الإصلاح الديني في العالم العربي يبدأ بالفرد نفسه (أ ف ب)
الإصلاح الديني في العالم العربي يبدأ بالفرد نفسه (أ ف ب)

بقلم مالك العثامنة/

لعل أفضل من كتب ببساطة وبعيدا عن الرطانة الفلسفية وبلغة سهلة وجزلة بذات الوقت عن عقدة الخيبة في العالم العربي ـ الإسلامي كان المفكر الليبي الذي مات في منفاه السويسري، الصادق النيهوم.

وكم كنت محظوظا في سنوات دراستي الجامعية أنني تابعت في مكتبة الجامعة مجلة "الناقد" التي وأدها العوز للتمويل أول تسعينيات القرن الماضي. وكانت مقالات الصادق النيهوم أول صدمات الوعي التي تلقيتها وأنا أقلب مجلدات "الناقد" الضخمة، وأدون على دفتر ملاحظاتي عباراته الصادمة والتي جعلتني أواجه نفسي بأسئلة القلق المحرمة.

من مرافئ النيهوم، انطلقت نحو "حفار الوعي" المغربي محمد عابد الجابري في ثلاثيته حول العقل العربي، وبعدها كانت رحلة القراءة الصادمة والضرورية لكسر القيد في عوالم المفكرين العرب منذ الرازي وابن الراوندي عودة إلى النيهوم والجابري ومالك بن نبي وهادي العلوي وغيرهم من صانعي الدهشة كما يحلو لي أن أسميهم.

الفائدة من هذا التقديم، أنني أدركت مبكرا معنى صدمة الوعي الذي تم تشكيله وصياغته بشكل مصطنع وبطريقة غسل الدماغ، ليتحرر وينطلق في تفكيره الحر، وهي خطوة ليست سهلة لأي مواطن عربي يعيش في محيط مكبل بالعادات والتقاليد والشرائع والمحرمات الدينية والسياسية.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

ما يحتاجه العالم العربي هو حركة إصلاح في الوعي تبدأ من المواطن العربي نفسه، إصلاح في الوعي يتطلب لحظة مواجهة حقيقية مع الذات وقبولا للآخر ومراجعة لكل الموروث الثقافي المهترئ وإعادة قراءة حقيقية مدججة بالفهم لكل ما تمت محاكمته جورا في التاريخ واعتبار كل ما سلف تراثا لا أكثر ولا أقل.

اقرأ للكاتب أيضا: الشرق: مهد الأديان ومقبرة الإنسان

إن كل تمويل العالم الغربي ومنظماته وكل جيوشه لا تستطيع أن تغير واقع العالم العربي، لكن العربي نفسه هو القادر الوحيد على صنع التغيير في واقعه والخروج من دائرة الطباشير المرسومة بيديه حوله وإنهاء حالة الفصام التي يعيشها فيشتاق ليوتوبيا العصر الرسولي الأول (كما تم رسمه واختلاقه في كتب التاريخ التي يجترها)، ثم يسعى طوال حياته للحصول على فيزا ليكمل معيشته في جنات "بلاد الكفر والفسق" حسب قياساته النسبية الواهمة!

طيب...

فلنكن جريئين مرة واحدة ونعترف أن الإصلاح الديني في العالم العربي يبدأ بالفرد نفسه.

الإصلاح الديني موضوع أكبر من نزوة سياسية طارئة ومن مجرد تساهل عابر أو حتى مراجعة شاملة للسياسات

​​تحديدا الفرد الذي ينتمي للأغلبية التي تسود. تلك الأغلبية التي تحضر صلاة الجمعة كل أسبوع بكل ورع وتقوى وخشوع وتنشد الجنة بكل حواسها الخاشعة تحت منبر الخطيب.

هل فكر هذا الفرد، على الأقل، بأن يوقف خشوعه الأعمى ويشغل وعيه لحظة يبدأ الخطيب بالدعاء على باقي البشرية؟

هل يمكن له أن يفتح عينيه المغمضتين تحت أثر الخشوع المخدر وألا يردد "آمين" مثلا والخطيب يدعو على باقي البشر بالهلاك؟

هل يمكن له أن ينتصر لعقله وإنسانيته وأن يعترض على أدعية الخطيب وخطابه الإقصائي ويقول له:

"كلا... أيها الشيخ... أنا إنسان أولا"؟

تلك انتفاضة ذاتية قوية لتعود كما ولدتك أمك.. نقيا وإنسانا.

حينها..

ابحث عن العدالة التي تنشدها بمفاهيم إنسانية، بدون غيبوبة تفرض عليك أن تعيش فصاما طوال حياتك.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

يقول الفيلسوف الألماني شوبنهاور أنه في التاريخ فقط تتمكن الأمم من وعي ذاتها وعيا تاما، وهي مقولة منطقية وصحيحة لو توفر شرط القراءة الواعية المتحررة من قيود وأحكام مسبقة. قراءة حرة يتحكم فيها العقل وحده بدون الإرادة الذاتية المسكوبة سكبا في الوجدان. ولو قرأنا التاريخ من جديد، لا كما رواه المنتصرون وحسب، بل كما يرويه جميع الأطراف بلا استثناء لتمكنا من التقاط خيوط الوعي الأول بذواتنا.

في التاريخ مثلا ـ لو نقرأه جيدا فقط ـ فإن عبد الرحمن بن ملجم، وهو قاتل علي بن أبي طالب، طعنه وهو يصرخ: إن الحكم لله... إن الحكم لله!

بمعنى، يا سادة يا كرام، إن السلفية المأفونة موجودة منذ العصر الأول في التاريخ الإسلامي. والسلفيون هؤلاء المتعصبون للموت والدم، قتلة علي وقبله عثمان، حالة مبكرة ومتكررة بصور متعددة.

إن قراءتنا للتسامح الديني يجب أن يحل محلها التسامح الإنساني

​​السؤال لو كان لعبد الرحمن بن ملجم قناة فضائية تروج له كبطل لانتهينا معهم وبهم إلى تكفير الجميع بلا استثناء.

هؤلاء "الحشاشون" لعنة تاريخية تلاحقنا منذ مقتل عثمان بن عفان مرورا بوضوء علي بدمه المسفوح على نداء التعصب، وليس انتهاء بجبهات وإمارات أهل الكهوف واللحى المخضبة بالدم المقذوفون من القرن السابع قذائف لهب ودمار في قلب زماننا والمسلحون بالخديعة والتضليل والبترودولار وحفنة كاميرات تصوير!

إن قراءتنا للتسامح الديني يجب أن يحل محلها التسامح الإنساني. ويجب في تسامحنا المفترض كبشر، أن نتخلى عن ذهنية التفوق والتي تقود إلى التعصب الأعمى. إذ حتى التسامح يصبح مشوها إن كان مشوبا بعقدة وهم التفوق في الاختيار الإلهي المقدس، وتحميل هذا العبد لله المسكين البائس كل أثقال التاريخ المرسوم رسما على قياس نخبة رجال الدين وسدنة المعابد.

إن الإعلان عن التضامن مع نبلائنا مسيحيي المشرق العربي أو ضحايا الإرهاب من الشيعة أو السنة أو الدروز أو الأيزيديين أو أي أقلية شاء لها حظ انسانيتها السيء أن تكون حاصل فرق الانتصارات التاريخية البائسة. فمرد هذا التضامن في الحقيقة هو خجلنا من عبء ألقاه التاريخ المختلق على كتفنا دون موافقتنا ولا حتى الأخذ باعتراضنا (والاعتراض قد يصبح كفرا في شرق متخم بالمقدسات).

أنا شخصيا أعتذر لهم جميعا، لأنني أتحمل بغير ذنب مني كل دجل التاريخ العربي منذ أول الغزوات، والعهدة العمرية والمواثيق وبيانات الاحتلال والاستعمار والاستيطان؛ التي طفحت بها كتب التاريخ لدينا عن مراعاة أهل الذمة. وإنني بحكم وراثتي الجبرية للهوية تلك، مسؤول عنهم، مع أني غير مسؤول ولست أصلا ذاك.

اقرأ للكاتب أيضا: مرة أخرى، الخيار الأردني: وحدة الضفتين أم حل أمني لحماية المستوطنات

أكتب الآن هذا المقال، كمحاولة ضمير يستتر خلف الحرج الأكبر مني ومن طاقتي وحيلة أحتال بها على ضميري الذي تم تحميل ذاكرته المبطنة اللاواعية بكل هذا الإرث الذي لا أريده.

وأنا أيضا كمشرقي ولد في بلاد الشام، أشعر بذات الحرج أمام ضحايا المذاهب والأديان الأخرى لأني محسوب غصبا كجندي بائس ضمن ذيل كوادر معركة صفين... (لا فرق مع من وأجهل كيف ورثت هذا كله).

وحتى لا يتفذلك متفذلك...

أنا بذات القرف أنظر لأي اضطهاد للإنسانية تمارسه أي ديانة أو عرق أو فئة ضد آخرين. وأنا ضد مفهوم الـ "آخرين" إجمالا، فالإنسانية تجمعنا على هذا الكوكب.

في المحصلة:

الإصلاح الديني موضوع أكبر من نزوة سياسية طارئة ومن مجرد تساهل عابر أو حتى مراجعة شاملة للسياسات، فهو يبقى عملية تحتاج إلى قراءة كاملة ومتجددة. والتنافس حول الاصلاح الديني الذي يتوزع بين الرياض وأنقرة يبدو أنه جزء من لعبة سياسية يمكن أن تقود الجميع لمزيد من الضياع. المطلوب هو ورشة واسعة للغاية تبدأ من الأسفل من العمق من البسيط والاعتيادي.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.