قرر ماكرون أن يجعل بلاده وسيطا في النزاعات التي تعني مصالح فرنسا (أ ف ب)
قرر ماكرون أن يجعل بلاده وسيطا في النزاعات التي تعني مصالح فرنسا (أ ف ب)

بقلم فارس خشّان/

منذ وصل إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، قرر أن يرسم دورا جديدا لسياسة فرنسا الخارجية. كان يفكر بسابقة بطل الحرب العالمية الثانية الجنرال شارل ديغول الذي عمل على سحب فرنسا من سياسة المحاور الدولية وإدراجها في واجهة دول عدم الانحياز، كما كان ينظر إلى الشعبية المرتفعة التي حصدها الرئيس جاك شيراك عندما رفض أن تكون بلاده جزءا من التحالف الدولي الذي أسقط نظام صدام حسين.

ومن تجربته مستشارا في عهد الرئيس فرانسوا هولاند، استنتج إيمانويل ماكرون أن الالتحاق بسياسة دولية تقودها واشنطن، تخرب على موقع بلاده في العالم، فالقوة الدولية الخامسة تكاد أن تكون على الهامش، منذ أنزل الطيارون الفرنسيون من طائراتهم الحربية، بمجرد أن بدل الرئيس الأميركي باراك أوباما رأيه في موضوع شن غارات عقابية على بشار الأسد ـ الكيماوي.

يعرف الفرنسيون أن استثماراتهم في إيران يمكن أن تذهب مجددا في مهب الريح إن قرر صناع القرار في أميركا إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الاتفاق النووي

​​وهكذا، قرر ماكرون أن يجعل بلاده وسيطا في النزاعات التي تعني مصالح فرنسا.

كمنت تجربته الأولى العلنية، في حلحلة العقد التي أحاطت بأزمة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري مع المملكة العربية السعودية. نجاحه في هذا الملف أعطاه علامات إيجابية في ميزان الإعلام والرأي العام، مما أرفده بحماسة، ليذهب قدما في الاتجاه المرسوم، فاختار أزمة طهران ـ واشنطن التي عادت إلى التعقيد، وتنذر بتصعيد قد يؤدي إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط الهش.

اقرأ للكاتب أيضا: "14 آذار" والمستحيل

بتكليف رئاسي، حمل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان ملف هذه الأزمة إلى طهران، حيث لم يكتف بلقاءات مع "قوى الواجهة" الإيرانية، أي الرئاسة والحكومة، بل ذهب إلى النظام العميق المتمثل بالحرس الثوري الإيراني وبمرشد الجمهورية علي خامنئي.

ووفق ما أظهرته التحضيرات التي سبقت الزيارة، برز تاريخ 12 أيار/مايو المقبل بمثابة جرس الإنذار، فطهران إن لم تقبل بفتح مفاوضات جديدة حول مدة الاتفاق النووي، بحيث يتم تمديد فترة منع التخصيب، وإذا لم تتنازل في ملف الصواريخ الباليستية الطويلة المدى، فإن هناك خطرا كبيرا في أن تقدم واشنطن على خلط الأوراق، بحيث تسقط توقيعها عن الاتفاق النووي وتوسع دائرة العقوبات.

بالنسبة للدبلوماسية الفرنسية التي يقودها حاليا رجل كان حتى الأمس القريب باهرا في حقيبة وزارة الدفاع، فإن "الشيطنة" الإيرانية في المنطقة لن تنفع، فالمعنيون بالاضطرابات الإزعاجية المحتملة، يجهزون أنفسهم لها، ولا سيما دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية، وإسرائيل بقيادة "قارع طبول الحرب" بنيامين نتنياهو.

وتعتبر باريس أن البيت الأبيض يجهز نفسه لاستحقاق 12 أيار/مايو المقبل، فاللقاءات التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قيادات إسرائيلية وعربية وخليجية إنما تدخل في هذا السياق.

وتتصرف الإدارة الفرنسية من موقع المتفهم للتصور الأميركي من جهة ومن موقع المعني بمصلحة مشتركة مع إيران، من جهة أخرى.

وتكمن هذه المصلحة المشتركة في البعدين الاقتصادي والاستثماري، فالشركات الفرنسية على اختلافها (نفط، سيارات، بناء، معلوماتية، وخلافه)، ومنذ رفعت عن طهران العقوبات الدولية المتصلة بالملف النووي، سارعت للعودة إلى "دولة الثمانين مليون مستهلك"، باستثمارات يمكن تصنيفها بالخطرة، لأن تمويلها لا يتوافر من المصارف الكبرى التي تضع طهران في قائمة الدول الخطرة، ولا من المصارف الإيرانية التي لا تملك القدرة التمويلية اللازمة.

قرر ماكرون أن يجعل بلاده وسيطا في النزاعات التي تعني مصالح فرنسا

​​ولا يزال الطعم المر لاضطرار الشركات الفرنسية على الانسحاب من إيران، عندما أخذت واشنطن العقوبات الاقتصادية الشاملة على محمل الجد، تحت الأسنان.

ويعرف الفرنسيون أن استثماراتهم يمكن أن تذهب مجددا في مهب الريح إن قرر صناع القرار في الولايات المتحدة الأميركية إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الاتفاق النووي، ذلك أن سطوة واشنطن على العالم، ومنذ فترة طويلة، لم تعد تعتمد على القوة المسلحة إنما على القوة المالية، حيث يتحكم "سابك الدولار" بكل المصارف، في أي بقعة في العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: كلام.. الغوطة

ولكن ما كان سهلا فيما سمي بأزمة الحريري، على اعتبار أن الوساطة كانت بين صديقين قديمين، يبدو معقدا بين عدوين مستدامين.

الأجوبة الإيرانية الأولية التي حصلت عليها الدبلوماسية الفرنسية كانت سلبية، فطهران ترفض المطالب الأميركية، جملة وتفصيلا.

في باريس، يؤكدون أن المساعي سوف تستمر وتتكثف، لأن أحدا في مراكز القرار لا يتوهم أن هذه الوساطة سهلة، فالتجارب الفرنسية الفاشلة مع إيران كثيرة، ومن أبرزها تجارب حل الملف الرئاسي اللبناني، لأن الجواب الشافي لا يتوافر عند براغماتيي إيران الذين يقدمون الملف الاقتصادي على ما عداه، بل عند العقائديين الذين يقدمون ملف القوة العسكرية على ما عداه.

وأمل باريس، ولو ضئيلا، يكمن لدى الشعب الإيراني، وتحديدا لدى جمهور المتشددين، إذ إن الانتفاضة الشعبية الأخيرة على خلفية اقتصادية اجتماعية، والتي لا تزال أصداؤها تتردد في أروقة "نظام الملالي"، يمكن أن تنتج "تعقيلا" يؤدي إلى نتائج إيجابية قبل حلول 12 أيار/مايو المقبل.

أما إذا سقطت الآمال والوساطة، فحينها، قد لا ينهار الاتفاق النووي فحسب، بل أيضا، وهذا الأخطر، الاعتقاد بأن طبول الحرب التي تقرع لن تترك الساحة إلا للدوي الأحمر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!