الرئيس ترامب متحدثا أمام اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري (أ ف ب)
الرئيس ترامب متحدثا أمام اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري (أ ف ب)

بقلم حسن منيمنة/

التحزب في معظم الإطار العربي ليس شأنا عابرا. بل هو غالبا عبور لخط أحمر قد يكون من الصعب العودة عنه. والجهات التي تعظم عواقب هذه الخطوة متعددة. أولها السلطة، فإن كان الحزب حزبها، فإن الانتساب إليه يمسي تجندا لخدمتها، تتحصل منه الفوائد ولكن على الراجح اشتراكا (تورطا) في امتيازاتها (فسادها)، وأمنها (قمعها)، وحرصها (تطفلها) على حياة الناس. أما إن لم يكن للسلطة حزب ابتداء، أو إن لم يكن الحزب حزبها، فخطوة المتحزب بمثابة إعلان حرب منه عليها، ومنها عليه، وإن اقتضى وقف التنفيذ إذا كانت السلطة دولة "محترمة"، مضطرة إزاء داعميها الخارجيين إلى شكل من القبول بالتعددية.

أما الطرف الآخر الذي يجعل من الأمر جللا، فهو الحزب نفسه. إضبارات سرية ورسوم انتساب وعضوية وقسم ولاء ودورات تدريب وتثقيف وتعهدات وتدرج من الرتب الدنيا إلى العليا وتفويض بالكسب في صفوف العامة. وأساس الأحزاب في العالم العربي، إلا ما ندر، إما عقيدة فكرية أو دينية، أو انتماء لهوية فئوية، أو تبعية لشخص الزعيم، بل ما أكثر التي تجمع من هذا الثالوث اثنين من أقانيمه، أو توحدها كلها. وكل منها يوجب على المتحزب واجبات، خلاصتها مطلق الولاء للحزب وما يجسده. فالمتحزب هو الملتزم بمقتضيات عقيدته، والوفي لهويته، والمخلص لزعيمه، وأي خروج غدر وخيانة.

ما دام المحازب في المعارضة كما المأمور في السلطة ملزما بمقولة "نفذ ثم ناقش"، فإن عموم المواطنين يجدون الابتعاد عن شر السياسة الحل الأقل أذى

​​يبقى طرف ثالث، يهاب إما الحزب أو السلطة أو يخشاهما معا، فهو إما بيئة حاضنة للمتحزب وحزبه، أو أسرة براء من ذا وذاك، وإن كان الضال من فلذات الأكباد، لإساءته المرفوضة أبدا ومطلقا للزعيم الذي يفدى بالروح وبالدم.

أما في الولايات المتحدة، فـ "التحزب"، إن صح التعبير، يقتصر على وضع علامة لملء خانة في استمارة يودعها الناخب لدى الهيئة المشرفة على الانتخابات في ولايته. له أن يختار أحد الحزبين الرئيسيين، الجمهوري أو الديمقراطي، أو أي من الأحزاب الأخرى التي استوفت شروط إدراج اسمها بشكل منفرد على لوائح الشطب في الولاية. وله أن ينتقي خانة "مستقل"، فلا يحسب على أي من الأحزاب.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات ليست الديمقراطية

وما يدعوه إلى التسجيل في خانة أحد الأحزاب، فهو لضمان حقه الانتخابي باختيار مرشح الانتخابات العامة للحزب الذي اختاره. أي أن المسجلين "جمهوريين"، في معظم الولايات، هم دون غيرهم من يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التمهيدية لاختيار أحد المتنافسين على الترشيح الحزبي لكل مقعد على المستويين المحلي والاتحادي. وكذلك حال المسجلين "ديمقراطيين" أو غير هؤلاء وأولئك من التصنيفات الحزبية. عدد قليل من الولايات يعتمد الانتخابات التمهيدية المفتوحة، أي لا يشترط للاختيار بين المتنافسين على الترشيح الحربي أن يكون من يدلي بصوته مسجلا على لوائح الشطب تحت خانة حزبية محددة. ولكن "التحزب" في الولايات المتحدة هو فعل تسجيل، لا فعل انتساب أو انتماء أو ولاء.

ليس فعل التسجيل، بطبيعة الحال، كامل المشاركة الحزبية السياسية للمواطن في الولايات المتحدة. غير أن كل ما يليه هو ذو طابع فردي تطوعي. له أن يتبرع بالأموال لصالح الحملات الانتخابية لمن شاء من المرشحين، أو لصالح اللجان الداعمة للقضايا الانتخابية، سواء اصطف هؤلاء المرشحون والقضايا مع خياره الحزبي أم لا. وله أن يتطوع في هذه الجهود الانتخابية، فإن فاقت كفاءته وسعيه إلى تخصيص الوقت ما ينسجم مع التطوع، فله أن يسعى بأن يتعاقد أو يتوظف لديها، بشفافية مضاعفة من جهات الرقابة المالية.

والحزب نفسه، وإن أعلن عن برنامج انتخابي خلال مؤتمره الدوري السابق للانتخابات الرئاسية، فإنه ليس بموقع إلزام المرشحين عنه التقيد بهذا البرنامج. معظم المرشحين يعتبرون أنفسهم متفقين مع الخطوط العريضة للبرنامج الحزبي، ولكن قرار اعتناق أي من بنوده هو قرار شخصي لكل مرشح، وتحديد تبعات الخروج عن البرنامج ليست من صلاحية أية جهة حزبية، بل الفصل بالأمر عائد إلى الناخبين الحزبيين.

فإذا سرى اختيارهم على مرشح ما، كان له مطلق حق التصرف. ومن هنا مبدأ أن "زعيم" الحزب، أي الوجه الأول فيه، هو المرشح الرئاسي، إذ هو من جمع أكثر الأصوات، وإن كانت مواقفه وقناعاته متعارضة مع البرنامج الانتخابي المفترض لحزبه.

وخير نموذج في هذا الشأن دونالد ترامب، والذي جاء من خارج المعتاد الحزبي، وثابر ولا يزال على إعادة صياغة مضمون الحزب الجمهوري. فمن شاء أن يعترض، وأن يشدد على أن ترامب تخلى عن القراءات المحافظة والتي كانت سائدة ضمن الحزب الجمهوري لصالح توجهات شعبوية مناهضة للعولمة وللنخبة، بما يحاكي اليسار المشاغب في أكثر من دولة أخرى، فله أن يقول ذلك. ولكنه لا يستطيع أن يزعم أن ظاهرة ترامب هي خروج عن الحزب الجمهوري، ذلك أن الحزب هو حيث الناخب، والناخب الجمهوري لا يزال، وبإصرار، مناصرا لترامب.

المعضلة التي تواجه الأحزاب في معظم الدول العربية هي أنها في بناها الداخلية... تستنسخ الأبوية والفوقية والسلطوية السائدة في مجتمعاتها

​​يذكر هنا أن الحزب الجمهوري عند تأسيسه في أواسط القرن التاسع عشر كان حزب التقدميين ودعاة مكافحة الرق والتمييز، ولم يعتنق التوجهات المحافظة إلا بعد التبديل في الأدوار خلال حملة الحقوق المدنية في ستينات القرن الفائت، والتي انتقل معها الدور التقدمي إلى الحزب الديمقراطي، فاستكان المحافظون للحزب الجمهوري.

ويبدو اليوم أنه ثمة تحول جديد في طبيعة كل من الحزبين تتخلى عن التوجهات الفكرية، المحافظة والتقدمية، الاجتماعية منها والاقتصادية، لصالح إبراز للهويات العرقية، بين الأكثرية "البيضاء" المتراجعة عدديا، جمهوريا، والأقليات العرقية ديمقراطيا، وكذلك المرتبطة بالنمط المعيشي، بين سكان الضواحي والأرياف جمهوريا، وسكان المدن ديمقراطيا.

صيغة الحزب كتحالف انتخابي يعبر عن رأي الجمهور الناخب وينتقل معه إلى حيث يريد بدت في العقود الأخيرة أكثر انسجاما مع مبدأ التمثيل الصادق من صيغة الحزب المتمسك بعقيدته وبرنامجه، والذي يتوقع من المحازبين الالتزام الثابت، كما كان الحال في أوروبا قبل أن تسعى أحزابها خلال الدورات الانتخابية الأخيرة إلى الاستفادة من الصيغة السائدة في الولايات المتحدة. والمخاض في شأن المضمون في الولايات المتحدة ينعكس كذلك على الواقع الأوروبي، إلا أن صوت الناخب هنا وهنالك يبقى هو القول الفصل، انطلاقا من القناعة السائدة بأن النظام السياسي على عيوبه هو تعبير عن الصالح العام، وهو بالحصيلة يستحق الثقة من عموم المواطنين.

أما حيث الانتخابات أقرب إلى الصورية والشكلية ومفتقدة للصدقية، كما في معظم الإطار العربي، فليس من الممكن أن يكون الحزب تحالفا انتخابيا أو أن يكون التعويل على إرادة الناخبين لرسم معالمه وتوجهاته، حيث أن قدرة الناخب على إظهار إرادته منقوصة إن لم تكن معدومة. فالحزب، حيث تسمح السلطة بوجوده، أو حيث يتواجد رغما عنها، هو التحدي لزعم السلطة حصرية التعبير عن المواطن.

المعضلة التي تواجه الأحزاب في معظم الدول العربية هي أنها في بناها الداخلية، سواء لغياب الرؤية أو للحاجة إلى التماسك والتصدي للاختراق، تستنسخ الأبوية والفوقية والسلطوية السائدة في مجتمعاتها.

اقرأ للكاتب أيضا: من هو وريث الدولة العثمانية؟

فقد تكون السلطة تزعم وتخادع، ولكن الأحزاب المعارضة لا تطرح الصيغة المغايرة، بل تقدم لمجتمعاتها بدائل وفق معادلة "مزاعمنا وخداعنا بدلا من مزاعمهم وخداعهم"، على أساس العقيدة الاسمية أو الهوية الفئوية أو التبعية للزعيم البديل.

ومع غياب النموذج الناقد والناقض للسلطة القسرية، إذا تمكن الحزب المعارض من الانتصار بفعل القوة، فإن النتيجة هو استمرار لنظام الاستبداد. ليس مفاجئا بالتالي أن يكون المواطن في الدول العربية، حين تتوفر مساحة التعبير، ساخرا من إمكانيات التبديل، ومشككا وطاعنا بالأحزاب المعارضة بقدر ما هو ممتعض من السلطة.

السلطة القاهرة لا تهزم عبر صندوق اقتراع هي من يفرز أصواته، ولا تقهر عبر التمثل بأفعالها، وهي في هذه الأفعال أكثر تمرسا وأوسع قدرات، ولا سبيل إلى استنزافها لدى الجمهور العريض والذي يدرك التشابه بينها وبين معارضيها. وسط الليلة الظلماء هذه، وحدها الصيغة البديلة الجادة، والتي تقدم للمواطن نموذجا من الحكامة الداخلية القائمة على الانسجام بين المصلحة الخاصة والصالح العام، بوسعها أن تؤسس للتحدي المطلوب لليأس والتيئيس.

العالم العربي بعيد جدا عن إطار الثقة العامة بنظام سياسي منعدم الوجود صادق في تمثيله ونزيه بمؤسساته. ولا سبيل بالتالي للاستفادة، على المستوى العام، من الصيغة المتبعة في الولايات المتحدة والقائمة على الحرية الفردية في الممارسة السياسية.

على أنه ليس ما يمنع الأحزاب السياسية، أو أحدها، أو كتلة شبابية، من بناء هيكلية لا تفترض الانهيار برحيل مؤسسها، ومن تنشيط ثقافة الثقة بالمجموعة، كتجربة أولية تعارض الشكل الاستبدادي السائد في أوساط السلطة ومعارضيها. فما دام المحازب في المعارضة كما المأمور في السلطة ملزما بمقولة "نفذ ثم ناقش"، فإن عموم المواطنين يجدون الابتعاد عن شر السياسة الحل الأقل أذى من جملة حلول كلها علقم.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟