يوجد نحو 1200 سجين إسلامي في سجن رومية (أرشيف)
يوجد نحو 1200 سجين إسلامي في سجن رومية (أرشيف)

بقلم حسن منيمنة/

سجن رومية هو غوانتانامو لبنان. هي حقيقة مؤلمة على أكثر من مستوى. لأن لبنان يجاهر بأنه يحتجز، منذ أعوام طويلة تتجاوز العقد من الزمن في حالات عديدة، شبابا وشيوخا بالمئات وفي ظروف سيئة ومهينة، دون أن تعرض الكثير من التهم بحقهم للبت أمام القضاء. ولأن الولايات المتحدة، من خلال إطالة أمد معتقل غوانتانامو قد وفرت السابقة للتجاوز وأضرت بموقعها كالقدوة المعنوية عالميا. ولأنه، هنا كما هنالك، المسألة هي مادة للمزايدة السياسية، بين من يفاخر بالاعتقال لشد عصب قاعدته والتي تريده تشفيا، ومن يعارضه، صادقا أو منافقا، للتعيير بخصومه تحت شعار انتهاك حقوق الإنسان. ولأن المستفيد في جميع الأحوال هو الطرح القطعي القائل بأن الفئوية، وإن حاول البعض التستير عليها بغشاء الوطنية والإنسانية، هي أساس السلوك السياسي، وهي المستوجبة للولاء.

المسجونون الإسلاميون في لبنان بعضهم من الذين أوقفوا إثر أحداث الضنية، في الشمال اللبناني عام 2000، بعد مواجهات مع الجيش اللبناني أتاحتها، بل أعدتها المنظومة الأمنية التابعة لنظام دمشق. وأعداد كبيرة منهم اعتقلوا في أعقاب المعركة التي خاضها الجيش اللبناني عام 2007 في مخيم نهر البارد، كذلك في الشمال اللبناني، لإخراج منظمة "فتح الإسلام" والتي كانت قد استولت عليه، بتمكين يكاد أن يكون علنيا من أجهزة نظام دمشق.

والبعض منهم كذلك أودعوا السجن نتيجة لحادثة عبرا عام 2013، قرب مدينة صيدا، بعد الصدام بين أنصار الداعية السلفي أحمد الأسير و"سرايا المقاومة اللبنانية" التابعة لإيران وما تلاها من تدخل للقوى الأمنية الحكومية لصالح الأخيرة. فيما عدد من الشباب الإسلامي ألقي القبض عليه إما لانضمامه إلى الفصائل المناهضة للنظام في سورية، أو حتى لنيته الالتحاق بها.

التزام المجتمع اللبناني بالقيم الإنسانية وإن بأشكال منقوصة وقاصرة، ليس زعما أجوف وهو مكسب لا بد من المحافظة عليه رغم الاحتلالات

​​المجموع هو ما يزيد عن 1200 معتقل، القاسم المشترك بينهم ليس فقط انتماؤهم العقائدي إلى التوجهات الإسلامية والسلفية والجهادية، إنما أيضا استمرار احتجازهم، في ظروف قبيحة وتجاوزات مشينة بحق كرامتهم في أكثر من حالة، ودون محاكمة بالنسبة للمئات منهم، فيما من الأعذار الرسمية أن المؤسسة القضائية اللبنانية تفتقد البنية التحتية لمحاكمة هذه الإعداد من المتهمين.

اقرأ للكاتب أيضا: تضاد وتداعيات في مفهوم الحزب بين الولايات المتحدة والعالم العربي

والمفارقات المؤذية بشأن هؤلاء المعتقلين عديدة. أولها بالنسبة لبعض الذين يستمر اعتقالهم دون محاكمة والذين وجهت إليهم تهم مناصرة "فتح الإسلام" مثلا، لو أن التهمة ثبتت عليهم لكانت انقضت فترة العقوبة القصوى. ورغم ذلك فهم حيث هم قابعون.

ثم أن من ألقي القبض عليه بتهمة الانخراط بحرب خارجية، يجد جيش دولته مكتف الأيادي، وحكومة دولته صامتة الصمت المدوي، حين يوفد الآلاف من أبناء وطنه لخوض الحرب عينها، إنما بأمر من الولي الفقيه في طهران.

أما من يضرب بيد من حديد لتعديه على أمن البلاد، فله أن يرضى بأن الخلية التابعة لإيران، والتي أقدمت وفق ما تفيده الأدلة الواضحة، على اغتيال رئيس وزراء، وآخرين كثر، وزعزعة الاستقرار أضعافا مضاعفة، عصية على الاعتقال، بل هي جهارا نهارا خارج صلاحية السلطة الوطنية.

ويأتي الحديث عن قانون عفو عام، يجري إعداده للتو في لبنان، ليرفع من حدة المظلومية التي تستفحل في أوساط هؤلاء المعتقلين وعائلاتهم. فالتوجه هو إلى أن يشمل هذا القانون المتهمين والمدانين بالتعامل مع إسرائيل، على مدى عقدين من احتلالها لأراض لبنانية، وأن يلغي عشرات الآلاف من مذكرات التوقيف بحق الضالعين بقضايا زراعة الحشيشة وتهريبها، وجلهم من مناطق تهيمن عليها "المقاومة" التابعة لإيران، والتي لا قدرة للأجهزة الأمنية ابتداء على تنفيذ هذه المذكرات فيها، ولكن أن يستثني المتورطين بالإرهاب، أي المعتقلين الإسلاميين، كلهم أو بعضهم، لدواع أمنية ومصلحة وطنية، فيبقيهم قيد الاعتقال.

والواقع أن القبول، الطوعي كما القسري، بالاحتلال الإيراني شبه المعلن للبنان يحتم هذه الاعتبارات. فالتحدي الأمني لهذا الاحتلال، وللاستقرار الاجتماعي في لبنان، يأتي بالفعل من خلايا جهادية تمكنت الأجهزة المحلية اللبنانية من تفكيكها.

وإطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين، بعد أن جرى دفع من لم يكن منهم بوارد مواجهة الواقع اللبناني أصلا، باتجاه التشدد والتطرف والقطعية، من خلال دمجه بمن كان من أصحاب التوجهات العدائية، ومن خلال طمره بالظلم والإهانة، من شأنه أن يؤدي إلى نشأة خلايا جديدة قد تعجز الأجهزة الأمنية عن متابعة نشاطها بالكامل، وهذه الخلايا تحتاج وحسب إلى نجاح واحد وإن تمكنت الأجهزة من إحباط باقي محاولتها للأذى.

وهذا التقييم مماثل لذاك الذي يتقدم به من يدعو صادقا في الولايات المتحدة إلى الاحتفاظ بمعتقل غوانتانامو لاعتبارات أمن وطني (خلافا لمن يتذرع بهذه الاعتبارات لأغراض تعبوية). ولكن المسألة في الحالتين تثير إشكالات مبدئية وعملية.

قضية المعتقلين الإسلاميين في لبنان قد تأخر حلها طويلا، ومع هذا التأخير تفاقم الشعور بالمظلومية في أوساط أسر المعتقلين ومجتمعهم

​​الإشكال المبدئي هو أن هذه الصيغة هي من باب العقاب الجماعي الاحترازي، أي لجرائم لم تقع، وهو فعل يناقض الدستور والقوانين. فهي من باب التضحية المؤكدة بحقوق أفراد أعيان لتحقيق صالح مفترض مبهم لغيرهم. وإذا كان ثمة أصل أول لكامل منظومة القيم الإنسانية العالمية، رغم ما هي عليه اليوم من تأرجح، فهو أن حقوق الفرد ليست أقل من حقوق الجماعة.

ولا تنتفي حقوق الفرد بالمغايرة، أي حين يصنف على أنه الآخر. بل إن مقياس الصدق في الالتزام بالقيم العالمية هو مقدار احترام حقوق الغريم والخصم والعدو، قبل حقوق الذات والحليف والصديق. فالإصرار على إحقاق حقوق الذات لا خلاف بشأنه، أما إقرار حقوق الأعداء والمعتدين، عند التصدي لهم كما عند الاقتصاص منهم، فهو الامتحان للالتزام بالقيم العالمية من دونه.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات ليست الديمقراطية

والولايات المتحدة، في التعامل مع المعتقلين في غوانتانامو خارج إطار المتعارف عليه من الأصول والأعراف في بنيتها العدلية، قد أخفقت في هذا الصدد، رغم اختلاف الآراء هنا، ولا بد من تصحيح هذا الإخفاق. والإخفاق كذلك حال لبنان، وإن كانت التوقعات منه أقل، بحكم الاحتلال الحالي وما سبقه من احتلالات.

أما الإشكال العملي فهو أن منهج الاستمرار بالتجاوز من خلال الاعتقال التعسفي، إذ ربما يحقق المصلحة الذاتية الآنية بمنع المعتقلين من الانتظام والعمل العدائي، فهو يضاعف وحسب من الإضرار بالمصلحة الذاتية البعيدة المدى. يذكر هنا أن المعتقلات التي أقامتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، إذ اعتمدت التوجه الاحترازي، شكلت بالنسبة للعديد من المعتقلين "جامعات" جهادية ضاعفت من الظاهرة في المرحلة التالية. فبدلا من أن يكون تورط المعتقل الخارج من غوانتانامو (أو من سجن رومية) بعمل عدائي دليلا على صحة الدعوة إلى اعتقاله ابتداء، فإن تورطه قد يكون وحسب نتيجة لهذا الاعتقال.

قضية المعتقلين الإسلاميين في لبنان قد تأخر حلها طويلا، ومع هذا التأخير تفاقم الشعور بالمظلومية في أوساط أسر المعتقلين ومجتمعهم، وصولا إلى قناعة مبنية على معطيات وقائعية حول تراتبية في تعامل الدولة مع الطوائف، حيث السنة مستهدفون وغيرهم معفيون.

الاعتبارات العملية في كيفية تحقيق العدالة لهؤلاء المعتقلين لا بد أن تراعى، بما في ذلك المتابعة بعد الإفراج، ولكن أيضا التعويضات المالية المستحقة لهم، بما يساهم بإعادة اندماجهم بالمجتمع الوطني. ولكن المسألة تبقى أساسا مسألة تصحيح لخطأ مبدئي وأخلاقي ومعنوي جسيم.

لا مقارنة بالطبع بين ما ارتكبته الدولة والأجهزة الأمنية ودائرة السجون في لبنان، بما تقترفه يوميا آلة التعذيب المتواصل والقتل الممنهج في سجون النظام السوري، ولكن ليس بهذه المقارنة عزاء للبنانيين. فالمعيار هو القيم الإنسانية العالمية لا الساقط من أنظمة الجوار. والتزام المجتمع اللبناني بهذه القيم وإن بأشكال منقوصة وقاصرة، ليس زعما أجوف. هو مكسب لا بد من المحافظة عليه رغم الاحتلالات، الغابر منها والحالي، وإنصاف المعتقلين الإسلاميين خطوة في هذا السبيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.