عناصر من الشرطة البريطانية في مكان الهجوم سيرغي سكريبال (أ ف ب)
عناصر من الشرطة البريطانية في مكان الهجوم سيرغي سكريبال (أ ف ب)

بقلم د. عماد بوظو/
في شهر آذار/مارس 2018 عثر على الكولونيل السابق في المخابرات الروسية سيرغي سكريبال غائبا عن الوعي مع ابنته في مركز تجاري بمدينة سالزبري في بريطانيا بعدما تعرضا للتسمم بغاز الأعصاب. وأشارت التحقيقات إلى أن ابنة سكريبال وصلت قبل أسبوع من حادثة التسمم من موسكو ومعها هدايا لأصدقاء، وربما أدخلت معها غاز الأعصاب عن غير قصد.

وذكرت صحيفة التايمز أن المحققين سينظرون في وفاة زوجة سكريبال بالسرطان عام 2012 وابنه في سان بطرسبرغ العام الماضي نتيجة مشاكل في الكبد. وقالت وزيرة الداخلية البريطانية أمبر راد لبرنامج توداي (Today) في هيئة الإذاعة البريطانية إنه جرى تسميم سكريبال وابنته بغاز أعصاب نادر للغاية ووصفت الهجوم بأنه وقح ومتهور.

وبعد انتهاء التحقيقات اتهمت بريطانيا رسميا المخابرات الروسية بعملية الاغتيال ودعت لاجتماع لمجلس الأمن لبحث الموضوع وطردت 23 ديبلوماسيا روسيا من بريطانيا، واعتبرت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن نيكي هيلي أن روسيا مسؤولة عن تسميم سكريبال وعلى مجلس الأمن أن يتحرك وأيدها مندوب فرنسا، ثم أصدرت برلين وباريس وواشنطن ولندن بيانا مشتركا قالت فيه إن روسيا هي المسؤول الوحيد المعقول لعملية التسميم وقالوا فيه إن استخدام هذا من النوع العسكري من غاز الأعصاب الذي طورته روسيا يشكل أول استخدام هجومي لغاز أعصاب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. ورأت الدول الثلاث أن على روسيا تقديم توضيحات حول برنامجها لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، كان الرد الروسي متناسبا مع تهور عملية الاغتيال نفسها فقد نقلت وكالة ريا نوفوستي عن متحدث باسم وزارة الخارجية الروسية قوله: "يجب على الفرد ألا يهدد قوة نووية".

ما تزال روسيا ممسكة بمنظمة الأمم المتحدة كرهينة عبر حق الفيتو

​​وتحدثت مجلة فورين بوليسي الأميركية عن احتمال نشاط الاستخبارات الروسية "بشكل متزايد في استهداف السياسيين والمنشقين والجواسيس بالقتل بالمواد السامة". فقد تمت تصفية العشرات من هؤلاء داخل وخارج روسيا منذ استلام الرئيس بوتين السلطة مع بداية القرن الحالي، كان أشهر هذه العمليات اغتيال ألكسندر ليتفينينكو في بريطانيا أيضا عام 2006 عندما دس له البولونيوم ـ 210 عالي الإشعاع في الشاي، وكان من أشد منتقدي بوتين وألف كتابا اتهم فيه المخابرات الروسية بتفجير شقق واتهام المعارضين الشيشان بذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: ملابسات الضربة الأميركية التي أحرجت وأغضبت بوتين

وفي الانتخابات الأوكرانية عام 2004 شعر المرشح الأبرز الموالي للغرب فيكتور يوشيشنكو بأنه مريض وغاب عن المنافسة الانتخابية، وعندما ظهر بعد فترة كان وجهه مشوها نتيجة ما شخصه الأطباء بأنه جرعة شبه قاتلة من مادة الديوكسين.

وفي لندن تشرين الثاني/نوفمبر 2012 وبينما كان رجل الأعمال الروسي أليكساندر بيريبيليشني يركض في مسكنه سقط ميتا، وعثر المحققون على بقايا من زهرة الياسمين الأصفر النادر والسام في معدته، وكان بيريبيليشني قد سلم محققين سويسريين أدلة تثبت تورط السلطات الروسية في عملية تزوير كبيرة في صندوق استثمار وغسيل أموال.

ووجد الملياردير الروسي بوريس بيريزوفسكي، الذي شن معركة إعلامية ضد بوتين بعد أن أيده لسنوات، مشنوقا بخرطوم الدوش في منزلة ببيركشاير بريطانيا ولم يستبعد التحقيق تعرضه للقتل. وعثر على أحد مساعدي بيريزوفسكي المليونير سكوت يونغ في عام 2014 على أعمدة سياج حديدي بعد أن سقط من شقته في الطابق الرابع في وسط لندن، وحكم القاضي بعدم توفر أدلة كافية لانتحاره.

وجرى اغتيال الصحفية آنا بوليتكوفسكايا داخل مصعد شقتها في موسكو عام 2006 بعد أن فشلت محاولة اغتيالها بالسم قبل ذلك. وهناك عدد من حالات الوفيات الغامضة للكثير من المسؤولين والديبلوماسيين الروس عبر العالم. ففي عام 2017 فقط مات سبع سفراء روس، وهذا عدد غير مألوف. ولا يمكن في مقالة واحدة تعداد حالات الموت الغامض والمفاجئ داخل وخارج روسيا لكل من تجرأ وعارض سلطة بوتين.

وفي مثال آخر على ما تقوم به روسيا هذه الأيام إنشاء السلطات الروسية وحدات معلوماتية خاصة مهمتها مهاجمة دول بعينها مستخدمين شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على عدة مستويات، منها التدخل في انتخاباتها عبر محاولة تشويه سمعة مرشحين معينين لمساعدة منافسيهم. وقد كان التدخل الروسي ملموسا في استفتاء البريكست لدعم انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي بهدف إضعاف هذا الاتحاد. وكذلك دعم اليمين المتطرف العنصري في كل الدول الأوروبية والدعاية المنظمة ضد المهاجرين والأقليات.

تمت تصفية عشرات المعارضين داخل وخارج روسيا منذ استلام الرئيس بوتين السلطة مع بداية القرن الحالي

​​لكن التدخل في الانتخابات الأميركية هو الذي سلط الضوء على حجم وأبعاد هذه الممارسات، والتي لم تقتصر على الانتخابات بل وصلت إلى محاولة إثارة الخلافات والتوتر بين المكونات المختلفة للمجتمع الأميركي إن كان على المستوى العرقي أو الديني أو السياسي. ولهذه الأسباب وضعت وزارة الخزانة الأميركية في 15 آذار/مارس الحالي "وكالة أبحاث الإنترنت" الروسية على قائمة العقوبات بسبب "تدخلها بالانتخابات الأميركية ونشر تعليقات استفزازية على مواقع التواصل الاجتماعي"، وشملت هذه العقوبات الأمن الفيدرالي الروسي ودائرة الاستخبارات العامة التابعة للأركان الروسية، والتي اعتبرتها مسؤولة عن هجوم سيبراني فيروسي عام 2017.

هذا السلوك الروسي كان قدوة للأنظمة المشابهة ففي مطار كوالالمبور في ماليزيا اغتيل كيم جونغ-نام الأخ الأكبر لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بعد أن أقدمت فتاتان على رشه بغاز الأعصاب "في إكس" الأكثر سمية من السارين في 13 شباط/فبراير 2017. واتهمت حكومة كوريا الجنوبية بيونغ يانغ بالوقوف وراء هذا الاغتيال.

اقرأ للكاتب أيضا: الهوس بالجنس في بعض كتب التراث الإسلامي

وهناك سلسلة طويلة من الإعدامات التي نفذها ديكتاتور كوريا الشمالية والتي تبدو لكثرتها ودمويتها وغرابة وسائلها كأنها تنتمي لعصور مظلمة سابقة. فقد أعدم زوج عمته جانج سونج ثايك عبر تقديمه كوجبة شهية لعشرات كلاب الصيد الجائعة، وأعدم معه سبعين شخصا من المقربين منه. وقالت وسائل إعلام أميركية إنه أعدم عمته، وهي الابنة الوحيدة لمؤسس كوريا الشمالية كيم إيل سونغ، بإجبارها على شرب زجاجة من السم لتذمرها من إعدام زوجها. كما أعدم كيم جونغ أون وزير دفاعه هيون يونج شول بنيران مدفع مضاد للطائرات في ساحة عامة بحضور بعض أفراد أسرته حسب ما قالت مصادر استخبارية كورية جنوبية، كما أعدم وزير الأمن العام أو سانج هون عبر حرقه بكرات اللهب. وذكرت صحيفة ديلي ميل البريطانية أن هون يعتبر الأخير من بين 11 شخصية مهمة في الحزب الحاكم تم إعدامهم عام 2013، وما تسرب للإعلام الخارجي ليس إلا جزءا بسيطا مما يحدث في جمهورية كوريا "الديموقراطية"!

في نهاية نيسان/إبريل 2017 تم اغتيال المعارض الإيراني سعيد كريميان في اسطنبول، وهو رجل أعمال ومالك شبكة قنوات تلفزيونية. وفي شهر آذار/مارس الحالي اغتيل في محافظة السليمانية قادر قادري المعارض الإيراني الكردي بعد أسبوع من محاولة اغتيال معارض آخر هو صلاح رحماني والذي أصيب بجروح بليغة بينما قتل ابنه في أربيل شمال العراق.

وفي نهاية عام 2017 ذكرت الشرطة الهولندية أن ناشطا سياسيا إيرانيا يدعى أحمد ملا نيسي قد قتل بالرصاص في لاهاي وهو يقيم هناك منذ عشر سنوات. وبما أن إيران تحاول لعب دور إقليمي ودولي، فلا يمكن تجاهل دورها في اغتيال السياسيين اللبنانيين الاستقلاليين وفي مقدمتهم الرئيس رفيق الحريري.

ولإيران مكانة خاصة بين دول محور الشر لرعايتها شبكة دولية لتجارة المخدرات تمتد من أميركا اللاتينية للولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا للشرق الأوسط وصولا لأفغانستان وهي مثال آخر على استخدام إمكانيات دول في تنفيذ عمليات غير قانونية لأهداف سياسية أو تحقيق عائدات مالية بوسائل غير مشروعة أو حتى إجرامية. 

وهناك مثال آخر على تصرفات الدول التي تعيش خارج القانون الدولي وهو إصابة ديبلوماسيين أميركيين في كوبا بأعراض غامضة بين نهاية عام 2016 وشهر آب/أغسطس 2017، حيث اشتكى 18 من أصل 21 موظفا أميركيا من شعور بدوار وصداع ومشاكل في التركيز واضطراب في الذاكرة. وسبق هذه الأعراض سماع صوت مرتفع، واستمرت هذه الأعراض لأكثر من ثلاثة أشهر. ولم يستطع 14 من المصابين مزاولة عملهم بشكل كامل خلال هذه المدة.

وأوضح باحثون وأطباء عصبية في جامعة فيلاديلفيا بولاية بنسلفانيا أن الأعراض التي أصابت الديبلوماسيين الأميركيين في كوبا مشابهة للإصابة بارتجاج بالدماغ مع أنه لا توجد رضة أو حادث سيارة تسبب هذا الارتجاج، ولا يعرفون حتى الآن إن كانت هذه الأعراض ناتجة عن هجوم بسلاح كيماوي أم بسلاح صوتي؟

تبدو العقوبات التي يتخذها الغرب والولايات المتحدة حتى الآن بحق روسيا وهذه الأنظمة وكأنها خطوات إعلامية أكثر منها جدية، والدليل أن هذه الممارسات لم تتوقف بل ازدادت عددا وإجراما. وحتى اليوم ما تزال روسيا ممسكة بمنظمة الأمم المتحدة كرهينة عبر حق الفيتو، مما جعل هذه المنظمة تفقد السبب الرئيسي لوجودها، وقد صرح نائب رئيس اللجنة الاقتصادية الروسية السيناتور سيرغي كالاشنيكوف بعد طرد بريطانيا 23 ديبلوماسيا روسيا: "إن الغرب بدأ حملة شرسة تهدف إلى طرد روسيا من مجلس الأمن الدولي"، وفي الحقيقة هذه فكرة جيدة ويجب على الغرب بحثها مع خيارات أخرى لمحاولة إنقاذ منظمة الأمم المتحدة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Israeli left-wing activists hold placards during a 'Peace Now' march calling on Israelis to choose ''another way'' and end the…
تظاهرة لليسار الإسرائيلي للدعوة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

دفع الفشل العربي المزمن في إقامة دول عادلة ذات مؤسسات فاعلة أنظمة القمع العربي لاستخدام العداء ضد إسرائيل كورقة تين لستر عوراتهم. بدأت حفلة التطرف العربي في مؤتمر الخرطوم ـ الذي تلا هزيمة رئيس مصر جمال عبدالناصر في حرب 1967 أمام إسرائيل ـ والمعروف بمؤتمر اللاءات الثلاثة: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل".

ثم يوم أعلن الفلسطينيون موافقتهم إقامة دولة لهم على أي جزء من أرض فلسطين، حرّضت أنظمة القمع العربي أزلامها ضد الراحل ياسر عرفات، فتشكلت "جبهة الرفض" من الفصائل الفلسطينية المعارضة لأي سلام مع إسرائيل. أما الدول الراعية لهذه الفصائل فشكّلت بدورها "جبهة الصمود والتصدي"، والتي كان في عضويتها أنظمة القمع من أمثال سوريا الأسد وعراق صدام حسين وليبيا القذافي.

ثم ورث "محور الممانعة"، الذي تقوده إيران الإسلامية، الخطاب الخشبي المتطرف نفسه عن معاداة السلام مع إسرائيل بكل أشكاله، وورث الممانعون العبارات المتهالكة نفسها التي تعكس سبب الفشل العربي، في الحكم كما في التعامل مع موضوع إسرائيل، منها عبارة كتبها القيادي الفلسطيني الراحل، الذي كان مقرّبا من عرفات، صلاح خلف المعروف بأبي أياد، في كتابه "فلسطيني بلا هوية"، وقال فيها: "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر".

وحتى نفكك عبارة أبي أياد، علينا أولا أن نبحث في معنى "خيانة"، وهي تعني في الغالب "إخلال في العهد أو الأمانة". مثلا، عبدالناصر والضباط الأحرار أقسموا الولاء لمصر وملكها، لكنهم خانوا قسمهم وخلعوه في 1952. عبدالناصر كان خائنا للملك، لكن مؤيديه لا يعتبرونها خيانة لأنهم يبررون انقلاب الضباط بأسباب كثيرة، منها ظلم الملك، أو فساد حكمه، أو تهاوي اقتصاده، وغيرها. إذن، خيانة عبدالناصر وجهة نظر، إذ يحبذها مؤيدوه، الذين لا يشككون في وطنيته، ولكنها فعليا إخلال بالأمانة التي كانت موكلة إليه وصحبه.

الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع

أما "الخيانة" التي تحدث عنها أبو أياد فتعني مخالفة رأي جبهات الرفض والتصدي والممانعة القائل بوجوب العداء التام والدائم لإسرائيل، ورفض أي سلام أو تطبيع معها. هنا "الخيانة" تفترض أن كل عربي أو مسلم عليه تبني العداء المطلق لإسرائيل، فقط لأنه عربي أو مسلم المولد، فالقبائل على رأي واحد، ومن خرج عن الإجماع، خان. ما يفوت أبي أياد (وهو لم يكن فيلسوفا سياسيا) أن الشعب ليس قبيلة ذات رأي واحد، بل مواطنين يختلفون في آرائهم وخياراتهم وأذواقهم ومصالحهم.

هكذا، برر أبو أياد قمع الرأي المخالف وتخوينه بوضع السلام مع إسرائيل خارج حيّز النقاش، أي أن موضوع العداء لإسرائيل يصبح من "الثوابت"، حسب تعبير الرافضين والمتصدين والممانعين. والثوابت ثابتة، ولا نقاش فيها، بل عقاب لمن يناقشها ويتوصل لنتيجة مخالفة تدعو لسلام مع إسرائيل.

هي فعلا مشكلة أن يطلب المتطرفون من "الرافضين" و"الممانعين" تبني وجهة نظرهم حول العداء الأبدي لإسرائيل بدون نقاش، تحت طائلة التخوين. حتى كتاب المسلمين يقول "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، لكن الممانعين يعتقدون أن معاداة إسرائيل ثابتة أكثر من الإيمان بالله، القابل للنقاش.

في لبنان، حاول مجلس النواب إقرار قانون عفو يسمح بعودة اللبنانيين المقيمين في إسرائيل، وهم من مقاتلي "جيش لبنان الجنوبي" المندثر وعائلاتهم. تنطحت أحزاب الممانعة لرفض عودة من أسمتهم "عملاء" و"خونة".

أن تحاكم السلطات اللبنانية من يقوم بإفشاء أسرار الدولة، المدنية أو العسكرية، إلى دول أجنبية، أمر مفهوم، وهكذا فعلت الولايات المتحدة مع إدوارد سنودن، المختبئ من العدالة في روسيا. لكن من غير المفهوم محاكمة مواطنين عاديين من أفراد عائلات مقاتلي "لبنان الجنوبي". ومن غير المفهوم أيضا لما لا يشمل "العفو العام" لمقاتلي كل الميليشيات اللبنانية المنحلة بعد الحرب الأهلية مقاتلي "الجنوبي". ولا بأس أن تضع دولة لبنان بعض العائدين من إسرائيل تحت رقابة أمنية لمكافحة التجسس. ولكن أن تعامل بيروت مواطنيها كـ "خونة" لأنهم لا يوافقون على معاداة إسرائيل، فهو ما يحول المواطنية إلى قبلية ويقوض أسس العدالة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن آرائهم.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت

في الولايات المتحدة حزب نازي موالي لطاغية ألمانيا الراحل أدولف هتلر، الذي قاتلته أميركا وهزمته. لم تحظر القوانين الأميركية النازية لأن الحظر يتنافى وحرية الرأي والمعتقد. وفي ذروة الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي والحروب السرية الجاسوسية، لم تمنع أميركا يوما مواطنيها من زيارة روسيا، كما لم تمنع أميركا الروس من زيارتها. حتى أن السناتور بيرني ساندرز أمضى شهر العسل في موسكو في ذروة الحرب بين البلدين، واليوم، ما يزال مواطنون أميركيون يزورون إيران، والعكس، على الرغم من انقطاع العلاقات الديبلوماسية والعداء بين واشنطن وطهران. وفي أميركا جحافل من المؤيدين علنا لنظام إيران الاسلامي، وللتوصل لسلام أميركي معه، بلا شروط.

وفي إسرائيل نفسها إسرائيليون ينحازون ضد إسرائيل علنا، من أمثال الكتّاب جدعون ليفي واميرا هاس، وأعضاء الكنيست من أمثال حنين الزعبي، وهو ما يطرح السؤال: من هم العرب الذين يخالفون إجماع "الرفض" و"الممانعة" ويدعون لسلام مع إسرائيل، كما تخالف هاس الغالبية الإسرائيلية؟ وما هي المنظمة العربية الموازية لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية؟ وأين هو اليسار العربي، الموازي لليسار الإسرائيلي، الأكثر ميلا للحوار؟ وكيف يوفّق الشيوعيون العرب بين انخراطهم في صراع قومي قبلي ضد إسرائيل مع عقيدتهم الأممية التي تعتبر الصراع الطبقي عابرا للقوميات؟

قد لا يفهم "الرافضون" و"الممانعون"، كما بعض "الصينيين" و"الإيرانيين" و"الروس" ومؤيدي الاستبداد، أن تفوق الولايات المتحدة في العالم، وتفوق إسرائيل في الشرق الأوسط، ليس تفوقا ماديا، بل هو تفوق مبني على حرية الرأي والاختيار والمعتقد. الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع، وتقدم ثقافة للمواطنين لاختيار السياسات التي يرونها في مصلحتهم، واختيار السياسيين ممن يعتقدونهم قادرين على تنفيذ هذه السياسات.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت.