وزير الدفاع الأميركي مستقبلا ولي العهد السعودي (أ ف ب)
وزير الدفاع الأميركي مستقبلا ولي العهد السعودي (أ ف ب)

بقلم حسن منيمنة/

يبدو، وفق الخبراء الروس وغير الروس والذين تحاورهم محطة آر تي العربية (وهي التي لم تعد ترغب بأن تعرف باسم "روسيا اليوم")، أن رواد الفضاء الأميركيين لم يهبطوا قط على سطح القمر، بل المسألة كانت كذبة وحسب لزعم التفوق على الاتحاد السوڤياتي. بل يظهر أن اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2011 لم تكن البتة كما تفصلها الرواية الرسمية، إذ جرى الإعداد لها من جانب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الولايات المتحدة لتحضير الرأي العام وتعبئته للحروب التي كانت إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش تعد العدة لها، وذلك إشباعا لجشع مموليها وخدمة لإسرائيل. ولا غرابة في هذه الخزعبلات لدى أوساط واسعة من جمهور المشاهدين في العالم العربي حيث القناعة راسخة بأن الولايات المتحدة هي القوة الباطشة في عموم العالم، وفي الشرق الأوسط تحديدا.

ثمة اختلاف في الثقافة السياسية العربية بشأن تقييم دور الولايات المتحدة. والمواجهة هنا، على الإجمال، هي بين رؤيتين متعارضتين، إحداهما، وهي "الممانعة"، تعتبر الولايات المتحدة شريرة تتعمد الأذى، والأخرى، وهي "المعتدلة"، تقتصر على تصنيفها بالمؤذية وتمتنع عن الحكم بشرها.

طرح المؤامرة هو جزء من أسباب اتساع الشرخ الثقافي بين العالم العربي والولايات المتحدة

​​ومن باب "من فمكم ندينكم"، فإن الولايات المتحدة قد أخطأت في التدخل في العراق، بل كذبت لتتدخل، وفق ما أكده الرئيس السابق باراك أوباما، وهي المسؤولة عن إنشاء تنظيم داعش، حسب ما كشف عنه الرئيس الحالي دونالد ترامب. ومع هذا الإقرار وذاك، لم يعد الأمر مسألة وجهات نظر، وشر الولايات المتحدة ليس خلافيا، وفق التأكيد الذي تكرره قنوات التعبئة المعادية للولايات المتحدة، وإن كان النقاش لا يزال يبحث في الدافع. فهل هذا العبث بأمن المنطقة وصالحها إضرار متعمد يهدف إلى استنزافها وسلب خيراتها، أم هل أن واشنطن وحسب، بحكم السطحية في ثقافتها المنحلة والجشع الملازم لنظامها الرأسمالي غير قادرة إلا على الإساءة؟

طبعا، كل ما سبق من مزاعم، جملة وتفصيلا، فاسد بني على فاسد. ولكن تكراره المتواصل يطمس الأصل المعتل ويخرج فساده من نطاق المساءلة، ويرفع الأقاويل والافتراءات إلى مقام المتواتر الذي لا بد من القبول بصحته.

اقرأ للكاتب أيضا: قضية طال تأجيل حلها: المعتقلون الإسلاميون في لبنان

تفنيد سريع وحسب لهذه الروايات التي يسوقها الإعلام الممول روسيا وإيرانيا: الرواد الأميركيون هبطوا على القمر، ولو لم يفعلوا لما صمت عن هذه الخديعة المزعومة الاتحاد السوڤياتي على مدى العقود، واعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من تخطيط تنظيم القاعدة وتنفيذه.

يكفي لدحض الزعم الخرافي بخلاف ذلك التنبيه إلى أن هذا الزعم يصر على أن الحكومة الأميركية قد جيشت سرا أعداد المتآمرين لتنفيذ جريمتها، ولكنها عجزت على ما يبدو عن دس أنبوب واحد في مختبر ما في العراق، بعد أن نالت مبتغاها من الحرب، لتزعم أنها وجدت السلاح الكيماوي، وفضلت بدلا عن ذلك الإحراج الذي يرافقها إلى اليوم. اللهم إلا إذا سبر جهبذ فطن سر أن هذا الإحراج ثمن مقبول للتستر عن الجريمة، وإن بالفضيحة.

هو منطق المؤامرة والذي يقدم لمن يرضى به إطارا تفسيريا متماسكا، قوامه الإثارة والاطلاع المميز العصي عن غيره، ويتيح له تأطير غضبه باتجاه المتآمرين. وهو منطق محصن، سواء إزاء النقد، ذلك "أنه من المؤامرة الزعم أن لا مؤامرة"، أو باتجاه إلقاء التهمة عينها على الناقدين. فهذا المقال الناقد لمنطق المؤامرة، على سبيل المثال، إما أن كاتبه متآمر، أو أنه فريسة خديعة خفية عنه.

لا جدوى بالتالي من مجرد إصدار الأحكام وزعم الأفضلية الفكرية، بل لا بد أن يكون الاعتراض انطلاقا من تفكيك للطرح المشبوه. ومواجهة الطروحات المؤامراتية المنشغلة بالولايات المتحدة، والتي تستهلك حيزا ضخما من الطاقة الفكرية العربية في جهد عقيم، لا تتحقق بالدفاع عن المواقف الأميركية، فهذه متقلبة حكما، بل في مساءلة أساس التصوير العربي للدور الأميركي.

فالحقيقة التي تستصعبها الثقافة السياسية العربية هي أن موقع قضايا المنطقة برمتها، بما في ذلك فلسطين وإسرائيل، في الهم السياسي للولايات المتحدة، جانبي وهامشي. فالأموال والجهود المرصودة لمتابعة هذه القضايا، وإن بدت هائلة من وجهة نظر عربية، ليست إلا قدرا ضئيلا مما تخصصه دوائر الحكم والشرائح السياسية في واشنطن لمعالجة المسائل التي تعنيها وتشغل ناخبيها.

الانطباع المحلي في الإطار العربي مختلف طبعا، فالإعلام يصور الوقائع وكأن الشؤون العربية في صدر الاهتمام الأميركي. زيارة محمد بن سلمان ولي العهد السعودي آخر نموذج في هذا الشأن. الإعلام السعودي والموالي للمملكة نقل الحفاوة المحيطة بالزيارة وكأنها حدث تاريخي، فيما الإعلام القطري ركز على الاحتجاجات التي صاحبت الزيارة، بما يوحي بأنه ثمة اعتراض شعبي عليها.

المقومات التي بوسعها أن تعزز من مكانة القضايا العربية في أميركا ليست قليلة، غير أن القراءات العربية للحال الأميركية تساهم في تنفير الجهات والشرائح التي بمقدورها إبراز هذه القضايا

​​والواقع أن المواطن في الولايات المتحدة لم يشعر لا بهذا ولا بذاك، فاستقبال كافة الزوار الرسميين ينضوي على مراسم حفاوة ترتفع وتنخفض ضمن نطاق ضيق، ورفع يافطات الاحتجاج ممارسة يومية متكررة، منها الصادق ومنها العبثي ومنها المأجور. فاستقبال الأمير كان جُزَيْئَة وحسب من المتابعات الإعلامية الاعتيادية، وحتى المسعى في الكونغرس للحد من تسليح المملكة صعد وهبط كوجه من التجاذبات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وحسب.

وعندما يلجأ سياسي أميركي إلى الإفراط بالمبالغة الخطابية العدائية حول "كذب" سلفه لتبرير حرب هجومية، أو "مسؤولية" خصمه عن إنشاء منظمة إرهابية، فإن دافعه سياسي محلي انتخابي لا يأخذ بالاعتبار البتة، للأسف، أن قوله سوف يضاف إلى جعبة الاتهامات الموجهة إلى الولايات المتحدة في الثقافة العربية.

اقرأ للكاتب أيضا: تضاد وتداعيات في مفهوم الحزب بين الولايات المتحدة والعالم العربي

والواقع أن التجاوز في الاتهام مقبول في السياق الانتخابي المحلي في الولايات المتحدة إذ يحسب له الجمهور الحساب على أنه من مجانبة الحقائق والملازمة للخطاب السياسي. أي أن كلاما كهذا لا يؤخذ بمطلق الجدية، ولا سيما إن كان الموضوع، كما قضايا الشرق الأوسط، مسائل لا تستحوذ على اهتمام الناخبين.

والانكفاء الأميركي غير المبالي بالشؤون الخارجية إلا عرضيا ليس سمة إيجابية، غير أن إدراك حقيقته يسمح بتفسير أكثر اعتدالا وموضوعية للسلوك السياسي الأميركي. الإعلام المعادي للولايات المتحدة، مباشرة أو مواربة، لا يلحظ هذا الانكفاء، بل يعمد إلى تصوير المشهد الأميركي على أنه نتيجة تلاعب لإعلام سلطة، أو هيمنة لإعلام مؤيد لإسرائيل.

وفي كلتا الحالتين، تضفى على الجمهور الأميركي المستهلك للإعلام صفات السذاجة والانقياد بل الغباء. فالطرح المقدم للمتابع العربي هو أن التذبذب في المواقف الأميركية، السياسية منها والثقافية، عائد إلى قصور تستفيد منه زمرة متآمرة. أما الطرح البديل، وهو بالتأكيد أقل جاذبية وإن كانت الأدلة على صحته أوفر، فهو أن عدم اهتمام المجتمع والثقافة والسياسة في الولايات المتحدة بالشأن العربي عائد إلى أن هذا الشأن ليس ذا أهمية مرتفعة بالنسبة لها.

وهنا تكمن المفارقة. فالمقومات التي بوسعها أن تعزز من مكانة القضايا العربية في الولايات المتحدة ليست قليلة، غير أن القراءات العربية للحال الأميركية تساهم في تنفير الجهات والشرائح التي بمقدورها إبراز هذه القضايا. أي أن طرح المؤامرة هو جزء من أسباب اتساع الشرخ الثقافي بين العالم العربي والولايات المتحدة. ومع اتساع هذا الشرخ، ما يتعزز هو تحديدا القراءات المؤامراتية.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.