أصبح السعي حثيثا للبحث عن شكل حديث للدولة، أقرب نوعا ما إلى الديمقراطية والليبرالية
أصبح السعي حثيثا للبحث عن شكل حديث للدولة، أقرب نوعا ما إلى الديمقراطية والليبرالية

بقلم رياض عصمت/

في العام 1993، نشر مقال عنوانه "صراع الحضارات" في مجلة "فورين أفيرز" للمفكر وعالم السياسة الأميركي الشهير صموئيل هنتغتون، كتبه ردا على أطروحة فوكوياما، الذي اعتبرها يومئذ قاصرة. ثم ما لبث أن وسع مقالته ليؤلف كتابا بعنوان "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي" رأى فيه أن النزاع الأيديولوجي الذي على وشك التلاشي بين الرأسمالية والشيوعية سوف تحل محله نزاعات محتملة بين حضارات عديدة في مختلف أرجاء العالم، وأن الخلافات السياسية والاقتصادية بين الدول لن تكون على أساس كونها كيانات قومية، بل ستصبح الاختلافات الثقافية/الحضارية هي المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين التالية.

أثار هنتغتون جدلا واسعا لدى الرأي العام العالمي، وشكل كتابه صدمة أقوى من صدمة فوكوياما. يجادل هنتغتون قائلا: إن السمات الثقافية لا يمكن تغييرها كما تتغير الانتماءات الأيديولوجية، فبإمكان المرء أن يغير انتماءه من اشتراكي إلى ليبرالي، ولكن لا يمكن للروسي أن يصبح فارسيا مثلا، أو العكس. وأضاف أن بإمكان الإنسان أن يحمل جنسيتين مختلفتين في آن معا، ولكنه لا يمكن أن يؤمن بدينين مختلفين.

ربما كان الجانب الصحيح الذي أغفله بعض المنتقدين لآراء هنتغتون هو ما يمكن أن تشكله الوحدة الاقتصادية من قوة وثقل عالمي

​​بالتالي، تنبأ هنتغتون بأن العوامل الثقافية ستساعد على تشكيل تكتلات اقتصادية كبرى (مثلما في قارة آسيا) بناء على انتمائها لحضارة مميزة بحد ذاتها، وذلك بغض النظر عن تباين الهويات القومية وتنافسها وصراعاتها، لتتغلب الحضارات بذلك على الاختلافات الأيديولوجية وأنظمة الحكم المتباينة.

أثار صدور كتاب هنتغتون في العالم العربي على وجه الخصوص عاصفة أشد من العاصفة التي أثارها كتاب فوكوياما، إذ إن هنتغتون قضى على الأمل في نشوء حوار حضارات بدلا من صدام الحضارات، مما استفز الرأي العام ضد نظرياته التي ركزت على صراعات المسلمين مع الحضارات الأخرى، كما في الصراع الهندي ـ الباكستاني، والصراع في جنوب السودان، بل وبعض الصراعات داخل كيانات بعض الدول نفسها سواء في الشرق الأقصى أم في أوروبا الغربية التي تعاني من ضغط الهجرة.

اقرأ للكاتب أيضا: هل الديموقراطية أم الشمولية مستقبل العالم؟

تطرق هنتغتون أيضا إلى الصراعات في داخل روسيا والصين وبعض دول أوروبا الشرقية بين المسلمين وسواهم من أصحاب الديانات الأخرى، من مسيحية وبوذية وهندوسية وسواها. كما أورد هنتغتون برهانا على آرائه وهو تغير موقف الاتحاد السوفيتي الملحد، الذي كان مناصرا لأذربيجان في السابق، فإذا بالروس فور تفكك اتحادهم القديم يجدون أنفسهم مضطرين لمساعدة الأرمن الأرثوذكس المماثلين لهم في الديانة.

ذكر هنتغتون أيضا أمثلة عن تباين المواقف الدولية تجاه المجازر التي اقترفها الصرب في البوسنة، والتي اضطرت الولايات المتحدة لأن تتدخل لإيقافها بالقوة المسلحة، في حين انقسم الرأي العام الأوروبي تجاهها بسبب العقيدة الدينية المشتركة مع الصرب.

اختتم هنتغتون مقولاته بالقول إن الصراع القادم سيكون بين الغرب والدول ذات الأغلبية السكانية المسلمة، أي بين الشمال والجنوب. بالتالي، ناشد هنتغتون الغرب أن يقوي جبهته الداخلية بزيادة التحالف والتعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومحاولة ضم أميركا اللاتينية واليابان إلى ذلك التحالف.

بالمقابل، تناسى هنتغتون أو تجاهل عمدا ـ كما رأى المفكر الكبير الراحل إدوار سعيد ـ أن هناك من المسلمين من يرى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وأن هناك خلافا في الرأي بين ثلاثة تيارات: أولها أولئك الذين يعتقدون بوجوب أن تكون الشريعة مصدر التشريع الأساسي والوحيد، وثانيها أولئك الذين ينظرون إليها على أنها أحد مصادر التشريع المتنوعة، وثالثها أولئك الذين لا يرون ضرورة وجود أي ارتباط بين الشريعة والقانون المدني المعاصر.

اختتم هنتغتون مقولاته بالقول إن الصراع القادم سيكون بين الغرب والدول ذات الأغلبية السكانية المسلمة

​​أما المفكر السياسي الفرنسي أوليفييه روي فدحض وجود تكتل جيواستراتيجي إسلامي، مستدلا بأن معظم نزاعات الشرق الأوسط هي بين المسلمين. بالفعل، نلاحظ تغاضي هنتغتون عامدا أم من غير قصد عن كون معظم الحضارات البشرية تألفت في الماضي من أديان وطوائف متعددة، وأنه رغم الصراعات المستمرة بينها، والتي اتخذت أحيانا طابعا عنيفا، فإن ميزة تلك الحضارات كانت التعددية والتنوع، بل والتكامل فيما بينها، دون أن ننفي نشوب صراعات تنافسية وتوسعية بينها بين فترة وأخرى.

دعونا نتأمل مثلا الحضارات التي تواجدت في بلاد الشام، وسنجد إيبلا وأوغاريت وماري وتدمر وسواها، وسنقرأ في كتب التاريخ أيضا كيف تنافست الإمبرطوريتان الرومانية والفارسية على إخضاع أكبر قدر من شعوب الحضارات الأخرى لسلطانها، وكيف تنافست في تدمير أية نزعة استقلال وتحرر، كما جرى مع زنوبيا في مملكة تدمر.

سنجد أيضا معالم أثرية رائعة خلفتها الحضارة الرومانية، مثل مدرج بصرى وسواه في سورية. كذلك فعلت الإمبرطورية العثمانية فيما بعد، بحيث ما زلنا نرى بعض الآثار التي خلفتها، مثل "التكية السليمانية" في وسط دمشق. في الواقع، تشبه سورية لوحة الموزاييك، فعليا وليس مجازا، فهي مكونة من إثنيات مختلفة تضم الأرمن والشركس والأكراد، كما تضم المسيحيين من كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت وسواهم، وتضم المسلمين من سنة وشيعة وعلويين وإسماعيلين ودروز.

اقرأ للكاتب أيضا: قمر يوجين أونيل يشع على المحرومين

ربما كان الجانب الصحيح الذي أغفله بعض المنتقدين لآراء هنتغتون جملة وتفصيلا هو ما يمكن أن تشكله الوحدة الاقتصادية من قوة وثقل عالمي، فانهال الخصوم على غابة تلك الوحدة تقطيعا بفؤوسهم. مشكلة كتاب هنتغتون أنه أعطاهم المبرر، إذ أوحى ضمنيا بأن الديموقراطية الليبرالية لا تناسب الشعوب المسلمة بالشكل الذي يناسب الغرب. لكننا نرى أن عددا من آراء هنتغتون أثبتت بعد مرور ربع قرن عليها قدرا غير قليل من عدم المصداقية والدقة. حاول هنتغتون لاحقا التبرير علنا وبشكل صريح أنه لم يكن يدعو إلى إذكاء صدام الحضارات، بل كان مجرد متنبئ به.

بالتالي، رغم سواد الصورة المهيمنة على عالمنا في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فإن تقدم الإنسانية ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا يوحي بأن الكيانات السياسية في العالم ستصبح ذات يوم من الأيام في المستقبل أكثر اعترافا بأسس الديموقراطية، أكثر قبولا بالتعددية والليبرالية وأكثر تحقيقا للمساواة والعدل.

لم يعد وعي شعوب العالم الثاني، ولا حتى الثالث، يقبل في عصر الإنترنت والفضائيات بالخضوع إلى أشكال الأنظمة الشمولية المألوفة السائدة في الثلث الأخير من القرن العشرين، بل أصبح السعي حثيثا للبحث عن شكل حديث للدولة، أقرب نوعا ما إلى الديموقراطية والليبرالية التي دعا إليهما وتنبأ بهما فرانسيس فوكوياما.

وبالتأكيد، فإن المخاض عسير، وسيجعل التطرف والتشبث العبثي بقيم الماضي الصراع محتدما وقاسيا خلال فترة من الزمن ربما تطول أو تقصر، لكن من المؤكد أنه لا يمكن لهذه الطموحات المشروعة إلا أن تثمر في النهاية وتأتي بقطاف وفير، وهذا لا يمكن بالطبع أن يتم على أساس ديني أو عرقي أو طائفي أو قومي، بل على أساس المواطنة وحق التعبير عن الرأي، وانطلاقا من دستور يحفظ حقوق الجميع في تلك البلدان على قدم المساواة، ويبني علاقات التعامل بين الدول بشكل يوفق ما بين المبادئ والمصالح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.