كيف يعقل أننا اليوم نحاسب الضحايا على صمتهن، ولا نسائل الجاني المحتمل؟
كيف يعقل أننا اليوم نحاسب الضحايا على صمتهن، ولا نسائل الجاني المحتمل؟

بقلم سناء العاجي/

نعيش في المغرب، منذ بضعة أيام، تداعيات ما صار يعرف بقضية توفيق بوعشرين، مدير نشر جريدة "أخبار اليوم" الذي يحاكم بتهم اعتداءات جنسية قد يكون ارتكبها في حق صحافيات ومستخدمات في جريدته. تلت القضية موجة اتهامات وتشهير وتنديد موجهة للضحايا. فنحن مجتمع لا ينزعج من المتحرش والمغتصب، بقدر ما يشهر بالضحايا "الفاسدات"، "العاهرات"، "عديمات الشرف"، بل إنه يجد دائما الأسباب لتبرئة المتهم: "هي من أغرته". "لماذا لم تقاوم؟". "ملابسها". "شكلها". إلخ.

 ماذا لو حاولنا قراءة الأحداث، عبر ثلاث نقاط محورية؟

1 ـ بداية، كل التضامن مع الأطراف الجانبية التي تدفع ثمن قضية هي ليست طرفا مباشرا فيها: صحافيو ومستخدمو جريدة "أخبار اليوم" الذين سيكون مصيرهم المهني مجهولا مع تداعيات القضية والذين يستحقون منا التضامن. هناك أيضا كل أسر الضحايا من أزواج وأطفال وآباء. أشخاص يجدون أنفسهم اليوم محط الإهانات والنبش في الأعراض، وهم لم يرتكبوا ذنبا، في مجتمع يعاقب الضحايا وأهاليهم ويبرئ المتهم بالاغتصاب والتحرش.

لذلك، فمن غير المستبعد أن يذكّر الكثيرون الضحايا وأهاليهم بالوقائع سنوات بعد الحادثة. سيذكر هذه بأنها ابنة تلك الضحية (التي سيعتبرها طبعا عاهرة فاسدة)؛ وسيسب هذا بكون ابنته غير شريفة. المفارقة أن من سيربطون اسم المتهم بالواقعة، سيفعلون ذلك سرا وفي غيابه.. بينما سيطعنون في شرف الضحايا علانية، في محاولة للتنقيص منهم. فالرجل، حتى وهو متهم بالاغتصاب أو التحرش، يتمتع بوضع اعتباري. بل لعل الاغتصاب يصبح عربون فحولة يرفع من شأنه.

نعيش اليوم واقعا تسعى فيه الأغلبية لتبرئة المتهم بدعوى قرينة البراءة وبدعوى كونه صحافيا معارضا، بينما تدين النساء ضحايا العنف والاغتصاب

​​هناك أيضا زوجة توفيق بوعشرين وأطفاله الذين يعيشون بالتأكيد ظروفا إنسانية واجتماعية ونفسية قاسية، بلا ذنب ارتكبوه. أفكر أحيانا في زوجته. كيف تعيش هذه اللحظات، بين شعورها الإنساني وكرامتها المهدورة وحزنها الشخصي، وبين شعورها بـ "الالتزام" اتجاه زوجها وأطفالها. كيف تعيش امرأة إحساس الخيانة البشع (حتى وهو بعد في طور الاتهام)، حين تلوك الألسن والجرائد الممارسات الجنسية المحتملة لزوجها في مكتبه، وحين تكون هذه الممارسات الجنسية المتعددة، موثقة بالفيديو؟

اقرأ للكاتبة أيضا: فأل سيء... فأل حسن

2 ـ النقطة الثانية تتعلق بأصحاب نظرية المؤامرة الذين يعتبرون بأن توفيق بوعشرين ضحية للنظام، باعتباره كان صحافيا معارضا. لكن الحقيقة أن إمكانية مساهمة أجهزة الدولة في فضح القضية غير ذات قيمة. لأن السؤال الوحيد الذي يستحق الطرح هو التالي: هل هذه الممارسات من عنف واغتصاب وابتزاز وتسجيل، هي من فعل المتهم؟ إن كان الجواب بالإيجاب، فهذه هي الكارثة الحقيقية التي يجب أن نهتز لها، بغض النظر عن إمكانية تدخل الأجهزة لفضح هذه الأفعال.

فهل يكون احتمال تدخل بعض أجهزة الدولة لفضح القضية صك براءة، أم أنه يبقى تفصيلا شكليا أمام بشاعة الوقائع المحتملة؟ هل الأساس هو إحقاق الحق وحماية ضحايا العنف الجنسي وإدانه المتهم في حالة ثبوت التهم، أم هو السؤال عن الدافع الحقيقي لفضح الوقائع؟ هل القضية الأساس هي العنف الجنسي والابتزاز الذي قد يكون مورس على الضحايا، أم كيفية فضح الوقائع؟ إذا ثبت مثلا أن للأجهزة دورا حقيقيا وفعليا في فضح القضية، فهل يخفف هذا من بشاعة الوقائع؟

إن التجريح والتشهير الذي تتعرض له الضحايا، هو في حد ذاته دليل على أن وقوف المرأة في وجه تيار العنف الذي يمارس عليها هو أمر صعب للغاية

​​3 ـ السؤال الثالث يتعلق بأولئك الذين يشهرون اليوم بالنساء الضحايا ويحاججونهن بصمتهن حين وقوع الأحداث. وكأن هؤلاء يعيشون في مجتمع غير الذي نعيش فيه. هل نتصور بأن فضح التحرش والاغتصاب أمر هين في مجتمعنا؟ بل إن هذا التجريح والتشهير الذي تتعرض له الضحايا اليوم، هو في حد ذاته دليل على أن وقوف المرأة في وجه تيار العنف الذي يمارس عليها هو أمر صعب للغاية. كيف يعقل أننا اليوم نحاسب الضحايا على صمتهن، ولا نسائل الجاني المحتمل؟ إذا كنا أمام واقعة الأدلة فيها كثيرة، وعدد الضحايا مهم، وممارسات العنف والابتزاز موثقة بالفيديو، وما زلنا نوجه اللوم والعار والفضيحة للضحية ونسعى لتبرئة المتهم؛ إذا كان المجتمع قد علق لهن المشانق حتى والأدلة كثيرة.. فكيف يسائلهن عن صمتهن السابق حين كانت كل واحدة من الضحايا وحيدة بلا حجج أو أدلة؟

اقرأ للكاتبة أيضا: حرروا الدين من الجهلة والمجانين

نعم، كل متهم بريء حتى تثبت إدانته.. لكننا نعيش اليوم واقعا تسعى فيه الأغلبية لتبرئة المتهم بدعوى قرينة البراءة وبدعوى كونه صحافيا معارضا، بينما تدين النساء ضحايا العنف والاغتصاب.. تسائلهن عن صمتهن وهي تذبحهن حين يفضحن التحرش والاغتصاب.

تذكروا فقط أنهن حين فضحن العنف، شحذتم سكاكينكم لذبحهن من جديد. اتهمتهن. شهرتم بهن. مارستم عليهن عنفا جديدا.

فهل يعي كل هؤلاء بأنهم لا يشجعون الضحايا مستقبلا على فضح العنف الذي يمارس عليهن؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.