معارض كردي سوري يحاول تحطيم تمثال لحافظ الأسد عام 2012 (أرشيف)
معارض كردي سوري يحاول تحطيم تمثال لحافظ الأسد عام 2012 (أرشيف)

بقلم حسين عبد الحسين/

بعد سبع سنوات على اندلاع الثورة السورية المطالبة بإنهاء حكم عائلته، قد يبدو الرئيس السوري بشار الأسد وكأنه خرج منتصرا على خصومه، ممسكا بالجزء الأكبر من مناطق سورية المأهولة بالسكان ومدنها الكبرى. لكن الواقع هو أن الأسد اليوم لم يعد كونه سوى ظل الأسد الذي قرر حسم المواجهة عسكريا ضد المطالبين برحيله.

للوهلة الأولى، يبدو بشار الأسد وكأنه التزم أسلوب أبيه الراحل حافظ في الحكم لناحية دفع معارضيه نحو العنف والتطرف، وتصوير عنفهم وكأنه يندرج في خانة الإرهاب العالمي الذي يهدد مصالح الغرب واستقراره، ثم تصوير تحالف الأسد مع الدول المناوئة للغرب، مثل روسيا وإيران، وكأنه تحالف مؤقت، وكأن الأسد يمكنه الخروج من هذا التحالف متى يشاء، أو حتى يمكنه أن يلعب دور الوسيط بين روسيا أو إيران، من ناحية، والغرب من ناحية ثانية.

بعد سبع سنوات على الثورة السورية، تحول الأسد إلى واحد من مجرمي الحرب الذين سيذكرهم التاريخ

​​تلك كانت وصايا المحنك حافظ الأسد لولده بشار، وهي وصايا اكتسبها حافظ بالتجربة، إذ هو أفاد من الصراعات الإقليمية والعالمية، وجعل نفسه مفيدا لكل الأطراف الدولية المتخاصمة في الوقت ذاته، من دون أن يذوب تماما في تحالف مع أي منها.

حافظ الأسد، وإن بدا يوما في صف المعسكر الشيوعي، فهو لم ينخرط فيه، وكان من حلفاء الاتحاد السوفياتي القلائل الذين زارهم رؤساء أميركيون. كانت للأسد أهمية استراتيجية بالنسبة لإسرائيل وأمن الجولان، وكان يضبط "المقاومة" ضد إسرائيل في لبنان، فلا يتركها تنفلت إلا يوم كان يسعى لابتزاز الغرب للحصول على مطالبه.

اقرأ للكاتب أيضا: إيران جمهورية الكذب

هكذا تحول حافظ الأسد إلى الوجه الثوري الوحيد الذي يمكن للمسؤولين الغربيين زيارته. رجل يلبس بذلة وربطة عنق، يجلس في قصر رئاسي، يستقبل ضيوفه، ويفي بوعوده، أحيانا. هكذا تلاعب الأسد الأب بكل مسؤولي العالم، يعطيهم ما يطلبونه مقابل أن يلبوا هم شروطه، وعندما يتأخرون عن التلبية، يطلق عليهم مخربي الأمن الدولي والاستقرار على أنواعهم.

ومثلما أفاد حافظ الأسد من الحرب الباردة والصراع العربي مع إسرائيل، كذلك أفاد من الصراع العربي مع إيران: استخدم حافظ الأسد علاقته الطيبة مع إيران ليركض العرب لاسترضائه، واستخدم في الوقت نفسه عروبته لإخضاع الإيرانيين له، خصوصا في لبنان. فتصفية ثكنة فتح الله العسكرية وقتل مقاتلي "حزب الله"، في الوقت ذاته الذي أعلنت فيه إيران شنها هجوما للسيطرة على البصرة العراقية، لم يكن مصادفة.

عرف حافظ أن إيران متورطة في حرب وستخضع لشروطه، وعرف أن العرب كان يرتعبون من الإيرانيين قرب البصرة، فسلموه أمرهم. هكذا، أصبح حافظ الأسد سيد سورية ولبنان والتنظيمات الفلسطينية، وتحول لاعبا يتمتع بأهمية استراتيجية بسبب مناوراته، على الرغم من ضعف سورية وقلة أهميتها الدولية.

بعد سبعة أعوام على الحرب السورية، أصبحت إيران سيدة سورية، مع حصة لروسيا لم يتم الاتفاق على حجمها الكامل بعد، ومع بقاء الأسد رئيسا صوريا

​​لم يفهم بشار الأسد جوهر سياسة أبيه، فمارس العنف مجانا، أحيانا لنزواته الشخصية، ورمى نفسه في أحضان بعض الحلفاء، خصوصا إيران، دون آخرين. اعتقد بشار الأسد أن إيران تدعمه بلا ثمن، فلم تمر أعوام قليلة على رحيل أبيه حتى خسر لبنان لمصلحة طهران. صحيح أن حلفاء إيران في لبنان حافظوا شكليا على زعامة بشار الأسد في بلادهم، ولكنها زعامة صورية. بعد العام 2005، حلت إيران، الممثلة بـ "حزب الله"، مكان الأسد في موقع الآمر الناهي في لبنان.

من راقب الأحداث اللبنانية ربما توقع انهيارا مماثلا للأسد في سورية. على ذمة بعض الرواة ممن عاصروا الأشهر الأولى للثورة السورية، اعتقد الأسد أنه لا يجدر بأقليته العلوية الانخراط في حرب شاملة ضد الغالبية السنية، وحاول التنازل قليلا، اعتقادا منه أن الأزمة إن عدت ببعض التنازلات، يمكنه بعدها استعادة ما تنازل عنه مع تحسن الظروف. لكن إيران، التي لا يبدو أنها تفقه لغة الأكثرية والأقلية، أقنعته بمواجهة شاملة. ولما نفذ عتاد بشار وعديده، استلمت إيران الدفة. ولما تقهقهرت الأخيرة، طلبت مساعدة القوة النارية الروسية.

اقرأ للكاتب أيضا: هارفرد تستعيد 'الآيات الشيطانية'

بعد سبعة أعوام على الحرب السورية، أصبحت إيران سيدة سورية، مع حصة لروسيا لم يتم الاتفاق على حجمها الكامل بعد، ومع بقاء الأسد رئيسا صوريا، على شكل ميشال عون وسعد الحريري في لبنان، يحكمون الشؤون المالية والداخلية، ويتركون السياسة الخارجية والأمنية لإيران.

بعد سبع سنوات على الثورة السورية، تحول الأسد إلى واحد من مجرمي الحرب الذين سيذكرهم التاريخ. ربما تبدو الصورة مختلفة له وهو في قصره يحيطه أزلامه ويصفقون له، لكن الأسد تخطى نقطة اللاعودة إلى المجتمع الدولي، على الرغم من بعض محاولات موسكو، الخجولة والمتعثرة في الوقت نفسه، في إعادة تأهليه.

ربما يرغب رئيس روسيا فلاديمير بوتين في إعادة الأسد إلى المجموعة الدولية لأن بوتين نفسه خارج القانون الدولي بسبب احتلاله القرم. لكن بوتين يمكنه الانسحاب من القرم الأوكرانية والعودة إلى المجتمع الدولي، أما الأسد، فلا يمكنه العودة عن مجازره، الكيماوية منها وغير الكيماوية، وهو لو عاد، لن تعيد له إيران سورية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.