي خضعت بعض أحيائها لحصار وتجويع إلى أن استسلمت للنظام، لم تستدع تحرك واشنطن؛ فيما وجه باراك أوباما في 2013 بوارج أميركا وحاملات الطائرات باتجاه سورية بعد استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية، وأبرم تفاهما مع موسكو يومها أدى إلى تنازل النظام عن معظم ترسانته الكيميائية. كذلك ضرب ترامب قاعدة الشعيرات في سورية بصواريخ توماهوك في نيسان/أبريل 2017 ردا على استخدام الكيميائي في إدلب يومها.

في هذه الحال، تبقى المهمة الأصعب أمام الأميركيين والأوروبيين هي جمع الأدلة التي تثبت استخدام الكيميائي ووقوع إصابات بالغة بسبب ذلك. حتى الساعة هناك تقارير لمنظمات طبية أن النظام استخدم الكيميائي (غاز الكلورين) ثماني مرات منذ بداية العام، أربعة منها في الغوطة.

ثالثا، تتلاقى الخطوط الاستراتيجية لأميركا وإسرائيل في حماية الوجود الأميركي المباشر أو عبر قوات سورية الديموقراطية وتلك للتصدي لإيران، لتبرير أي تحرك عسكري في سورية. إذ استحوذ الملف السوري حصة الأسد في لقاءات بنيامين نتانياهو في واشنطن هذا الأسبوع، وتحديدا القواعد العسكرية الجديدة لإيران وحزب الله في البلاد. أما ضربة 7 شباط/فبراير الأميركية ضد المرتزقة الروس فرسمت خطا في الرمل عن مدى استعداد واشنطن للتدخل لحماية قواتها.

المراجعة الأميركية حول سورية وإعادة التموضع قد تستمر أسابيع، إنما الجدل داخل الإدارة والمحيطين بترامب تغير ويمضي باتجاه مواجهة روسيا سواء في مجلس الأمن أو احتمال شن ضربات عقابية أو بتثبيت الوجود الأميركي، وفي ذلك نقطة تحولية في مقاربة ترامب لموسكو، والملف السوري عموما عن السنوات الفائتة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.