خلال عرض فيلم "موسم القتل" في هامبتون الدولي للأفلام (أرشيف)
خلال عرض فيلم "موسم القتل" في هامبتون الدولي للأفلام (أرشيف)

بقلم كوليت بهنا/

يكمن الدور الفني العظيم للسينما بما تعيد إنتاجه دراميا إثر وقع الحروب أو عقب انتهائها لإبداء وجهات النظر المختلفة حيالها، حيث تحفل كل حرب بقصص مآس إنسانية كثيرة ومؤثرة يلتقط مبدعو الفن السابع كل مرة واحدة منها لتقديم العبرة من خلالها للبشرية التي تكرر كل حين إثم الحروب، ثم تتلو فعل الندامة. وسرعان ما تنساه وتشن حربا جديدة لأسباب جديدة وبضحايا جدد.

الحرب السورية، التي لم تضع أوزارها بعد، استلهمت مبكرا كموضوع ساخن، حقق بعضها دراميا الجانب الرسمي في الداخل، أو اتخذت الشكل الوثائقي من قبل الجانب المعارض في الخارج، فيما اقتصر حتى الآن اقتراب السينما العالمية من هذه الحرب بفيلم ذي هوية أميركية هو "موسم القتل" المنتج عام 2013 للمخرج مارك جونسون.

لا يتحدث "موسم القتل" عن الحرب السورية بشكل مباشر، إنما يستخدمها في الخلفية الصوتية فقط عبر جهاز راديو يبث الأخبار ويصف حجم الكارثة الإنسانية السورية المتمثلة في عدد اللاجئين والدمار وعدد الضحايا (35 ألف كما جاء في الفيلم) في حينه.

اقرأ للكاتبة أيضا: حريم السلطان

موضوع الفيلم أساسا هو عن حرب يوغسلافيا السابقة، أو حرب التطهير العرقي القذرة كما سميت، حيث يقدم لنا الفيلم "روبرت دي نيرو" بصفته ضابطا أميركيا سابقا شارك في تلك الحرب عقب التدخل الأميركي لإنهائها 1995، يشاركه "جون ترافولتا" متقمصا شخصية أحد مجرمي الحرب المنتمي إلى فرقة العقارب أو فرقة الموت الصربية المتهمة بارتكاب مجازر حرب ضد مسلمي البوسنة. يبحث الأخير عن الضابط الأميركي بعد ثمانية عشر عاما من انتهاء الحرب ويقتحم عزلته للانتقام منه وسحب الاعتراف منه بأنه أيضا مجرم ومتورط؟

فيجتمع هذان النجمان الكبيران، اللذان حملا عبء الفيلم بأكمله، بلعبة تماهت مع اللعبة المسرحية ـ السينمائية. لقاء دموي تتخلله مشاهد عنيفة للغاية يحاول فيها كل طرف أن يمزق الآخر، لينتهي بهما الأمر بالغفران المتبادل الذي تسبقه مكاشفة روحية تفتح أوجاع الحرب وعبثيتها والوصول إلى خلاصة بأن الجميع في الحروب مدان، أو كما جاء على لسان "دي نيرو": "كل الحروب، لا نعرف كيف بدأت، لكننا نعرف كيف انتهت".

لو استعاد المرء كل ما حدث، سيتمنى لوهلة لو أن موسم القتل السوري كان خيالا سينمائيا لا أكثر

​​لماذا حضرت الحرب السورية في خلفية هذا الفيلم؟ سؤال لا بد أن يبحث المشاهد عن إجابته داخل الفيلم، إذ لا تتشابه أسباب حرب يوغسلافيا السابقة مع أسباب ومجريات الحدث السوري آنذاك والتي لم تكن أساسا قد تحولت عام 2013 إلى حرب كالتي نشهدها اليوم.

اقرأ للكاتبة أيضا: في البحث عن رجل عدل غاضب

نكتشف أن هدف المخرج يكمن في إسماع العالم وتحذيره في وقت مبكر من صوت الحرب الجديدة التي تجري على أرض اسمها سورية وتحريك المخيلة للنتائج الكارثية المتوقعة منها؛ في الوقت عينه الذي يكشف أمام مشاهده ما خلفته من آثار، حرب انتهت قبل ثمانية عشر عاما، لكنها في الحقيقة لم تنته داخل نفوس أبطالها.

ويشير المخرج إلى أن توقف نيران المعارك لا يعني إخماد نيران الانتقام إن لم يحدث الغفران المطلوب. ومن نافل القول إن الغفران المتبادل ليس هو المطلوب فحسب، إنما المحاسبة التي تحقق العدالة ثم تليها المصالحة في حال رغب الطرفان المتصارعان حقا بتحقيق سلام دائم ومستدام بينهما.

يختتم فيلم "موسم القتل" أحداثه بتعليق قادم من الراديو عن الحرب في سورية حيث تقول إحدى النساء الهاربات "إنه مثل الجحيم على الأرض، مع عدم وجود علامات بأن أحدا سيوقف هذا الأمر". وهو ما حدث حقيقة، إذ استمر هذا الجحيم لخمس سنوات بعدها ولا يزال دون أن يوقفه أحد. ولو استعاد المرء كل ما حدث، سيتمنى لوهلة لو أن موسم القتل السوري كان خيالا سينمائيا لا أكثر، وأن عدد الضحايا توقف عند "35 ألفا"، رغم هول الرقم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.