الإمام محمد التوحيدي (من صفحته على موقع فايسبوك)
الإمام محمد التوحيدي (من صفحته على موقع فايسبوك)

بقلم منصور الحاج/

بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الإرهابية عام 2001، ظهرت في الغرب مؤسسات وشخصيات تصدت لتفسير ظاهرة الإرهاب الإسلامي وعملت على تقديم تصورات وإجابات على الأسئلة الملحة التي يتكرر طرحها بين آن وآخر عن أسباب كراهية المسلمين للغرب، وعن طبيعة الدين الإسلامي والمعنى الحقيقي لمفهوم الجهاد والعوامل التي تدفع الشباب المسلم إلى الانخراط في صفوف الجماعات الجهادية وتنفيذ عمليات انتحارية.

وقد تباينت تلك الأطروحات والتصورات المقدمة بين من يرون أن الإسلام شر مطلق يجب محاربته لأنه يمثل تهديدا مباشرا لقيم الحضارة الإنسانية التي يتبناها الغرب وبين من يبرؤون الإسلام كلية وينفون عنه أي علاقة بالإرهاب. وفريق ثالث يعترف بوجود علاقة بين الإسلام والإرهاب تتمثل في الآيات والأحاديث التي تدعو للعنف وتضطهد المرأة والأقليات، ويرون أن الحل يكمن في رفض تلك النصوص والتبرؤ منها أو حصرها في سياقاتها التاريخية والزمانية والمكانية التي جاءت لمعالجتها.

كما أنهم يتصدون للأيديولوجيات المتشددة وجماعات الإسلام السياسي التي تنشط في الغرب ويحملونهم المسؤولية في تطرف أبناء الجاليات المسلمة نسبة لتبنيهم فهما تقليديا عن الإسلام ورفضهم لكل محاولات تجديد الخطاب الديني وإعادة تفسير التراث، ويتهمونهم باستغلال القوانين والحريات لدفع أجندتهم المعادية للغرب والتي ترسخ الصورة النمطية المتداولة في العالم العربي عن كراهية المجتمعات الغربية للمسلمين وعدائهم للإسلام.

بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الجهود التي يبذلها نواز والتوحيدي فإنهما يستحقان الإشادة والتقدير

​​​​من أبرز الأصوات التي تنتمي للفريق الثالث الكاتب البريطاني من أصول باكستانية ماجد نواز ورجل الدين الأسترالي من أصول عراقية الإمام محمد التوحيدي. يقدم ماجد نواز نفسه كمسلم ليبرالي يحمل راية الإصلاح ويرى أن أحكام الشريعة الإسلامية كالرجم وقطع الأطراف والجلد وقتل المثليين أحكام بربرية يجب على المسلمين التبرؤ منها صراحة والاعتراف ببشاعتها ورفض أي تبرير لها بأي شكل من الأشكال. ويتبنى نواز التفسيرات التجديدية للنصوص الإسلامية ويرى أن بالإمكان تقديم نسخ معتدلة للإسلام بتبني القيم الليبرالية ورفض الأصولية والسلفية.

اقرأ للكاتب أيضا: حراس الفضيلة وحربهم الخاسرة ضد حقوق المرأة

وعلى الرغم من أن ماجد نواز يستميت في الدفاع عن الإسلام كدين ويتصدى لمن يعتبرونه شر محض ويقارع العنصريين ودعاة الكراهية وهو من أشرس المدافعين عن حقوق المضطهدين والمضطهدات في المجتمعات الإسلامية ويعارض التمييز ضد المرأة في الشهادة والميراث ويعارض الفصل بين الجنسين في المساجد وإجبار الفتيات على ارتداء الحجاب، إلا أنه يتهم من قبل الإسلاميين بأنه معاد للإسلام ويسعى لتشويه سمعة الدين بسبب اعترافه بدور التراث في صناعة الإرهابيين.

كما لم يسلم ماجد نواز من انتقادات العديد من الليبراليين الذين يرون في مواقفه من التراث الإسلامي وتصريحاته بضرورة إصلاح الإسلام دعما للإسلاموفوبيا والإسلاموفوبيين في المجتمعات الغربية. ويحظى نواز في الوقت نفسه بدعم كبير من قبل المسلمين الليبراليين ومن مسلمين سابقين كالناشطة أيان حرسي علي وممن يتفقون مع رؤيته بضرورة إصلاح الإسلام من جميع التيارات بما فيها اليمين المتطرف الذي يؤيد أنصاره تمسك نواز بضرورة تبرؤ المسلمين من النصوص التي تحض على العنف وتشجع على الكراهية.

وقد حاولت شخصيا إجراء حوار مع ماجد نواز لتعريف الناطقين بالعربية على أفكاره وآرائه الإصلاحية ودوافع تحوله من إسلامي متطرف يؤمن بحاكمية الشريعة ويطبق مفهوم الولاء والبراء إلى رافض لهما. ومن أجل إتاحة الفرصة له للرد على من يتهمونه بالتحول من متطرف إسلامي إلى متطرف ليبرالي ويرون أن الحل الأمثل يكمن في الاعتدال والوسطية. وافق نواز مبدئيا على الإجابة على أسئلتي لكنه تجاهلها تماما حين أرسلتها إليه ورفض تقديم أي مبررات أو حتى مجرد التعذر بأي عذر من الأعذار الدبلوماسية.

ويعتبر الكاتب الليبرالي الشهير سام هاريس من أبرز الأصوات المؤيدة لماجد نواز في الولايات المتحدة فقد استضافه عدة مرات في برنامجه الإذاعي "اليقظة" وعادة ما يشير إلى آرائه ومواقفه في حواراته التي يتناول فيها ظاهرة الإرهاب الإسلامي. هاريس يعتبر نواز من الأصوات الصادقة التي تسمي الأشياء بأسمائها من دون نفاق أو مواربة بعكس من يصفهم بـ "الكذبة" و"الاعتذاريون" الذين يرفضون الاعتراف بأي دور للتراث الإسلامي في تفريخ الإرهابين ومنح الغطاء العقدي لظاهرة الإرهاب.

أما الإمام محمد التوحيدي أو "إمام السلام" كما يقدم نفسه فقد لمع نجمه في الإعلام الأسترالي وعلى منصات مواقع التواصل الاجتماعي نسبة لمواقفه وآرائه الرافضة للشريعة الإسلامية والمعادية للإسلاميين الذين يعتبرهم تهديدا حقيقيا للحضارة الإنسانية.

وبعكس نواز الذي يشدد على تمسكه بالقيم الليبرالية وحقوق الأفراد والأقليات، يطالب التوحيدي السلطات في الغرب باتخاذ تدابير وقائية وسن قوانين تحظر أنشطة الإسلاميين وتراقب مساجدهم وتجرم وتعاقب كل التنظيمات المؤيدة للأنظمة الإسلامية كإيران والسعودية حيث يتهمهما بالسعي لنشر الإسلام المتطرف في المجتمعات الغربية وإحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية.

ويُتهم الإمام بأنه رجل دين "مزيف" وتم التشكيك مرارا في مؤهلاته الدراسية الأمر الذي دفعه إلى وضع شهادة على صدر صفحته على موقع "تويتر" تؤكد أنه قد تم التحقق من حصوله على مرتبة الإمامية على يد آية الله سيد صادق شيرازي وأن شهاداته وصور تعميمه المنشورة على موقعه على الإنترنت سليمة ولا غبار على صحتها.

وللإمام التوحيدي آراء إسلامية جريئة لا يجرؤ العديد من رجال الدين الإدلاء بها فهو يتعامل مع الآيات القرآنية المثيرة للجدل كالآيات التي تحرض على القتل والسبي وضرب النساء على أنها مطلقة وذات معنى واضح ولكنها تخص فقط الزمان والمكان والمجتمع والظروف الذي نزلت فيها ولا يمكن بأي حال من الأحوال تطبيقها في هذا الزمان.

كما يرفض التوحيدي فكرة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان قائلا بأنه لا دليل على صحة تلك المقولة وأنه لا يحق لأي أحد أن يتحدث باسم الجميع لكنه يستدرك ويقول بأن من الممكن أن يكون الإسلام صالحا للأفراد في كل زمان ومكان.

وينفي التوحيدي فكرة أن الله سوف يجازي الشهداء بـ 72 حورية للاستمتاع بهن في الجنة ويعتبر ذلك أمر "لا يقبله المنطق ولا الأخلاق" فالنساء بحسب قوله "لسن أشياء حتى يتم تقديمهن كجوائز".

تعرض التوحيدي لانتقادات حادة بعد اقتراحه على رئيسة الوزراء البريطانية اتخاذ تدابير أمنية ضد الوهابية تشمل طرد السفير السعودي من بريطانيا

​​ويشدد التوحيدي على وجود "إشكال كبير" في الإسلام السني، فالبخاري ومحمد بن عبد الوهاب وأسامة بن لادن وتنظيم داعش جميعهم ينتمون إلى المذهب السني على حسب قوله وأن تركيزه على الإسلام السني سببه أن غالبية المسلمين يعتنقون المذهب السني. لكنه في الوقت نفسه يلوم الإسلام الشيعي كذلك المتمثل في نظام ولاية الفقيه في إيران وفي إرهاب تنظيم "حزب الله" وعلى الأحمديين والصوفية أيضا الذين يتهمهم بإرتكاب جرائم عنف ضد الغير.

وتعرض التوحيدي لانتقادات حادة بعد اقتراحه على رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي اتخاذ تدابير أمنية ضد الوهابية تشمل طرد السفير السعودي من بريطانيا، وحظر الدعاة الوهابيين من دخول البلاد، ومصادر الكتب الوهابية ككتب ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والتحقيق في محتوياتها ومراقبة المساجد ووضع نقاط تفتيش أمامها وتجميد أرصدة رجال الدين الوهابيين.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة في الجدل بشأن فكرة "تدويل الحج"

وقال في معرض رده على المنتقدين الذين يرون أن تلك المقترحات تعارض القيم والمبادئ العلمانية: "ماذا تفعل إن كنت في مواجهة عقيدة يريد معتنقيها حز رأسك... حين يتعلق الأمر بالأمن القومي، رجاء لا تحدثني عن العلمانية وحقوق الإنسان والدولة القمعية لأن واقع الحال هو أحد الخيارين: إما أن نوقفهم أو أنهم سوف يذبحوننا. لقد رأينا جميعا ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل وفي باريس والسويد ولندن وأستراليا ولا يبدو أن هذا سيتوقف قريبا".

إن نواز والتوحيدي نموذجان يسلكان منهجين مختلفين في تقديم الإصلاح الذي يؤمنان به ويريان أنه ضروري للقضاء على الإرهاب وحماية المجتمعات في الغرب من الإرهابيين ومن أجل صلاح حال المسلمين في كل مكان. يقاتل الاثنان على جبهتين مختلفتين ولكن من أجل هدف واحد ويتعرضان لشتى أصناف الاتهامات والتهديدات في سبيل ذلك. وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الجهود التي يبذلانها فإنهما يستحقان الإشادة والتقدير وقبل هذا وذاك الحماية من الظلاميين والعيش في أمن أمان.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.