متظاهرون يرفعون شعار: "أوقفوا بوتين ـ أوقفوا الحرب" (أرشيف)
متظاهرون يرفعون شعار: "أوقفوا بوتين ـ أوقفوا الحرب" (أرشيف)

بقلم دارا عبدالله/

يكتب رئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية بين عامي 1940 و1945 ونستون تشرشل في مذكراته بأن جل ما كان يريده ويناضل من أجله أثناء الصراع مع ألمانيا الحزب القومي الاشتراكي النازي، الحزب الهترلي، هو إشراك أميركا في الحرب وتشكل الحلفاء خصوصا بعد استسلام فرنسا السريع، وتقاطر صواريخ النازيين على لندن، وتوسع هتلر المدوي داخل أوروبا.

برأي تشرشل، لم يكن من الممكن هزيمة المشروع النازي التطهيري بدون تدخل الولايات المتحدة الأميركية. كما أن تشرشل كان خائفا من هزيمة النازية على يد الجيش الأحمر الروسي فقط، لأن روسيا الستالينية هي خطر مداهم بارد وطويل الأمد.

كان تشرشل قلقا من النازية ومن سقوط النازية على يد الستالينية. كان رئيس الولايات المتحدة الأميركية آنذاك، روزفلت، انعزاليا ومنكفئا، وغير ميال إلى التدخل في الحرب التي حصدت 10 بالمئة من أرواح سكان كوكب الأرض. لاحقا، حقق اليابانيون حلم تشرشل بتفجير قاعدة "بيرل هاربر" في صبيحة 7 كانون الأول/ديسمبر 1941 والتي كانت السبب المباشر لتدخل أميركا في الحرب وتشكل "الحلفاء"، وحسمها أخيرا.

ما ينقصنا هو تشرشل سوري يقنع أميركا بضرورة وجود مشروع "مارشال" جديد لسورية، ينقذها من النفوذ الروسي الخطير، مشروع سياسي واقتصادي وقيمي

​​في فيلم وثائقي غني بث على قناة ART الفرنسية عن شخصية الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين يؤكد شهود عيان بأن حشودا من المتظاهرين توجهت إلى سفارة الاتحاد السوفييتي بعد سقوط جدار برلين في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 من أجل إحراقها.

خرج من السفارة شاب روسي يعمل في السفارة، ويحكي الألمانية بطلاقة، حاملا بارودة كلاشينكوف. حكى مع جموع المتظاهرين بأن السفارة مليئة بالأسلحة والرجال، وبأن أي اقتراب منها سيؤدي إلى مجزرة، فابتعدت الجموع خوفا. لاحقا عرف بأن الشاب هو فلاديمير بوتين الذي كان مقيما في ألمانيا الشرقية، وبأنه كان وحيدا في السفارة ليلة سقوط الجدار، ولم يكن في السفارة أحد غيره، لكنه استطاع خداع المتظاهرين.

اقرأ للكاتب أيضا: وهم الاندماج والمنفى

أسرد هاتين الحادثتين، كي نفهم قليلا ما يجري في سورية وما حصل مع الشعب السوري منذ 7 سنوات حتى الآن، لما خرج الناس بكل قواهم البسيطة طالبين التغيير السياسي والاقتصادي ضد نظام اعتقل شابا أعرفه لما كنت طالبا في جامعة دمشق في كلية الطب كان معروفا بأنه يؤيد النظام بكلامه 24 ساعة. وقتها، استغربنا بأن النظام اعتقل هذا المؤيد والمعجب بـ "ممانعة" و"مقاومة" النظام. لما خرج قال لنا بأنهم سألوه: "لماذا تمدح النظام في كلامك؟ مديحك له يعني أن ثمة ذم، عليك ألا تذكر النظام أبدا، لأنه شيء لا يمكن أن يذكر ويوصف، فلكل صفة نقيض". هذا التركيبة هي ما خرج السوريون ضده.

ما ينقصنا هو وجود أميركي حقيقي، لمساعدة الشعب السوري لإحقاق تغيير حقيقي وجدي في سورية

​​ما ينقصنا هو تشرشل سوري كان يكون قادرا على إقناع إدارة أوباما، المسؤول الأول والوحيد باعتقادي عن الشكل الحالي للكارثة السورية، بأن التدخل الأميركي المباشر ضروري من أجل كف يد نظام الأسد عن سورية والمنطقة.

ما ينقصنا هو تشرشل سوري يقنع الإدارة الأميركية بأن سورية لا تختصر بالثالوث التبسيطي: مكافحة الإرهاب واللاجئون وأمن إسرائيل، لأن المسألة السورية أعقد من ذلك بكثير. ووحدها، أميركا تعرف دور الأسد في التلاعب بالحركات الجهادية في لبنان والعراق.

ما ينقصنا هو تشرشل سوري يقنع أميركا بضرورة وجود مشروع "مارشال" جديد لسورية، ينقذها من النفوذ الروسي الخطير، مشروع سياسي واقتصادي وقيمي.

ما ينقصنا هو وجود أميركي حقيقي، لمساعدة الشعب السوري لإحقاق تغيير حقيقي وجدي في سورية، وليس هذا التقارب الهائل بين روسيا وأميركا حول مصطلحات "الأمن القومي" و"الاستقرار" و"محاربة الإرهاب" و"السيادة"، هذه المفاهيم التي تنتج لاجئين ودمار وقتلى.

هذا النقص، حول العالم إلى سفارة الاتحاد السوفييتي في برلين الشرقية. عالم مقفر معدوم القيم يصوغ روحه شخص يحمل بارودة كلاشينكوف هو: فلاديمير بوتين.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.