أضاعت السلطة الفلسطينية فرصتها التاريخية لاكتساب أي شرعية قانونية أو شعبية (أ ف ب)
أضاعت السلطة الفلسطينية فرصتها التاريخية لاكتساب أي شرعية قانونية أو شعبية (أ ف ب)

بقلم مالك العثامنة/

نشرت جريدة "واشنطن بوست" قبل أسبوعين مقابلة مع وزيرة القضاء (العدل) في الحكومة الإسرائيلية إيليت شاكيد، تبنت فيها فكرة ضم مناطق واسعة من الضفة الغربية إلى السيادة الأردنية ضمن توزيع مناطق (أ ـ ب ـ ج) المحددة في اتفاقيات أوسلو.

الوزيرة شاكيد، مهندسة كهرباء وكمبيوتر ومدربة عسكرية متمرسة في الجيش الإسرائيلي، وهي أيضا يمينية وقيادية في حزب "البيت اليهودي" اليميني الديني والملفت أنها "علمانية!" كما تحب التصريح عن نفسها.

كل هذا لا يهم الآن على أرض الواقع وسجلات الوقائع الراهنة، فالسيدة وزيرة في حكومة السيد نتنياهو وقد كانت مديرة مكتبه في سنوات مضت.

السيدة شاكيد وفي حديثها مع مراسلة "واشنطن بوست" روث إيغلاش، أكدت قناعتها بأن الحل الذي طرحته سيجد قبولا لدى إدارة الرئيس ترامب، لأن الإدارة الحالية حسب قولها منفتحة أكثر، وتفكر خارج الصندوق!

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

كنت قد كتبت في مقال سابق، رؤية لها محلها من الإعراب في الأوساط والنخب السياسية حاليا، تتعلق بوحدة الضفتين، وهو ما لا يعني بأي حال من الأحوال أي مقاربة من طروحات الوزيرة شاكيد، ولا طروحات من اليمين الإسرائيلي. فطروحات شاكيد واليمين الإسرائيلي عموما، قائمة على تسوية النزاع بشروط هذا اليمين الديني وعلى أسس دينية ولمصلحة الرؤية الإسرائيلية في عملية تذويب "كبريتية" للحق الفلسطيني الموثق في قرارات دولية ومثبت بقواعد القانون الدولي منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.

اقرأ للكاتب أيضا: الوحدة بين الضفتين.. خطوط على الرمال أم وقائع الجغرافيا

إننا أمام نقطة مفصلية في تاريخ النزاع العربي ـ الإسرائيلي، وهي نقطة يفرض عليها الأمر الواقع خيارات محدودة جدا للخروج بحل نهائي يرضي جميع الأطراف ضمن معادلة سلام عادل وشامل في المنطقة.

إن حل الدولتين، دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية تتجاوران هو حل غير عملي وأشبه بتجميع الوهم من حقول التضليل

​​إن حل الدولتين، دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية تتجاوران هو حل غير عملي وأشبه بتجميع الوهم من حقول التضليل. فعلى أرض الواقع نحن أمام ضفة غربية انتهكت جغرافيتها المستوطنات الإسرائيلية إلى حد تمزيق المساحات وبعثرتها. كما أن واقع السلطة الفلسطينية طوال سنوات حكمها الذاتي، انتهى إلى سلطة فاسدة منتهية الصلاحية، أضاعت فرصتها التاريخية لاكتساب أي شرعية قانونية أو شعبية بعد تحولها إلى سلطة بوليسية قمعية فاقدة لأي أوراق ترسخ شرعيتها كشريك حقيقي في عملية السلام مع إسرائيل.

أما حل الدولة الواحدة، والذي يجد مظلات حوار حوله حاليا في أوساط أميركية وأوروبية ضمن منتديات تدعو إلى مفهوم "العدالة" في الدولة، فهو حل أعرج يصطدم بقوة رفض إسرائيلية ضخمة تجعل منه حلا مستحيلا على المدى القريب، أما المدى البعيد، فهو ليس أكثر من مراهنة جديدة وخاسرة على الزمن.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

في صيف عام 2016، تسربت معلومات تم نشر جزئيات منها حينها، عن توجه وفد شعبي من القدس وبيت لحم ونابلس والخليل إلى العاصمة الأردنية عمان. وأن الوفد الذي قطع الجسر من ضفته الغربية إلى الشرقية كان هدفه التوجه إلى الديوان الملكي الهاشمي ".. لإعلان البيعة للملك عبدالله الثاني ملكا على الضفتين".

حينها، لم يعرف أحد مآلات تلك الزيارة التي تسربت أنباؤها واختفت بلمح البصر، وللتوثق، اتصلت شخصيا بمسؤولين مقربين من صناعة القرار، فلم أجد نفيا لديهم، كما لم أجد تأكيدا.

في الفترة نفسها وبالتوازي، تسرب خبر تم نشره حينها عن "زيارة شخصية" لرئيس الوزراء الأسبق عبد السلام المجالي إلى الضفة الغربية، دون بيان أي تفاصيل.

تلك كانت دلالات كافية لدي كصحفي، للتيقن بوجود شيء يطبخ تحت السطح، بعيدا عن الأضواء.

نحن أمام رؤية يمينية إسرائيلية ترى في الضفة الغربية جزر مستوطنات لا أكثر

​​وكان هذا كافيا لقراءة جديدة في كل ما يحدث شرق المتوسط.. مرة أخرى.

في ذات صيف عام 2016، تتوتر العلاقات بين الأردن والسلطة أيضا، إثر قرار أردني بتركيب كاميرات مراقبة في الحرم القدسي، وهذا أدى بالأردن إلى وقف تركيب الكاميرات.. لكن المثير هو أن إسرائيل أصابتها خيبة أمل جراء قرار الأردن وقف تركيب الكاميرات! وهو ما عبر عنه عاموس هرئيل في 'هآرتس' يوم 26 نيسان/أبريل 2016، في تقرير صحفي يكشف الكثير من التفاصيل بين سطوره.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

لم يعد لغزا أن السلطة الفلسطينية وعبر دوائرها المغلقة، حاولت ذلك العام تسويق فكرة "البينولوكس"، وقد سمعت الطرح شخصيا من دبلوماسي فلسطيني في عاصمة أوروبية، وهي فكرة، تحاول فيها السلطة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وجودها المهدد بالفناء، أمام تسويات كثيرة مطروحة لفرض الحل النهائي.

اقرأ للكاتب أيضا: بابا روما وأفندينا في الباب العالي.. تشفير الهدايا و خفايا البروتوكول

الرفض الإسرائيلي للـ "بينولوكس"، قائم على منهجية أساسها استبعاد السلطة من أي تواصل إقليمي قدر الإمكان، ولعل ما حدث في أحد اجتماعات الاتحاد الأوروبي في بروكسل العام الماضي، حول مشاريع النقل الإقليمي، دليل على السياسة الإسرائيلية الثابتة. ففي الاجتماع الذي حضره وزير النقل الفلسطيني، وغاب عنه متعمدا وزير النقل الإسرائيلي، عبر الوزير الفلسطيني بمرارة عن شكواه من تعنت إسرائيل في إشراك الفلسطينيين في أي مشاريع إقليمية مشتركة، وأشار إلى عرض إسرائيلي جدي يقترح إنشاء خط حديدي بين حيفا ومدينة إربد الأردنية، وشرح وزير السلطة الفلسطينية كيف أن السلطة تقدمت عبر الأردنيين بمقترح تحويل الخط إلى داخل الضفة ليمر برام الله ثم يتجه صعودا إلى إربد شمال الأردن. طبعا.. قوبل الطلب بالرفض الحازم من إسرائيل.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

الحل الوحيد، برأينا، هو بوحدة الضفتين، ضمن منظومة العودة إلى الأصول، كي لا نسقط في فخ الارتجاج بالتفاصيل التي تسكن فيها الشياطين.

هناك تحركات على أرض الواقع، توحي بما يشبه تبني الخيار الأردني وأكثر ما يمكن الخشية منه هو أن تفضي هذه التحركات إلى استبدال الدور البوليسي للسلطة الفلسطينية المنتهية الصلاحية بدور أردني أمني فقط، يستبدل الوظيفة الدركية لا أكثر، وهي الوصفة اليمينية الإسرائيلية للخيار الأردني التي تناقض أي مفهوم للوحدة بين الضفتين.

فنحن أمام رؤية يمينية إسرائيلية ترى في الضفة الغربية جزر مستوطنات لا أكثر. وهذا "الأرخبيل" بحاجة إلى حماية أمنية وتلك رؤية لا تنهي النزاع، بل تؤججه وتطيل أمده.

Medical staff prepare a nucleic acid kit for a journalist before the closing session of the Chinese People's Political…

حينما نتأمل في الأحداث الدائرة في العالم حول مرض كورونا، يذهب البعض لاعتبار أن هناك صراعا واضحا يلوح في الأفق أو مؤامرة كما يصفونها.

ويرى بعضهم أن محاور هذا الصراع علمية، فيما يراها آخرون سياسية أو اقتصادية.

فمنذ بداية هذا المرض وانتشاره بدأ صراع علمي محموم بين فريقين:

الفريق الأول يرى أنه لا بد من حبس الناس كلها سواء المريضة أو السليمة في بيوتهم، وفرض حظرا عليهم حتى لا ينشروا الفيروس في المجتمع.

فيما رأى آخرون، مثل مسؤولي الصحة في السويد وروسيا البيضاء أن هذا الرأي خاطئ لأنه سيمنع انتشار المناعة الطبيعية ضد الفيروس، وبالتالي قد يزيد من معدلات الوفاة به، وهذا ما رأيناه بالفعل في عدد من الدول والولايات الأميركية التي طبقت حظرا شديدا على المجتمع. ومن أمثلة هذه الدول إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وولاية نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية، حيث بلغت معدلات الوفيات كنتيجة للإصابة بالفيروس في هذه المجتمعات أرقاما عالية.

كذلك، فإن جلوس الأصحاء، وليس فقط المرضى أو حاملي الفيروس في المنازل قد يعرض الأصحاء لتركيز أكثر من الفيروس وبالتالي ارتفاع معدلات الإصابة بالمرض.

أما الصراع الثالث فهو صراع قد يكون من أشد وأبشع ما يمكن، فهو صراع المال وراء مشكلة كورونا

أما الصراع الآخر فكان صراعا سياسيا بعدما دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نتائج فريق البحث الفرنسي الذي اكتشف كفاءة عقار الكلوروكين في علاج المرض، فانقسمت الصحافة إلى قسمين؛ أحدهم يحاول المستحيل لينفي أهمية عقار الكلوروكين بصورة قد يكون مبالغ فيها أو غير علمية كما يراها البعض، وقسم آخر يدافع عن الدواء أي عقار الهدروكسي كلوركين.

ووصل الصراع إلى درجة أن حاكم إحدى الولايات الأميركية منع استخدام العقار في ولايته لأن شخصا غير طبيعي تناول "مادة منظفة" يوجد فيها مادة كيميائية تحمل إسما مشابها لهذا العقار، وهذا مثل أن يمنع أحد استخدام البنزين للسيارات لأن شخصا ما تناوله بهدف الانتحار!

وصل الصراع إلى درجة تتجاوز كل حدود العقل والمنطق. وقد يتم فهم هذا الصراع إذا استمعنا لـ "بيل ماهر" وهو أحد أشهر مقدمي البرامج في التلفزيون في العالم الغربي المعروف بعدائه الشديد للرئيس الأميركي، وهو يدعو علانية وبلا أي خجل إلى محاولة إحداث كساد عالمي لكي يتم التخلص من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتقليل احتمالات فوزه في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020.

قد يكون من العسير تصور درجة هذا الشر ولكن للأسف الشديد فإن هذا قد حدث بالحرف الواحد ومسجل بالصوت والصورة.

أما الصراع الثالث فهو صراع قد يكون من أشد وأبشع ما يمكن، فهو صراع المال وراء مشكلة كورونا. وباختصار شديد لو اختفى الفيروس أو ضعف من تلقاء نفسه كما يتوقع بعض العلماء المرموقين مثل د. ديدييه راؤول وغيره، فإن كل أبحاث التطعيم قد تذهب أدراج الرياح وتذهب معها مئات المليارات من الأرباح المتوقعة إذا تم استخدام اللقاح لتطعيم معظم سكان الأرض كما دعا بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت.

التداعيات الاقتصادية لهذا الفيروس الوبائي تسببت في انهيارات في أسعار بعض الأسهم الحيوية في البورصات العالمية

ولا تقل الكارثة بالنسبة إلى بعض الشركات إن نجح عقار هيدروكسي كلوروكين في منع انتشار المرض؛ فنجاح هذا العقار سواء في علاج المرض أو منعه يعني للبعض أن عقارا ثمنه أقل من دولار واحد وتستطيع أي دولة أن تنتجه دون الحصول على موافقات من الشركة الأولى المنتجة له نظرا لمرور عقود عديدة على اكتشافه، يعني وبكل بساطة انهيار حلم تحقيق المليارات من الأرباح من وراء بيع عقارات أو أمصال لهذا المرض.

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن التداعيات الاقتصادية لهذا الفيروس الوبائي تسببت في انهيارات في أسعار بعض الأسهم الحيوية في البورصات العالمية، وهو الأمر الذي قد يتم استغلاله من قبل بعض الدول مثل الصين للسيطرة على اقتصاد العالم.

ومن الجدير بالذكر ما قاله البروفيسور ديدييه راؤول في كتابه الأخير وتأكيده على ضرورة الفصل بين النشاط العلمي والمصالح الاقتصادية والسياسية من جهة، وأهمية التحقق من المعلومات العلمية، وعدم تركها للتلاعبات الصحفية الباحثة عن الفرقعة الإعلامية، من جهة ثانية.

الأمر فعلا معقد ويحتمل الكثير من الاحتمالات التي قد تحتاج إلى بعض الوقت للتيقن منها.

وللحديث بقية!