قمة مجلس التعاون الخليجي في الكويت في نهاية عام 2017 (أ ف ب)
قمة مجلس التعاون الخليجي في الكويت في نهاية عام 2017 (أ ف ب)

بقلم كوليت بهنا/

الحرب الإعلامية المستمرة بين دولة قطر والمملكة العربية السعودية وخلفها دولة الإمارات، تتجلى بوضوح وبدون مواربة بين قناتي "الجزيرة" الممولة قطريا وزميلتها "العربية" الممولة سعوديا، بحيث يزداد التنافس بين هاتين المحطتين منذ أشهر لكسب الاصطفاف ضد الأخرى، عبر نشرات الأخبار أو البرامج الحوارية أو السياسية وعلى مدار الساعة.

تكشف الأولى عن وثائق لإدانة النظام السعودي أو الإماراتي، فتنشط الأخرى في اليوم الثاني لتكشف ما في جعبتها من مفاجآت تدين النظام القطري. تستضيف الأولى منشقا سعوديا من الوزن الثقيل يفضح المستور والمسكوت عنه سعوديا أو إماراتيا، فتسارع الثانية لاستضافة منشق قطري بوزن أكثر ثقلا ليكشف أسرار وفضائح قطر، بحيث يشعر المتابع العادي لهاتين المحطتين وكأنهما تخلتا عن المهنية الإعلامية الصارمة وباتتا تلعبان دور "النساء الضرائر" كل منهما تحاول أن تهشم رأس الجهة المقابلة، أو تلعبان دور المحقق "آرسين لوبين" في التقصي والتحري والتحقيق. إضافة إلى ذلك، فإنهما تحولتا من منابر إعلامية ادعتا في يوم من الأيام الحيادية، إلى بوقين إعلاميين صارخين لسياسة الدولة التي تناصرها، ولا يعرف المرء كيف ستصيغان خطابيهما الإعلامي الودود في حال حدثت مصالحة سياسية مفاجئة، وهو أمر متوقع في أية لحظة في عالم السياسة المتقلب، ولن يكون مفاجئا نقلهما الإعلامي المباشر لحفل المصالحة و"تبويس اللحى والشوارب".

اقرأ للكاتبة أيضا: فئران التجارب

تبعية الإعلام العربي لأهواء السياسة ليست بخافية على أحد، والأنموذج أعلاه ليس بجديد، ولا يتوقف الأمر عند الخطاب الإعلامي لنشرات الأخبار أو الصحف وغيرها، بل كثيرا ما طال أشكالا إعلامية مختلفة مثل الدراما التلفزيونية، حيث شهدنا نماذج منها على سبيل المثال في الدراما السورية والمصرية. ففي فترات سنوات العسل السياسي، تنشط أقلام بعض كتاب السيناريو لتلميع صورة "العصملي" أو فترة الاحتلال التركي ـ العثماني للدول العربية لأربعة قرون متتالية وإظهارها على أنها لم تكن احتلالا، إنما حكما إسلاميا عادلا يسوده الازدهار والرفاهية وحقوق الإنسان، والاحتلال الفرنسي أو البريطاني لكل من سورية أو مصر كان انتدابا حضاريا حميدا جلب معه الحداثة والتقدم.

سيستمر استعمال الإعلام مطية للسياسيين وما يطلبونه طالما أنه ليس مستقلا بالكامل، ولن يكون

​​لكن ما إن تتغير الأحوال وتعود العلاقات السياسية إلى توترها أو تصل إلى حد القطيعة، تنبري أقلام بعض كتاب السيناريو ذاتها لقلب الأوراق على قفاها وإظهار هذه الفترات على أنها الأكثر ظلما وظلامية في التاريخ، بحيث يضيع المشاهد في النهاية مع هذه التقلبات الدرامية السياسية، كما يضيع طلاب المدارس أحيانا مع التعديلات التي تطال كتب التاريخ بحسب التوجيهات ومراعاة خواطر السياسة.

منذ أيام قليلة، قررت إدارة محطة "MBC" السعودية بشكل مفاجئ إيقاف عرض أحدى المسلسلات التركية المدبلجة الجديدة التي تبثها منذ فترة وجيزة، وإيقاف كل المسلسلات التركية المدبلجة التي تعيد عرضها على باقي قنواتها، إضافة إلى تعطيل كل روابط الإنترنت المتصلة كي لا يتشاطر أحدهم في السعودية ويجرب متابعة المسلسلات عبر الشبكة العنكبوتية. والسبب كما هو واضح التقارب التركي ـ القطري، أي أن السياسة تعود لتتدخل مجددا في هذا الشأن.

اقرأ للكاتبة أيضا: هذه هي الغوطة

بالتأكيد لن تتأثر الدراما التركية بهذا القرار، إذ سيستمر عرض هذه الأعمال على محطات أخرى، أو ربما ستسارع محطات قطرية أو محطات ممولة قطريا بعرض هذه الدراما لتعويض الأمر من باب المناكفة السياسية وجبر خاطر الأصدقاء الأتراك، وربما سيدفع لشرائها مبالغ أكبر بكثير ستصب في النهاية بمصلحة جيوب تركيا.

الإعلام العالمي ليس بريئا بدوره من خضوعه لهذه الممارسات، ولطالما تابعنا خطابات الكراهية المتبادلة مثلا بين إيران وأميركا أو العكس أو خلال الحرب الباردة بين روسيا وأميركا عبر الأفلام السينمائية وتخفيض حدة هذا الخطاب أو رفعها تبعا لتقلبات الأهواء السياسية، وسيستمر استعمال الإعلام بوسائله المختلفة مطية للسياسيين وما يطلبونه طالما أن الاعلام برمته، عالميا كان أم عربيا، ليس مستقلا بالكامل، ولن يكون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟