في أحد مساجد في فيينا (أ ف ب)
في أحد مساجد في فيينا (أ ف ب)

ازدادت في العقود الأخيرة أعداد المسلمين المهاجرين للدول الغربية لأسباب مختلفة من بينها الاقتصادية والسياسية. وبمرور الوقت بدأت تطفو على السطح مشاكل كثيرة تتعلق باندماج تلك الجاليات في المجتمعات الجديدة، ويقف في مقدمة أسباب تلك المشاكل موضوع الهوية الدينية وما يرتبط بها من أفكار وممارسات.

من بين العقبات الكثيرة التي تقف في وجه الاندماج هو حالة الانغلاق على الذات لدى بعض المهاجرين الذين هم في الغالب من اللاجئين، وكذلك وجود نوع من فقدان الاتزان أو الفصام بين التقاليد التي نشأوا عليها في بلدانهم والواقع الجديد الذي وجدوا أنفسهم فيه.

وبدلا عن السعي لمعالجة هذه الحالة الانشطارية، فإن هناك من بين هؤلاء المهاجرين من اختار الدخول في صدام مع الواقع بهدف تغيير معالم الدولة المدنية في المجتمعات المضيفة. فتجدهم مثلا يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية في أوروبا وأستراليا باعتبار أنها تمثل المخرج لتلك المجتمعات من الضلال والانحراف.

خلقت هذه التوجهات شكوكا وهواجس كثيرة لدى أطياف واسعة من شعوب الدول المستضيفة خوفا من تأثيرها على القيم وأنماط الحياة في تلك المجتمعات التي ترسخ فيها احترام الحريات والدستور والقوانين.

اقرأ للكاتب أيضا: فتوى "الحرقة" الجزائرية

وفي هذا الإطار استقبل بريدي الإلكتروني مؤخرا رسالة من صديق مقيم في جمهورية إيرلندا، وفي الرسالة يقول إن مسؤولا كبيرا في "المركز الثقافي الإسلامي" قد أدلى لموقع Medical Independent بتصريح يفيد بأنه: "لا يجب منع ختان الإناث بل يتوجب السماح بممارسته بطريقة معقولة".

يتشبث بعض المسلمين المهاجرين بالبقاء في الغرب الذي يعارضون قوانينه، ولا يرحلون للعيش تحت الظلال الوريفة لحكومات بلادهم المستبدة

​​ويشير الخبر إلى أن ختان الإناث، والذي يطلق عليه مصطلح "تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية"، يعتبر ممارسة غير قانونية في إيرلندا بموجب قانون العدالة الجنائية (تشويه الأعضاء التناسلية للإناث) لعام 2012.

ولكن المسؤول بالمركز الثقافي الإسلامي في دبلن، علي سليم، قال إن للمركز موقفا معارضا لتشويه الأعضاء التناسلية للمرأة وليس للختان، وأنه يتوجب السماح بممارسة الأخير بصورة معقولة، مستشهدا بحديث للرسول الكريم محمد يعطي تبريرا لهذه الممارسة.

وأضاف سليم: "الختان موضوع يجب تحديده من قبل طبيب. إذا كان الطبيب يعتقد أن هناك حاجة له، فلنفعل ذلك. وإذا رأى الطبيب غير ذلك، فلا يجب فعله. ولكن إذا قمنا بعمله، فيجب أن نفعل ذلك بحذر وبأمان، ويجب أن نقوم بقطع القدر اللازم (من العضو)".

وبحسب الخبر فإن علي سليم عجز عن تحديد ماهية الحاجة الطبية التي يمكن أن تجعل الطبيب يقرر إجراء عملية الختان، فعندما سئل هل هي حاجة تدعو لها ضرورة الحد من ممارسة الجنس بصورة غير شرعية كانت إجابته: لا.

من المؤكد أن دعوة السيد سليم لا تستند على أي أساس علمي. فالأمر الثابت طبيا هو أن الختان يسبب العديد من المشاكل العضوية والنفسية للمرأة، بالإضافة للكثير من التعقيدات في الإنجاب والولادة، والأهم من ذلك تأثيره السلبي على علاقتها الحميمية مع زوجها. فالبظر عضو له وظيفة، ويسمح للمرأة بالاستمتاع مع زوجها، فتحبه أكثر وتعطيه من كل قلبها، أما بتره فيجعلها حزينة ولا تصل للرضاء بما تمارسه مع زوجها.

وكذلك لا يوجد فرق بين أنواع الختان المختلفة، فجميعها يسبب ذات الضرر البالغ. ومن الجلي أن مربط الفرس في دفاعه عن هذه الممارسة هو إشارته للحديث المنسوب للنبي محمد في هذا الخصوص، وبالتالي فهو ينظر للقضية كواجب ديني ولا عبرة بحديثه عن ضرورة استشارة الطبيب فهو قد ذكره لمجرد التمويه والتغطية على قناعته الخاصة بأن تلك الممارسة تأتي تنفيذا للأوامر الدينية.

ومن المعلوم بداهة أن هذه الممارسة بدأت قبل ظهور الإسلام وكان الغرض منها وما زال هو إضعاف شهوة المرأة. وهي ظاهرة مختلف حولها حتى في الإطار الإسلامي، حيث أن هناك مؤسسات دينية عديدة من بينها الأزهر الشريف ترفضها وتفند الأدلة المنسوبة للرسول الكريم في حضه على ضرورة إجراء هذه العملية.

غير أن ما يثير الدهشة والحيرة في هذا الإطار هو إصرار السيد سليم على معارضة القوانين التي تجرم هذه الممارسة البغيضة، مع إدراكه اليقيني أنه يتوجب على المواطن في الدولة التي يعيش في كنفها "إيرلندا" احترام القانون، ومع علمه أن الممارسة المستندة إلى قناعته الدينية الخاصة غير ملزمة لتلك الدولة.

ولكن المفارقة المحزنة تتمثل في أن بعض المسلمين المهاجرين يسعون تحت ادعاءات الحفاظ على حقوق الأقليات إلى تبديل الأسس التي قامت عليها تلك المجتمعات رغم الاختلاف الكبير بينها وبين مجتمعاتهم التي فروا هاربين من جحيمها للاستمتاع بالمزايا العديدة التي توفرها الدول المضيفة.

والجدير بالذكر أن المركز الثقافي الإسلامي في دبلن ليس هو الوحيد الذي سار في هذه الوجهة المعاكسة، بل إن هناك أفرادا وجماعات إسلامية ظلت تدعو علنا لإقامة أنظمة عدالة موازية لتلك الموجودة في مهاجرهم الغربية، وذلك باعتبار أن دينهم الإسلامي يدعو لتطبيق أحكام الشريعة!

ففي مطلع هذا الشهر قرر حزب الوسط السويدي سحب ثقته من العضو بالحزب، ابتسام الدبعي، بسبب إصدارها حكما غير سليم في قضية في المحكمة الابتدائية في محلية سولنا بالعاصمة استكهولم، وسط اتهامات لها بأنها تعتمد الشريعة بدلا من القانون السويدي.

لا مناص من أن يندمج المهاجرون في مجتمعاتهم الجديدة وأن يلتزموا قوانينها في ذات الأوان الذي يحتفظون فيه بهوياتهم بطريقة لا تتعارض مع الأسس الراسخة لتلك المجتمعات

​​ابتسام عضو في هيئة المحلفين عن حزب الوسط، وقد عرضت عليها قضية تتهم فيها امرأة زوجها بالتعدي عليها بالضرب، وقد حكمت ابتسام ببراءة الزوج من ضرب زوجته وقالت في حيثيات الحكم إن عائلة الزوج الذي وجهت إليه شبهات الاعتداء تبدو أسرة جيدة، على عكس المرأة المعتدى عليها، "وهو أمر له معنى عند تقييم قضية الخطأ".

كما قالت في حكمها إن مصداقية المرأة تنخفض لأنها أبلغت الشرطة عن الاعتداء بدل أن تتحدث بذلك لأقارب الزوج. وفي تغريدة له على موقع تويتر، قال حزب الوسط إن "فرعه في سولنا أبلغ العضوة المحلفة (الدبعي) أن الحزب يسحب ثقته بها"، وجاء في التغريدة: "لذلك دعيت الدبعي إلى ترك مهمتها، التي نفترض أنها تقوم بها الآن. هذا النوع من التفكير الذي تقف وراءه غير مقبول مطلقا".

هذا الحكم أدى لردة فعل واسعة في المجتمع السويدي، وانشغل الإعلام بهذه القضية بصورة كبيرة وطفق يبحث في خلفيات السيدة ابتسام الدبعي، فاكتشف أنه سبق لها أن دعت لتغيير القوانين السويدية لتتماشى مع بعض قوانين الشريعة الإسلامية.

اقرأ للكاتب أيضا: في نقد مفهوم البيعة عند الإخوان المسلمين (4)

لا شك أن السيد سليم والسيدة ابتسام يدركان أن مجتمعاتهم الجديدة لم تعد تقبل ممارسة العقوبات الجسدية مثل البتر والجلد والرجم، وهي العقوبات التي يتطلع لها المطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية، وكذلك فإن تلك المجتمعات لا تقبل بأن تكون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في المحاكم وغير ذلك من الفروق الأساسية.

الغريب في الأمر أن من يعترضون على قوانين الدول الغربية المضيفة ويطالبونها بضرورة مراعاة خصوصيتهم الهوياتية لا يتورعون عن الجهر بالرفض لافتتاح معبد هندوسي في الإمارات، ولا يسمع لهم صوت معارض لهدم الكنائس في السودان، ولا يسألون السلطات السعودية السماح لغير المسلمين بممارسة عباداتهم بصورة علنية.

وهم أيضا يتشبثون بالبقاء في الغرب الذي يعارضون قوانينه، ولا يرحلون للعيش تحت الظلال الوريفة لحكومات بلادهم المستبدة التي تسمح لهم بختان المرأة وضربها وغير ذلك من الممارسات الممنوعة في الغرب، وهي مفارقة في غاية الغرابة تشي بنوع من الانفصام في السلوك.

لا مناص من أن يندمج هؤلاء في مجتمعاتهم الجديدة وأن يلتزموا قوانينها في ذات الأوان الذي يحتفظون فيه بهوياتهم بطريقة لا تتعارض مع الأسس الراسخة لتلك المجتمعات؛ وإلا فإن النتيجة ستكون التضييق وقفل المنافذ أمام المهاجرين وهو الأمر الذي سيتضرر منه غالبية المسلمين وليس الأقلية من أصحاب الاتجاهات الانعزالية والمنغلقة.

A memorial exhibition featuring Iranian political prisoners and organised by opposition group the  People's Mujahedin…

انتشار فيروس كورونا في إيران ألزم النظام للاستجابة إلى بعض الضغوطات. حيث دفع الوباء النظام إلى الإعلان عن إطلاق سراح 85 ألف سجين بشكل موقت من أجل الحدّ من خطر انتشار الفيروس في السجون المكتظة. غير أن سياسة العفو هذه استثنت عشرات الآلاف من السجناء السياسيين الذين قد يواجهون على الأرجح مزيجا مرعبا من ظروف السجن اللاإنسانية وقدرتهم على نشر الأمراض بسرعة ـ بما في ذلك فيروس كورونا.

ومن بين هؤلاء المعتقلين هناك العشرات من المعتقلين السياسيين الأحواز، ذكورا وإناثا، في سجون النظام المكتظة. وبعد أن بعث إعلان العفو الأمل في نفوس عوائل هؤلاء السجناء السياسيين، سرعان ما تبدّدت الآمال عند الاطلاع أن أيا من هؤلاء الأحوازيين لم يشملهم القرار. وقد تأججت التوترات الناتجة عن ذلك وترتبت نتائج فتاكة.

سلط السجناء الأحوازيون، الذين حاولوا الفرار من السجون، وتبع ذلك سقوط عشرات القتلى، الضوء على الوضع الخطير في السجون الإيرانية في إقليم الأحواز. علاوة على ذلك، فإن محاولة هروبهم هي أحد الأمثلة لإثبات الحقائق الواقعية حول تفشي الفيروس التاجي في أنحاء البلاد، وهذه الأحداث تنافي رواية النظام الإيراني بأن الوباء أصبح تحت السيطرة تماما.

في 30 و31 مارس، تردّد أن أفراد الأمن في النظام الإيراني قتلوا وتسببوا بإصابة العشرات من السجناء الأحوازيين الذين كانوا يحاولون الفرار بسبب الظروف الخطيرة في سجن شيبان، سبيدار وسجن عبادان، وسط إصابة الكثير من المعتقلين الآخرين. 

ولغاية الآن، يُقال إن خمسة عشر سجينا في سجن سبيدار وعشرين في شيبان قد قتلوا. وتسربت العديد من الأسماء من القتلى والجرحى في تلك السجون تم التوصل إلى أسماء 6 قتلى و25 مصاب.

ظروف قاتلة

حين أعلن المتحدث باسم السلطة القضائية في النظام غلام حسين إسماعيلي عن إطلاق 10 آلاف سجين بمناسبة عيد النوروز (رأس السنة الفارسية) وأن نصف هذا العدد سيكون من بين "السجناء الأمنيين" ـ وهو مصطلح مستخدم لمن "يمثلون تهديدا للأمن القومي الإيراني" وهي تهمة مشتركة للناشطين والمنشقين عن النظام ـ أمل الكثيرون في اقليم الأحواز في إطلاق سراح البعض من هذه الإعداد الهائلة من السجناء السياسيين الأحوازيين.

وكانت الأوضاع في السجون الإيرانية سيئة حتى قبل التهديد الذي يطرحه فيروس كورونا، لكن قلق الناشطين الأحوازيين ازداد بشكل كبير في ظل التهديد الذي يمثّله الاكتظاظ في أوساط مئات السجناء السياسيين المعتقلين في الجناحين 5 و8 من سجن شيبان الخاضع لسيطرة النظام الإيراني، على بعد بضع كيلومترات خارج الأحواز، عاصمة الإقليم. كما شكّلت الظروف المعيشية التي أبلغت عنها سجينات سياسيات من الأحواز معتقلات في القسم النسائي المكتظ في سجن سبيدار سيء السمعة التابع للنظام مبعث قلق آخر.

على هيئات حقوق الإنسان الدولية الضغط على السلطات الإيرانية لإطلاق سراح كافة السجناء السياسيين على الفور

واستنادا إلى تقارير خرجت من السجن واستنادا إلى حسابات معتقلين سابقين على غرار الناشطة في حقوق الإنسان سبيدة قليان، فإن وضع السجناء بدأ يتدهور بسرعة في ظل انتشار فيروس كورونا، بما في ذلك بسبب فيضان مياه المجارير وندرة مصادر المياه.

وفي حين تردّد أن الأحوازيين في السجون اعترضوا مرارا على غياب المرافق الصحية الأساسية والمعقّمات والنظام الغذائي السيئ في السجون، محذّرين بأن هذه المسائل وفّرت بيئة مثالية لانتشار المرض، تجاهل النظام هذه الاحتجاجات.

وخلال الأسبوع الفائت، أصدرت "منظمة العفو الدولية" بيانا عبّرت فيه عن قلقها الكبير بشأن سلامة المعتقلين على ضوء وباء كورونا، بما في ذلك مخاوف بشأن السجناء السياسيين الأحوازيين في سجنيْ سبيدار وشيبان. وحضّ البيان النظام الإيراني على تحرير السجناء من دون فرض شروط كفالة متشددة يتعذر على غالبية الأسر الأحوازية الإيفاء بها.

ومع بدء انتشار فيروس كوفيد-19 بالفعل في أوساط السجناء، لم يتمّ بذل أي جهود لمعالجة هذا الانتشار. وفي البداية، تمّ تأكيد إصابة ثلاثة معتقلين أحوازيين بالفيروس، جميعهم في قسم السجناء السياسيين في سجن شيبان ـ وهم الناشطان ميلاد بغلاني وحامد رضا مكي والمصوّر مهدي بحري.

وعلى الرغم من معرفة مخاطر الوباء المعدي إلى حدّ كبير والذي يمكن أن يكون قاتلا، تردّد أن سلطات السجون تأخرت للغاية في عزل السجناء والحصول على المساعدة الطبية للمعتقلين المصابين الثلاثة، ما عزز بشكل كبير احتمال أن يكونوا نقلوا الفيروس إلى سجناء آخرين وإلى موظفي السجن.

احتجاج وانتقام 

خلال الأيام التي سبقت الانتفاضة، ازداد يأس السجناء في سجن سبيدار وسط انتشار كبير للتقارير التي أفادت عن تشخيص معتقلين مصابين بفيروس كورونا، وغياب أي مؤشرات تشير إلى احتمال إطلاق هؤلاء السجناء بموجب تدابير العفو. ومع ذلك، رد النظام على هذه الاحتجاجات من خلال نشر أعداد كبيرة من قوات الأمن من محافظات أخرى في إيران لتطويق السجون كتدبير وقائي.

وإذ يشعر هؤلاء السجناء أن ما من خيار أمامهم سوى محاولة الهروب حتى رغم معرفتهم أن حراس السجن لن يترددوا في قتلهم. حيث أضرم السجناء اليائسون في سجن سبيدار النار في بطانياتهم وغيرها من الأغراض في 30 مارس. وكانت النيران مسعى لتوفير غطاء من الدخان من أجل خفض الرؤية قبل محاولة تسلّق جدران السجن. وردا على ذلك، اقتحمت قوات الأمن الزنزانات وأطلقت الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية.

ذكرت أسر السجناء أنها تلقت اتصالات من عملاء النظام "للحضور واستلام الجثث"، وطُلب منهم دفن أولادهم بالسر

كما تمّ الإعلان عن مشاهد مرعبة مماثلة في سجن شيبان الذي أصابه الفيروس بدوره والواقع في مدينة الأحواز والتي تعد عاصمة إقليم الأحواز في الأول من أبريل، حيث دفع فيروس كورونا ونفي مسؤولي السجن وجود أي عفو أو إطلاق سراح، بالسجناء إلى استخدام الوسائل نفسها التي لجأ إليها نظراؤهم في سجن سبيدار.

فقد أضرم المعتقلون في الجناح 6 و7 و9 و10 النار في زنازينهم وحاولوا خلع البوابة الأولى للسجن الذي يشتهر بتعذيب و"إخفاء" السجناء السياسيين. وأتى رد السلطات بإطلاق النار وقتل خمسة سجناء بالرصاص  من مسافة قريبة، وإصابة الكثير منهم بجروح بالغة. وحصل أمرا مشابها في سجن عبادان وراح ضحيته العديد من السجناء أيضا.

ووفق تقارير صادرة من المنطقة، سارع أفراد عوائل السجناء إلى السجون بعد سماع خبر اندلاع النيران والتقارير بشأن النيران الكثيفة ليكتشفوا ما حلّ بأحبائهم. ولدى وصولهم، أشارت تقارير صادرة عن المنطقة أن أفراد العوائل المذكورين تعرضوا للغاز المسيل للدموع والرصاص من الذخيرة الحية أطلقها حراس السجن المنتشرون في محيط السجن وقوات الحرس الثوري الإيراني، حيث أفاد ناشطون عن تعرّض ثلاثة منهم لإصابات خطيرة.

ويُظهر فيديو مصوّر على هاتف محمول عن الاعتداء نُشر على موقع "يوتيوب" إحدى أمهات المعتقلين الأحوازيين المذهولة وهي تصرخ خارج سجن شيبان وتندب ابنها، في حين يبيّن فيديو آخر نقل جثث سجناء من السجن في سيارات إسعاف.

رد فعل المنظمات الحقوقية الدولية والحكومات الأخرى بطيئ، ولم يرتقِ حتى إلى إدانة النظام على أفعاله

وأكّدت الأسر عن وفاة 15 شخصا من معتقلي الأحواز في سجن سبيدار سواء رميا بالرصاص أو حرقا حتى الموت. ومن بين السجناء القتلى الذين تمّ تحديد هويتهم نذكر محمد سلامات ثلاثين عاما من مدينة الأحواز، وسيد رضا الخرساني وشاهين الزهيري، ومحمد تامولي الطرفي، مجيد الزبيدي، وعلى الخفاجي. 

وذكرت أسر السجناء أنها تلقت اتصالات من عملاء النظام "للحضور واستلام الجثث"، وطُلب منهم دفن أولادهم بالسر. كما طلب موظفو النظام أن يدفع أفراد عائلة الرجال المقتولين تكاليف الأضرار التي تسبّب بها أولادهم في السجون خلال محاولاتهم الفرار. هذا وجرى تحذير العوائل من عدم التحدث عن عمليات القتل هذه إلى المنظمات الحقوقية أو المنظمات غير الحكومية.

وبعد محاولة الفرار من السجن، تمّ نقل سجناء 14 سجينا سياسيا منهم محمد علي عموري إلى السجن الإفرادي في سجون جهاز استخبارات النظام السرية بعد أن اتهمت الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية عموري بأنه قاد الاحتجاجات في سجن شيبان.

وبالنسبة للذين لا يزال يقبعون في السجون، عبر ذويهم عن قلقهم البالغ من أن يتمّ تعذيب أبناءهم للإدلاء باعترافات كاذبة وأن تصدر بحقهم أحكام سجن لسنوات أطول ليجعلوا منهم عبرة للآخرين ومنع حصول أي أحداث مشابهة في المستقبل في السجون.

وقد دعت الجماعات الحقوقية الأحوازية في المنفى الأمم المتحدة ومجتمع حقوق الإنسان الدولي إلى إنقاذ سجناء الأحواز، بما أن السلطات الإيرانية ترفض اتخاذ التدابير الأساسية حتى لحمايتهم من العدوى. وما يفاقم المشكلة هي قيمة الكفالات المرتفعة بشكل غير معقول، ما يحول دون تمكّن العوائل الأحوازية من تأمينها.

وردا على المعلومات التي تمّ الكشف عنها مؤخرا، أعرب رائد بارود وهو ناشط فلسطيني اسكتلندي، عن اشمئزازه من خبث النظام الإيراني نظرا إلى إشارات النظام المتكررة إلى حقوق السجناء الفلسطينيين. 

وقال في هذا الصدد "يواصل الملالي التحدث عن اهتمامهم بالسجناء الفلسطينيين، لكنهم يستغلون معاناة الفلسطينيين كوسيلة لمسح دماء إخواننا الأحوازيين والسوريين والعراقيين عن أيديهم. وفي حين تعمل دول أخرى في العالم على إنقاذ أرواح مواطنيها في ظل تفشي وباء كورونا، يقوم النظام الإيراني بمعاملة الأحوازيين الأبرياء كحيوانات فيسجن من يجرؤ على المطالبة بالحرية ويتركهم ليموتوا من هذا المرض الرهيب. عارٌ على هذا النظام البربري وعلى العالم الذي هو شريك في الجرائم التي يرتكبها ضد الإنسانية".

لكن في وقت تمكّن فيه العديد من الأقارب والسكان المحليين من نشر فيديوهات تُظهر السجناء والهجمات التي نفذها عناصر النظام ضد متفرجين على الطريق، كان رد فعل المنظمات الحقوقية الدولية والحكومات الأخرى بطيئا، ولم يرتقِ حتى إلى إدانة النظام على أفعاله. 

أكّدت الأسر عن وفاة 15 شخصا من معتقلي الأحواز في سجن سبيدار سواء رميا بالرصاص أو حرقا حتى الموت

لكن أقرباء السجناء الأحياء والأموات يسعون جميعهم بشكل ملح إلى ضمان تدبير حماية سريع للباقين، بما في ذلك مراقبة أوضاع السجون من قبل جهة غير إيرانية، وتوفير العلاج الطبي الفوري وإدراج معتقلي الأحواز السياسيين ضمن عفو عام أو تحديد كفالة منطقية لإخراجهم.

وعلى هيئات حقوق الإنسان الدولية الضغط على السلطات الإيرانية لإطلاق سراح كافة السجناء السياسيين على الفور، وجميع السجناء الذين لم يرتكبوا جرائم خطيرة في إيران بهدف منع تفشي الوباء في السجون. ويُظهر استعداد إيران لإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين نقطة ضغط محتملة كي تشمل حالات العفو هذه مجتمع الأحواز إن تمّ ممارسة ما يكفي من الضغوط الدولية.

وبحسب تعبير السحين الأحوازي السابق والكاتب غازي حيدري الموجود حاليا في المنفى بعدما كان معتقلا وتعرّض للتعذيب بسبب نشاطه في مجال حقوق الإنسان، "إن قتل النظام لهؤلاء السجناء المساكين يُظهر أنه لا يريد أن يغادر الأحواز السجون إلا محملين بنعوش".

وإن لم تدن الجهات الدولية هذه الفظائع، سيستغل النظام انشغال العالم بفيروس كورونا ليخفي الانتهاكات التي يرتكبها بحق السجناء ورفضه منع الإصابات الجماعية ضمن سجونه في الأحواز وفي جميع أنحاء إيران. 

وحتى الآن، سياسة إيران في العفو عن "المُفرج عنهم" غطت على انتهاكات إيران المستمرة بحق السجناء السياسيين الذين ما زالوا محاصرين في السجون الإيرانية. في خضم هذه الأزمة، يجب على المجتمع الدولي أن ينتهز هذه الفرصة للضغط على إيران في تلك القضية الحاسمة.

المصدر: منتدى فكرة