تاجر إيراني في محل ثياب نسائية في مدينة قم (أ ف ب)
تاجر إيراني في محل ثياب نسائية في مدينة قم (أ ف ب)

بقلم د. نجاة السعيد/

على مد العصور نجد دائما أن الزي والملبس في الدول العربية والإسلامية يعكس النظام السياسي للدولة سواء كان هذا النظام علماني أو ثيوقراطي أو وطني. لكن ما يجعل أنظمة الإسلام السياسي مختلفة عن الأخرى هي استغلالها للتفاسير الدينية المختلفة لتثبيت أيدلوجيتها السياسية وبالتالي يصبح عدم الالتزام بهذا الزي ليس فقط مخالف لتوجه الدولة بل مخالف للدين والشرع وأكثر من يتعرض لتلك الهيمنة والزي الإجباري هي المرأة.

على سبيل المثال، انعكس حكم الدولة العثمانية على زي النساء التي كانت ترتدي الحجاب وغطاء الوجه والعباءة التي وصلت للجزيرة العربية بشكلها الحالي خلال الحكم العثماني. وبعد سقوط الدولة العثمانية وبينما كانت الجمهورية التركية العلمانية لا تزال في مهدها، تم إدراج قضية اللباس على قمة جدول أعمال النظام الجديد.

أراد أتاتورك تحديث تركيا وجعلها تصل إلى مستوى الحضارة الأوروبية المعاصرة فوجد أن المظهر الديني التقليدي يبعد شعبه عن أوروبا. لذلك، صدر عام 1934 قانون اللباس الذي يحظر ارتداء الملابس الدينية خارج أماكن العبادة وفي عام 1984 جاء أول قرار بحظر الحجاب في الجامعات والذي طبق على نطاق واسع ليشمل عددا من القطاعات.

بعد نكسة 1967 بدأ الإسلاميون بنشر أفكارهم ومعتقداتهم في المجتمع وتبرير النكسة بالابتعاد عن الدين

​​وفي عام 2008 تم رفع حظر لبس الحجاب وفي عام 2013 تم رفع الحظر عنه في مؤسسات الدولة بشكل كامل. ورغم غياب أي قانون يلزم النساء بلبس الحجاب، حتى اليوم، لكن هناك طرقا غير مباشرة لنشر الحجاب من خلال العنف والعدوانية التي تتعرض لها النساء من الرجال المطالبين بلباس أكثر تحفظا.

ومن إحدى الحوادث التي وقعت في حزيران/يونيو الماضي، تعرضت الشابة ايسينا ميلسا ساغلام لهجوم من رجل على متن حافلة في اسطنبول لارتدائها سروالا قصيرا (شورت) في شهر رمضان. وأظهر شريط فيديو للحادث أن الرجل ضربها بينما اتخذ سائق الحافلة موقف المشاهد ولم يعاقب الرجل المعتدي مما يدل أن السلطات التركية مؤيدة بطريقة غير مباشرة لما حدث.

اقرأ للكاتبة أيضا: اجتماع القاهرة... محور الدولة ضد محور اللا-دولة

تلك الحوادث أدت إلى القيام بمسيرات نسائية أطلق عليها اسم "لا تفاوض مع ملابسي". هتفت النساء شعارات ورفعن سراويل قصيرة كأمثلة على نوع الملابس التي يقول بعض الرجال إنها غير مقبولة. ترى المتظاهرات أن حزب العدالة والتنمية يهدف من وراء كل هذه الخطوات لأسلمة المجتمع والدولة التي ستفرض لباسا إلزاميا على النساء تدريجيا، مما يعني أن ذلك سيقضي على الأسس التي قامت عليها الجمهورية التركية والعودة بالبلاد إلى نظام الخلافة العثمانية.

ويؤكد تصريح أردوغان أنه يرغب بتشكيل جيل يؤمن بالثقافة العثمانية وتصريح رئيس البرلمان التركي إسماعيل كهرمان أن تركيا بلد مسلم، وبالتالي، يجب أن يكون لها دستور ديني، شكوك النساء المتظاهرات.

ما يحدث في تركيا اليوم، حصل بشكل مشابه في إيران سابقا. ففي عهد رضا شاه بهلوي عام 1928 كان هناك حظر على الحجاب وكان الزي الأوروبي الزي الرسمي للبلاد. ومن لا يلتزم باللباس يعاقب إما بغرامة مالية أو بالسجن غي عقوبة تتراوح بين سنة وسبع سنوات.

وبعد الانقلاب على الأب رضا شاه بهلوي عام 1941 حاول الابن محمد رضا شاه أن يكسب دعم الشعب وبالتالي رفع حظر الحجاب في الجامعات للطالبات وأساتذة الجامعات. وفي عام 1949 صدرت فتوى بمنع النساء من التسوق في البازارات بدون لبس الشادور (معطف فضفاض غالبا لونه أسود يقال إنه يعود إلى عصر الأخمينيين).

وفي أوائل عام 1979 أعطى الزي بعد الثورة الإسلامية الإيرانية زخما للتحالفات السياسية والدينية. وفي عام 1981 أعلن الحجاب لباسا إجباريا لكل النساء من سن الثانية عشرة سواء للمسلمات أو لغير المسلمات وأصبحت عقوبة عدم لبس الحجاب تصل إلى سنة أو أكثر في السجن.

وقد خرجت احتجاجات نسائية اعتراضا على هذا الفرض إلى أن هاجمت قوات الأمن المعترضات وبدأت بضرب الجميع بالعصي وهم يرددون "غطاء الرأس، أو ضرب الرأس"، وكانت تلك أول وآخر مرة تخرج فيها النساء إلى الشوارع للاعتراض على الحجاب الإلزامي في ذلك الوقت.

لقد كان للثورة الإسلامية في إيران تأثير على كل المنطقة لأن الثورة لم تنكفئ على نفسها في الداخل بل عملت على تصدير الثورة بأيدلوجيتها الكاملة من ناحية المظهر والجوهر. وساهم هذا الأمر، بالإضافة إلى عوامل سياسية أخرى في المنطقة في انتشار الحجاب.

في السعودية على سبيل المثال، لم يكن الحجاب مفروضا على مضيفات الخطوط الجوية السعودية ولا مذيعات التلفزيون. ولم يكن لبس العباءة إجباريا بالنسبة للأجنبيات في المملكة إذ كان لهن كامل الحرية في اللباس وحتى الظهور على الشواطئ وحمامات السباحة. لكن كل ذلك تغير بعد حادثتي جهيمان العتيبي في الحرم المكي وثورة الخميني؛ وكلتا الحادثتين حصلت عام 1979.

ومع بزوغ عهد الصحوة في الثمانينيات من القرن الماضي، لم تكتف السلطات بفرض الحجاب بل منعت نهائيا ظهور المذيعات على القناة السعودية وبث أغاني المطربات وفرضت العباءة على الأجنبيات.

حاليا، ومع تولي الملك سلمان حكم المملكة وحملة التحديث التي يقودها ولي عهده الأمير محمد بن سلمان على الساحة السياسية والاجتماعية لنفض تأثير عهد الصحوة التي وصفها الأمير بالحالة غير العادية وغير الطبيعية التي دخلت على المجتمع السعودي، برز شيوخ مثل الشيخ عبد الله المطلق، العضو البارز في هيئة كبار العلماء بالسعودية، ليقول إن المرأة ليست ملزمة بارتداء العباءة ما دامت تستر نفسها بملابس محتشمة.

أثبتت لنا التظاهرات في إيران العلاقة بين اللباس ودعم الأيديولوجية السياسية

​​وفي مصر كان للتغييرات السياسية أثر كبير على مظهر المرأة. فقد كان للحركات للتحررية التي دعمتها أسرة محمد علي أثر كبير في ظهور المصلحين الاجتماعيين والحداثيين في حركات تحرير المرأة خاصة بقيادة المصلح الاجتماعي قاسم أمين. بدأت هذه الحركة عام 1889 وظهرت نتائجها بوضوح عام 1920 بقيادة الناشطة النسوية المصرية هدى شعراوي التي كانت إحدى المؤثرات في نزع النقاب في مصر عام 1921 عندما نزعت النقاب أمام العامة. وكانت هذه الحركة النسوية التحررية مؤثرة على أغلب الدول العربية.

استمر هذا الوضع الحداثي في عهد الملكية المصرية إلى أن تم الانقلاب العسكري عام 1952. بدأت مصر منذ ذلك الوقت بالاتجاه من الحداثة إلى مبادئ القومية العربية بقيادة جمال عبد الناصر التي كانت لها نزعات علمانية ولم تكن متوافقة مع أيدلوجيات الإسلاميين وخاصة الإخوان المسلمين في فرض الحجاب.

بعد نكسة 1967 بدأ الإسلاميون بنشر أفكارهم ومعتقداتهم في المجتمع وتبرير النكسة بالابتعاد عن الدين. لاحقا، انتشر الحجاب بشكل أوسع في مصر في الثمانينيات عندما قرر أنور السادات أن يحارب اليسار بالإسلاميين وأخرجهم من السجون التي دخلوها تحت حكم عبد الناصر.

اقرأ للكاتبة أيضا: أزمة قطر واقتلاع الإرهاب من جذوره

عندما خرجوا من السجون أدلجوا المجتمع، خاصة بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة بنشر الحجاب خاصة في المدارس التي انتشر فيها المدرسون الإسلاميون (الإخوان المسلمون) والجمعيات مثل جمعية "الأخوات المسلمات". وكان هناك دور كبير لعدد من الدعاة مثل محمد متولي الشعرواي ولاحقا عمرو خالد في نشر الحجاب بين الطبقات الغنية والمشهورة كالطالبات الجامعيات والممثلات.

من خلال كل تلك الحملات التي كان هدفها الأساسي سياسيا، وإن ظهرت كواجب ديني، تحول الحجاب في مصر إلى فريضة اجتماعية. إذا خلعته المرأة، يمكن أن تعنف المرأة إما جسديا من أهلها أو معنويا من خلال تشويه سمعتها.

إضافة إلى ذلك ومن ضمن العوامل التي أثرت في نشر الحجاب والنقاب في مصر العمالة في دول الخليج خاصة في السعودية؛ وخصوصا العمالة التي سافرت بعد ابتداء عهد الصحوة في الثمانينيات إذ تأثرت بالزي الذي كان منتشرا كالعباءة والنقاب، وعادت بذلك اللباس لمصر.

مؤخرا أثبتت لنا التظاهرات في إيران العلاقة بين اللباس ودعم الأيديولوجية السياسية. على الرغم من أن أسباب تلك التظاهرات، التي بدأت من مدينة مشهد في 28 ديسمبر 2017، كانت اقتصادية، لكن بعد ذلك ظهر الرفض للنظام الديني بكل مظاهره من خلال خلع النساء للحجاب. وقد شاهدنا كيف انتشرت صورة فيدا موفاهد في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي السيدة التي خلعت غطاء رأسها الأبيض وصارت تلوح به بعد وضعه على عصا في تحد ورفض واضح للنظام الديني الحاكم في البلاد. وأصبحت تلك المرأة رمزا للتحرر والأمل لكثير من رافضي الثيوقراطية في إيران.

تدل الاعتقالات الهيستيرية والمعاملة العدوانية التي مارسها النظام ضد النساء اللواتي خلعن حجابهن على أن الحجاب يعتبر هوية ورمزا لهذا النظام وخلعه لا يعد فقط رفضا له بل رفضا للنظام بمجمله. وقد أكدت على ذلك رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي، في تغريدة لها على موقع تويتر أشارت فيها إلى "أن النساء لم يخرجن إلى الشوارع ليطلبن شيئا من النظام؛ وإنما خرجن من أجل إزالة نظام الملالي. النساء لم ينتفضن من أجل الحرية لأنفسهن فقط، وإنما انتفضن من أجل تحرير إيران بكاملها". ويتطابق كلام رجوي مع رأي رضا بهلوي، ابن شاه إيران السابق، بأن الانتفاضة في إيران ضد النظام الديني الذي يفرض أيديولوجية دينية أحادية على الشعب.

الأمر الغريب، أننا لم نر النسويات في الغرب يستنكرن الاعتقالات والتعنيف الذي مارسه النظام الإيراني على النساء اللواتي خلعن حجابهن في تلك المظاهرات، لكننا نجدهن يدافعن باستماته عن لبس الحجاب وأي انتقاد له يعد في نظرهن كراهية ضد الأديان.

ترى المتظاهرات أن حزب العدالة والتنمية يسعى لأسلمة المجتمع والدولة 

​​وفي أغلب المسيرات النسوية في الغرب نجد النساء يرفعن لافتات لنساء محجبات دعما للمسلمات وكأن هذا رمز اقتنعت به كل امرأة مسلمة. وهذا يشير إلى أن تلك المسيرات تحصر حقوق المرأة المسلمة في قطعة قماش بعيدا عما تعاني منه المسلمات من العنف الجسدي والمعنوي، جرائم الشرف، قانون الولاية، الزواج القسري، ختان البنات وغيرها. تبدو الحركات النسوية في الغرب وكأنها اللسان الناطق للأنظمة الدينية والجماعات المتطرفة التي تحقر المرأة وتزيد من هيمنة الرجل.

إن فرض لباس معين على النساء أو تغييره بحسب أيديولوجيا الأنظمة الحاكمة أو حسب تغيير مسيرة نظام حاكم يعتبر من أكثر أنواع التحقير للمرأة. فهذا الفعل، يُظهر النساء وكأنهن دمية تغلفها السلطة المهيمنة متى شاءت وتكشف عنها متى ما أرادت.

يفترض بزي النساء أن يكون خيارا وليس وفرضا، وألا يدخل ضمن مفهوم هوية سياسية أو دينية معينة.كما أنه يجب العمل على رفض أي فرض للباس سواء كان ذلك عن طريق القوانين أو بغسل الأدمغة من خلال أيديولوجيات معينة.

لقد اختلف الفقهاء بالنسبة للحجاب كونه فريضة أم لا، لكن الجميع يعترف بأنه ليس من الأركان الخمسة وبالتالي لا يجب أن تعامل من لا ترتديه أو من خلعته كأنها تركت أحد أركان الإسلام. وحتى يمكن إقناع المجتمع بتلك الحرية في الاختيار لا بد من حملات توعوية في الداخل، لأنه ثبت لنا أن الحركات النسوية في الغرب لا تفقه شيئا عما تعانيه المرأة في الدول العربية والإسلامية وإنما يتم استغلالها من قبل فئات لها مصالح معينة، لذلك فإن تفعيل الحركات النسائية داخل كل دولة في المنطقة هو الأسلم للحفاظ على استقلالية المرأة وحريتها في الاختيار.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.