فتاة كردية خلال الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في ديار بكر جنوب تركيا (أ ف ب)
فتاة كردية خلال الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في ديار بكر جنوب تركيا (أ ف ب)

بقلم ماغنوس نوريل وكوردو باكسي

كان لدى غالبية الأكراد أمل كبير في أن أكراد العراق وسورية سيتمتعون بمستقبل سياسي أفضل بعد هزيمة تنظيم داعش في الموصل والرقة، حيث نجح الأكراد في منع الإرهاب العالمي من الانتشار. لم ينتظروا شيئا في المقابل، بل أملوا في أن تحترم حقوقهم الأساسية كأمة. وقد أشيد بجهود قوات البشمركة و"وحدات حماية الشعب".

أمل كل كردي ولا يزال يأمل في ألا يغدره المجتمع الدولي. فهل سيتم التخلي عن الأكراد بالرغم من كل كفاحهم ضد الإرهاب العالمي حتى يتمكن الناس من التنقل في المترو والرقص في حفلة موسيقية أو التمتع بمباراة كرة القدم في لندن وباريس وواشنطن أو ستوكهولم؟

ومع ذلك، أخشى أن يكون لدى الأكراد أسباب للخوف من حصول ذلك مرة أخرى. فبعد أربع سنوات من الحرب ضد "داعش"، لم يحقق الأكراد أحلامهم، بل يشعر كل كردي بقلق كبير الآن على أكراد سورية لأن كارثة استفتاء إقليم كردستان لا تزال حاضرة في أذهانهم. وإذا كان الأكراد لا يستطيعون الاعتماد على الدعم الخارجي، ربما ينبغي أن يعتمدوا أكثر على مغتربيهم للحصول على مشورة حكيمة في التعامل مع العديد من المعضلات الأجنبية والمحلية.

ما يريده الأكراد في سورية أكثر من أي شيء آخر هو اعتبارهم جهة سياسية فاعلة، وليس جنودا في انتظار الأوامر فحسب

​​عاد بعض الخريجين والسياسيين والمثقفين الأكراد المندثرين في الشتات إلى إقليم كردستان بعد عام 1992 لأنهم رأوا إمكانية للمساعدة في بناء دولة كردية. ولكن عندما عادوا، بدأت الحقائق تنجلي. فإن وجودهم في "أرض المعركة" يختلف كليا عن العمل من أجل كردستان من الخارج وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصراعات التي قد يحتمل حدوثها. واشتكى الكثير من هؤلاء المتطوعين من أن أحدا لا يصغي إليهم أو أخذ بمشورتهم، وقرر قسم كبير منهم مغادرة الإقليم.

واليوم، يدرك الجميع أن هناك حاجة إلى كل القوى الجيدة لمواجهة التحديات الحقيقية التي تعترض الأكراد، وبخاصة الحرب التركية ضدهم في سورية. وقد تكون المعرفة والعلم المكتسبة في الشتات مفيدة جدا في أجزاء كردستان المختلفة. ويمكن أن تسهم في بناء هياكل ديمقراطية أكثر عمقا، وتحقيق حرية التعبير والمساواة ونظام قانوني مستقل بكل ما للكلمة من معنى. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت القيادة الكردية الحالية والمستقبلية مدركة لأهمية الشتات وستستفيد منه بالكامل.

الحسابات الكردية العراقية على كل جبهة

وما يؤسف له أن الأحداث الأخيرة ليست مشجعة جدا في هذا الصدد، حيث تجاهلت "حكومة إقليم كردستان" النصائح الخارجية وسارعت بإجراء استفتاء بشأن الاستقلال في 25 أيلول/سبتمبر 2017. لكن الفرحة لم تدم طويلا.

في 16 تشرين الأول/أكتوبر، استولى الجيش العراقي المدعوم من الميليشيا الشيعية العراقية وقوات مستشارين عسكريين إيرانيين على مدينة كركوك الغنية بالنفط. وأصيب الأكراد بالصدمة حين خسرت "حكومة إقليم كردستان" كل المناطق المتنازع عليها التي استعادها مقاتلو البشمركة من "داعش" على مدى السنوات القليلة الماضية. لقد عشت هذا النوع من الحزن مرتين في حياتي: في عام 1975 وفي عام 1991 عندما خذل أكراد العراق من قبل إدارتين أميركيتين مختلفتين.

إذا كانت الولايات المتحدة غير مستعدة لدعم استفتاء الأكراد، كان ينبغي أن يأخذ بارزاني ذلك في عين الاعتبار

​​فبعد الصدمة والحزن، طرحت أسئلة كثيرة. كيف يمكن للرئيس مسعود بارزاني في إقليم كردستان أن يسيء الحكم على صعيد رأي المجتمعين الدولي والمحلي ودعمهما عندما قرر إجراء الاستفتاء؟ كيف كان بإمكانه، وبدون دعم من أي قوى عظمى مثل الولايات المتحدة، أن يتحدى الدول المجاورة مثل العراق وإيران وتركيا وسورية؟

وقد كتب وزير الخارجية الأميركي حينها ريكس تيلرسون رسالة ودية للغاية إلى الرئيس الكردي بارزاني عن الدولة الكردية المستقلة. وطالب تيلرسون "حكومة إقليم كردستان" بتأجيل الاستفتاء لمدة عام واحد فقط بسبب الحرب ضد "داعش". ومن المحتمل أن برزاني إما لم يقرأ أو أنه لم يفسر هذه الرسالة بالطريقة الصحيحة. وإذا كانت الولايات المتحدة غير مستعدة لدعم استفتاء الأكراد، كان ينبغي أن يأخذ بارزاني ذلك في عين الاعتبار.

وكان تقييم حكومة إقليم كردستان لتركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان غير صحيح أيضا. ولأسباب اقتصادية، ولتجنب الصراعات مع قوى دولية عدة، تظاهر أردوغان بأنه صديق للرئيس بارزاني ولـ "حكومة إقليم كردستان". فبعد محاولة الانقلاب العسكري في يوليو 2016، ألغى أردوغان معظم الحقوق الممنوحة للأكراد أو تلك التي أعادها للأكراد في بداية رئاسته في عام 2002.

إن العلاقة الأميركية مع أردوغان ـ التي يعروها الجمود ـ لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستخاطر بعلاقاتها مع تركيا، حليفة للناتو، ولا ترغب الولايات المتحدة في أن تضطر إلى الاختيار بين تركيا والأكراد.

وحتى العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق لم يتم التفكير فيها مليا من قبل الأكراد. فحقيقة أن بغداد هي دمية في أيدي آيات الله في طهران لا يعني أن الولايات المتحدة ستدعم الأكراد تلقائيا في صراعهم مع بغداد.

عندما رأيت قوات البشمركة الكردية تبكي خارج كركوك، فهمت أن حلم استقلال كردستان قد تم تأجيله

​​فشئنا أم أبينا، تملك الولايات المتحدة أجندة خاصة بها وتريد أن يعاد انتخاب رئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي في نيسان/أبريل 2018 لأن منافسه نوري المالكي يميل أكثر إلى تلبية رغبات إيران. فكيف يمكن لسياسي شيعي عراقي الفوز في الانتخابات بعد أن القبول بدولة كردية مستقلة قبل أشهر قليلة؟

لم تكن أيضا الاستعدادات المحلية جاهزة لإجراء الاستفتاء الكردي، وحتى في العاصمة السويدية ستوكهولم، حيث أعيش، كنت أسمع يوميا أن الأعضاء الرئيسيين في "الاتحاد الوطني الكردستاني" وحزب "كوران" (التغيير) لم يقدموا دعمهم الكامل للاستقلال الكردي.

ولم يكن سرا أن "الاتحاد الوطني الكردستاني" قد عقد اجتماعات عدة مع ممثلين عراقيين وإيرانيين، وكانت النتيجة أن قوات البشمركة التابعة لـ "حزب الاتحاد الوطني الكردستاني" لم تطلق رصاصة واحدة في كركوك عندما وصلت الميليشيات الشيعية إلى هناك.

عندما رأيت قوات البشمركة الكردية تبكي خارج كركوك، فهمت أن حلم استقلال كردستان قد تم تأجيله.

ومن أهم تداعيات الاستفتاء الكردي تقليص حجم إقليم كردستان بشكل كبير، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدخل الناشئ عن صادرات النفط. ويذكر أن ميزانية بغداد المخصصة للأكراد انخفضت إلى 12 في المئة، وتم منحها للمحافظات الكردية، وليس لحكومة كردستان الاتحادية.

وما من إجماع يذكر في إقليم كردستان. إذ تأتي مصالح الحزب قبل المصالح الوطنية. وبطبيعة الحال، في السياسة المفاجآت واردة. ولكنني أعتقد أن الأمر سيستغرق وقتا طويلا لكي يصبح أكراد العراق شركاء أقوياء في التفاوض مع بغداد. أولا، يجب أن ينتهي كل من الفساد والمحسوبية في "حكومة إقليم كردستان". ثانيا، يتعين على الحكومة بناء مؤسسات ديمقراطية وتطوير الديمقراطية بنظام متعدد الأحزاب والالتزام بالدستور.

التشابه مع موقف الأكراد في سورية

وهناك مشاكل مماثلة، حيث كان للاعتماد المفرط وغير الجدير بالثقة على القوى الخارجية، أثاره السلبية على الأكراد في سورية المجاورة اليوم. لم يسمح بعد لـ "حزب الاتحاد الديمقراطي"، وهو أكبر وأقوى الأحزاب الكردية ويسيطر على جزء كبير من سورية، بالمشاركة في محادثات السلام السورية في جنيف.

إن الأمل البعيد، الذي يعتمد على احتمالات هشة وبعيدة عن التغيير الجوهري داخل إيران، بمثابة شهادة على المصير المزعج جدا للأكراد في كلا من سورية والعراق

​​الأسواء من ذلك، أزعجت النجاحات الكردية في سورية أردوغان الذي يهدد الأكراد في سورية كل يوم تقريبا، حتى أنه شن عمليات عسكرية ضد "وحدات حماية الشعب" (الفرع العسكري لـ "حزب الاتحاد الديمقراطي") في محافظة عفرين شمال سورية.

لكن ما يريده الأكراد في سورية أكثر من أي شيء آخر هو اعتبارهم جهة سياسية فاعلة، وليس جنودا في انتظار الأوامر فحسب. ومع ذلك، فإن المصير النهائي للأكراد في سورية هو بين أيدي روسيا والولايات المتحدة، ولا يستطيع سواهما التوصل إلى اتفاق يسمح ببناء دولة فدرالية كردية في سورية. وإذا أراد الأكراد في سورية تأسيس دولة اتحادية أو أن يصبحوا دولة مستقلة، يتعين عليهم بناء مؤسساتهم وإرساء الديمقراطية من خلال نظام متعدد الأحزاب. كما هو الحال في العراق.

التغيرات المنتظرة في إيران والمسألة الكردية

ومع ذلك، وعلى المدى الطويل، قد تقدم التغييرات في إيران بعض الأمل للأكراد هناك، وكذلك في العراق وسورية المجاورين، حيث اندلعت احتجاجات ومظاهرات عدة في كل مدينة وبلدة في إيران في كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير من هذا العام.

ولم يحتج المتظاهرون على أسعار المواد الغذائية أو المشاكل الاقتصادية أو حقوق الإنسان الأساسية فحسب. فقد أظهروا علنا كراهيتهم تجاه إدارة آيات الله. وطالبوا بإصلاح سياسي في إيران يقوم على نظام علماني. وقد خفتت الاحتجاجات في الوقت الحاضر ولكن قد تنشب مرة أخرى بسبب الاستياء العارم.

فإذا أخذت السياسة المنحى العلماني، قد تتغير موازين القوى في جميع أنحاء الشرق الأوسط وتؤثر على المنافسة الشيعية السنية. وفي حال حصل هذا التغيير، سيسر القادة السياسيين في إقليم كردستان والمناطق الكردية في سورية، فضلا عن سكانها. وإذا ضعفت إيران ستضعف العراق وسورية أيضا. وستزداد احتمالات استعادة كركوك والمناطق المتنازع عليها في كردستان العراق بشكل كبير.

وقد يعني ذلك أيضا أن الأكراد في سورية سيصبحون قادرين على أن يكونوا دولة اتحادية من دون سفك الدماء. ومع ذلك، فإن هذا الأمل البعيد، الذي يعتمد على احتمالات هشة وبعيدة عن التغيير الجوهري داخل إيران، بمثابة شهادة على المصير المزعج جدا للأكراد في كلا من سورية والعراق اليوم.

ماغنوس نوريل، هو باحث مساعد في معهد واشنطن

كوردو باكسي، كاتب وصحافي وخبير في علم الاجتماع، وهو كردي يحمل الجنسية السويدية. وفاز بجائزة "أولوف بالمه" عام 1999. ماغنوس نوريل، هو واحد خبراء الشرق الأوسط الرائدين في السويد، واخر مؤلفاته كتاب بعنوان "عودة الخلافة: الأسباب والعواقب".

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة