رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري خلال افتتاح مؤتمر سيدر (أ ف ب)
رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري خلال افتتاح مؤتمر سيدر (أ ف ب)

بقلم فارس خشّان/

في العام 2002، خلال حمأة التحضيرات لمؤتمر باريس ـ 2، أصر رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، على نيل موافقة الرئيس السوري بشار الأسد، بصفته الحاكم الفعلي للبنان، على كل البرنامج الإصلاحي الذي سيلتزم به لبنان أمام الدول المانحة.

كان مؤتمر باريس ـ 2 بالنسبة لرفيق الحريري خشبة خلاص للاقتصاد اللبناني من الأنواء التي يتخبط بها.

وكانت الدول المانحة تشترط إصلاحات بنيوية على الاقتصاد اللبناني، حتى تنتج الهبات والقروض الميسرة التي ستنالها الحكومة، مفاعيل إيجابية في المستقبل.

ومن الشروط اللازمة للنهوض يومها كان وقف الفساد وترشيق الإدارة وضبط الإنفاق وخصخصة قطاعات مهمة.

بهاجس إنقاذ الاقتصاد اللبناني قاد الحريري عملية تحرير لبنان من السطوة الأسدية، وعلى طريق "سان جورج"... اغتيل

​​وكان رفيق الحريري يدرك أن لبنان يستحيل أن يفي بما سوف يتعهد به، إن لم يضمن ذلك بشار الأسد، المتحكم باللعبة السياسية والأمنية والعسكرية في لبنان.

ولكن ما إن حقق مؤتمر باريس ـ 2 غاياته، حتى صدم الحريري ببشار الأسد، يرعى عملية الانقلاب على التعهدات.

وثمة من يعتقد بأن صدمة الحريري هذه، كانت نقطة الانطلاق نحو اقتناعه الحاسم بوجوب "تحرير لبنان"، فتجربة نهوض اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي طالما سعى إلى تجسيدها في لبنان، ثبت له أنها نجحت لأن الوصي كان واشنطن ونظامها وليس دمشق وبشارها.

اقرأ للكاتب أيضا: قصة فرنسية: الإرهابي والبطل

وبهاجس إنقاذ الاقتصاد اللبناني قاد الحريري عملية تحرير لبنان من السطوة الأسدية، وعلى طريق "سان جورج"... اغتيل.

ومنذ اغتيال رفيق الحريري، عاش لبنان على بعض المعونات وعلى "الفذلكات المالية" لمصرف لبنان، الى أن حانت، الآن، لحظة الحقيقة: الخزينة اللبنانية على حافية الإفلاس.

التهليل لحقول الغاز الموعودة، تلاشى سحره بسرعة، فبداية التنقيب مقررة في نقطة واحدة فقط خلال العام 2019، وفي حال تواجد كميات غاز تجارية، فلا موارد متوقعة منها قبل سنوات انتظار مكلفة جدا، في دولة تعاني من نسبة بطالة هائلة، ومن دين عام ضخم، ومن كساد اقتصادي خطر، ومن بنية تحتية مهترئة، ومن إدارة مترهلة، ومن أداء سياسي مشكوك باستقامته، في ظل انهيار مريع لسلم القيم.

ولم يبق في الميدان الإنقاذي إلا مؤتمر باريس الاستثماري الذي أُطلقت عليه تسمية "سيدر" (الأرز).

وهذا المؤتمر الذي رعاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصيا، في محاولة جديدة هادفة الى إعادة باريس، بفاعلية، إلى الحوض الشرقي للبحر المتوسط، لا يمكن أن ينتح أي ثمار حقيقية إلا على أغصان الإصلاح، وفق المعطيات التي يطمئن إليها المستثمرون، أصحاب الكلمة الأخيرة.

وهذا يعني أنه، بعد زوال الآثار النفسية للمؤتمر ـ وهي ثمينة في علم الاقتصاد ـ على لبنان أن يقتحم غمار الإصلاح الهادف إلى ترشيق الإدارة وترشيد الإنفاق ومكافحة الفساد وتشجيع الخصخصة وإنعاش السياحة و...خلافه.

منذ لاحت في الأفق جدية انعقاد مؤتمر "سيدر" خاض "حزب الله" ولا يزال حملة معارضة له

​​ووفق مصادر معنية بالمؤتمر فإن هذه الورشة الكبرى، إن بدت مستحيلة على تخوم الانتخابات النيابية التي تعد السلطة فيها الناس بكل ما تشتهي نفوسهم، إلا أنها تصبح منطقية بعد إغلاق صناديق الاقتراع لأربع سنوات على الأقل.

ولكن، هذه الورشة الإصلاحية يستحيل الانطلاق بها، في بلد مثل لبنان، من دون توافق سياسي كبير، ليس بين السلطات الدستورية فحسب بل أيضا مع كيان مستقل اسمه "حزب الله"، نجح منذ العام 2005 في أن يرث السطوة التي كانت للنظام السوري.

وهنا بالتحديد تفرض تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري نفسها.

ومنذ لاحت في الأفق جدية انعقاد مؤتمر "سيدر" خاض "حزب الله" ولا يزال حملة معارضة له، تحت عنوان رفض فرض مزيد من المديونية على الخزينة، معتبرا أن البديل عن دفعة جديدة من الاقتراض هو وقف الفساد.

اقرأ للكاتب أيضا: مدرسة الانتقام بالاتهام

ولمعارضة "حزب الله" أبعاد كثيرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، إصراره على أن يراعي اقتصاد لبنان الوظيفة التي يريدها للبنان، أي "المقاومة" في مفهومها الذي يحدده المحور الإيراني الذي ينتمي الحزب إليه، معنويا وماديا.

وانخراط لبنان، كجزء من الإطار الدولي الاستثماري، يخرجه كليا من "محور الممانعة".

وهذا ما كان قد لفت الانتباه إليه الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، في حينه، عندما طرح سؤاله الشهير على الملأ: "هل نريد لبنان هانوي أم هونغ كونغ؟".

وإرادة إبقاء لبنان في أسر "هانوي" هو نفسه ذاك السياق الذي سبق له وأسقط باريس ـ 2 وقاد رفيق الحريري إلى سلوك درب تحرير لبنان والاستشهاد.

وحاليا، لا شيء يوحي بأن الخروج من معادلة "هانوي" قد آن، بل العكس هو الصحيح.

ولذلك، فإن الناظرين بعمق إلى حقيقة الوضع اللبناني، يؤمنون بأن المدخل إلى الإنقاذ الاقتصادي لا يكمن مطلقا عند... الاقتصاديين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.