تمثل السعودية لنموذج الأكثر فداحة، لتبرير النزعات السلطوية تحت شعار "تحديث" المجتمع (أ ف ب)
تمثل السعودية لنموذج الأكثر فداحة، لتبرير النزعات السلطوية تحت شعار "تحديث" المجتمع (أ ف ب)

بقلم عريب الرنتاوي/

لا يجادل اثنان في حقيقة أن "الديمقراطية" تمر بواحدة من أسوأ مراحلها، ليس في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل وفي العالم على اتساعه كذلك... وفي المؤتمر الدولي الذي عقدته "الحركة العالمية من أجل الديمقراطية" في سيؤول قبل عامين تقريبا، كان واضحا لأكثر من أربعمائة مشارك من قارات العالم الخمس، "أن الديمقراطية العالمية في مأزق"، وأحسب أن مؤتمر داكار ـ السنغال في أيار/مايو المقبل، سوف يتوسع في تعداد مظاهر الانتكاسة الديمقراطية، وسيبذل المشاركون فيه، جهدا أكبر في فهم أسباب التراجع وسبل استنقاذ الموقف.

لكن الديمقراطية في المنطقة العربية خاصة، والإقليم بعامة، تواجه مأزقا أكثر حدة وتفاقما، فالأنظمة والحكومات العربية، عادت لأبشع الممارسات الاستبدادية، بعد سنوات من التردد و"انحسار القبضة الأمنية"، وهي تشعر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن بمقدورها الانقضاض على معارضيها ونشطاء المجتمع المدني وقوى الإصلاح، دونما خشية من عقاب أو حساب.

وإذ بحثت معظم حكومات الإقليم العربية، عن غطاء تتلطى تحته، وتبرر به ممارساتها الداخلية القمعية، فقد وجدت ضالتها في أمرين اثنين رئيسين: الأول؛ قولها بالحاجة للانتصار في الحرب على التطرف والإرهاب، والثاني؛ ادعاؤها بأن متطلبات "التحديث" و"العصرنة" تستوجب فرض قبضة فولاذية، تجهز على بؤر المعارضة ومراكز القوى في الدولة والمجتمع على حد سواء.

الديمقراطية في العالم العربي تحتضر، وليس في الأفق المرئي والمنظور، ما يدفع إلى الاعتقاد بقرب خروجها من غرفة العناية المشددة

​​وإذا كانت مصر تمثل النموذج الأكثر فجاجة عن الفئة الأولى من الدول العربية التي جعلت من شعار الحرب على الإرهاب، مبررا وذريعة للانقضاض على الحياة السياسية والمدنية، وتنحية المنافسين في الانتخابات الرئاسية الوشيكة، والانقضاض على عشرات ألوف الشخصيات الوطنية والإسلامية، فإن السعودية، تمثل النموذج الأكثر فداحة، لتبرير النزعات السلطوية وتكريس حكم الفرد واستئثاره، تحت شعار "تحديث" المجتمع و"عصرنة" الدولة، إذ جرى الزج بعشرات الشخصيات من أمراء ورجال أعمال ورجال دين، وتمت السيطرة على وسائط الإعلام، وإشاعة مناخات الخوف والتخويف، ضد كل من تسول له نفسه، الاعتراض على قرار أو انتقاد سياسة أو الاحتجاج على سلوك، سواء من داخل مؤسسة العائلة والحكم، أو في أوساط المجتمع السعودي.

اقرأ للكاتب أيضا: عن "الاستتباع" و"الاستلحاق" في علاقة اليساريين العرب بثنائية "العسكر والإسلاميين"

في التجربتين المصرية والسعودية، يجري "التلطي" خلف شعارات تلقى رواجا في الدوائر الغربية، لتمرير أجندة داخلية، قوامها تعزيز حكم الفرد وتكريس الاستبداد.. في الحالة المصرية، يجري توظيف القلق العالمي المبرر من تفاقم خطر الإرهاب وتهديداته، للتعمية على ما يجري في الداخل، وفي الحالة السعودية، يجري تقديم الصورة على أنها محاولة من "أمير شاب وطموح" لنقل بلاده من غياهب الظلامية ـ الوهابية والتخلف واستلاب حقوق الإنسان والنساء، إلى فضاءات الانفتاح والحداثة والعصرنة، بكل ما تستبطنه من مفردات وأدوات.

لا يعني ذلك، أن مصر لا تواجه تهديدا جديا جراء تفشي ظواهر التطرف والإرهاب، ولا أن السعودية ليست بحاجة لـ "ثورة بيضاء" تجهز على قلاع الرجعية والظلامية التي تكرست عبر عقود وأجيال مضت على "زواج المتعة" بين المؤسسة الدينية الوهابية ومؤسسة الحكم السلالية.. لكن السؤال الذي يقفز إلى الأذهان هو: ألا يمكن لمصر أن تحارب التطرف والإرهاب، مع قدر أوسع من الانفتاح والحرية والتعددية والمشاركة الشعبية؟ أليس بمقدور الأمير الشاب، أن يطلق "ثورته البيضاء" دونما حاجة للبطش بالخصوم، كل الخصوم، وعلى هذا النحو المفتقر لأبسط قواعد الشفافية والعدالة والمساءلة وسيادة القانون؟

واستتباعا، ألن تكون معركة مصر مع التطرف والإرهاب، أقل كلفة وأكثر يسرا، إن انخرطت فيها فئات وشرائح أوسع من المجتمع المصري، وكيف يمكن اعتبار تحييد اللوائين أحمد شفيق وسامي عنان، ولاحقا اعتقال عبد المنعم أبو الفتوح على سبيل المثال لا الحصر، بوصفها متطلبا من متطلبات الحرب على الإرهاب وأحد مقتضياتها؟ كيف يمكن تفسير شمول الاعتقالات لشباب ثورة 25 يناير وعمليات التضييق على كتاب ومثقفين ديمقراطيين وعلمانيين، واعتبارها ساحة من ساحات الحرب على التطرف والإرهاب؟ ومن قال إن معظم، إن لم نقل جميع، من جرى احتجازهم في فندق "ريتز كارلتون" في الرياض، يمكن أن يشكلوا عقبة في طريق الحكم لمنح المرأة بعضا من حقوقها، أو لإدخال الترفيه في الحياة اليومية للمجتمع السعودي؟

في التجربتين المصرية والسعودية، يجري "التلطي" خلف شعارات تلقى رواجا في الدوائر الغربية، لتمرير أجندة داخلية، قوامها تعزيز حكم الفرد وتكريس الاستبداد

​​يعرف المستبدون العرب، ما الذي يمكن أن يرضي أو يغضب المجتمع الدولي، وتحديدا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فتراهم يتسابقون إلى ابتداع الحجج والذرائع لتبرير "سلطويتهم" وتمريرها بأقل قدر من ردود الفعل الغاضة... هنا قد يفعل شعار "الحرب على الإرهاب" فعله، وهناك قد تفعل قضايا المرأة وحقوق النساء فعلها المؤثر كذلك... وفي أماكن أخرى، يحرص حكام عرب آخرون على تقديم صورتهم للغرب بوصفهم "أبطال سلام" مكرسين للدفاع عنه، بديلا عن صورهم كـ "رواد الإصلاح"، لكأن السلام مع إسرائيل أيضا، يقتضي خنق الحريات ومصادرتها والنكوص عن مسار التحولات الديمقراطية... وفي أحيان أخرى، يكفي إشهار راية العداء لإيران حتى يفلت الحاكم العربي من ملاحقة محكمة الجنايات الدولية، ويصبح شريكا في الحرب على "محور الشر" ويغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر... وفي جميع الظروف والحالات، فإن صفقات التسلح "المليارية" والصفقات التجارية الفلكية مع الدول الصناعية الكبرى، كفيلة بفرش البساط الأحمر حتى لأعتى المتسلطين والمستبدين في العالم العربي والإقليم.

اقرأ للكاتب أيضا: ثلاث قراءات عربية للنظام العالمي الجديد وموقع روسيا فيه

ومما لا شك فيه، أن تراجع الديمقراطية عالميا، مع صعود اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتنامي ثقل روسيا والصين على الساحة الدولية، يشجع كثيرا الحكام العرب، على العودة إلى أنماط حكم "ما قبل الربيع العربي"، و"ما قبل الحادي عشر من سبتمبر"، إلى زمن الركود والاستنقاع وثالوث "التوريث والتمديد والتجديد" غير المقدس، من دون خشية أو قلق أو تحسب، وانظروا إلى ما يجري في مصر وموريتانيا من جدل حول تعديل الدستور، وفتح باب الولاية الثالثة لرئيسي البلدين، في عودة "غير مزيدة وغير منقحة" للأنماط البائدة من الرئاسات العربية.

ويتعزز هذا الميل السلطوي في الدول العربية كذلك، بما تشهده دول الجوار الإقليمي من تحولات وتطورات في الاتجاه الخطر والخاطئ. فتركيا في السنوات الأخيرة، ليست هي ذاتها تركيا في العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية، والميل السلطوي للرئيس رجب طيب أردوغان، لم يعد خافيا على كل أعمى وبصير، وإيران التي تواجه أزمة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، تنذر بانهيار الاتفاق النووي الذي أبرمته مع المجتمع الدولي، مرشحة لدور أكبر للقوى الثورية والمحافظة على حساب التيار الإصلاحي المعتدل. وإسرائيل التي تحيط الفضائح برئيس حكومتها، لا تكف عن إقرار القوانين العنصرية بحق الفلسطينيين، داخل الخط الأخضر وفي الضفة والقدس، وهي تشهد صعودا منهجيا منظما للاتجاهات الدينية والقومية الأكثر تطرفا، يجعلها أكثر ترحيبا بالحكام المستبدين في العالم العربي.

تتعدد الذرائع وتختلف الحجج، لكن النتيجة واحدة: الديمقراطية في العالم العربي تحتضر، وليس في الأفق المرئي والمنظور، ما يدفع إلى الاعتقاد بقرب خروجها من غرفة العناية المشددة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!