جامع الشيخ زايد في العاصمة الإماراتية (أ ف ب)
جامع الشيخ زايد في العاصمة الإماراتية (أ ف ب)

بقلم د. عماد بوظو/

الصلاة هي الشعيرة الرئيسية في كل الديانات المعروفة، من اليهودية والمسيحية والإسلام إلى البوذية والهندوسية وغيرها، وهي في جوهرها التوجه إلى الله في الدعاء كما هو مذكور في المعجم الوسيط في اللغة العربية.

يرى كثير من الباحثين أن أصل الكلمة عبري ومعناها الانحناء وإخضاع النفس، وفي شرح "الموطأ للإمام مالك": صلوتا هو مكان الصلاة لليهود، وحسب المعجم الوسيط فإن الصلّاة (بتشديد اللام) هي بيت الصلاة لليهود، والأصل الآرامي للكلمة هو المرجح باعتبارها اللغة الأم للسريانية والعبرية والعربية: "الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز" الحج 40. وحسب تفسير الطبري فـ "الصوامع" هي مكان اعتكاف وعبادة الرهبان، و"البيع" هي الكنائس للنصارى، و"الصلوات" هي كنيس اليهود، و"مساجد" هي مكان صلاة المسلمين، وتوضح الآية أن هذه كلها بيوت الله.

تستخدم كلمة الصلاة اليوم إما للإشارة إلى مجرد الدعاء إلى الله في أي مكان وأي صيغة وفي سبيل أي غاية، أو للدلالة على الشكل الشعائري للصلوات الذي تطور مع الزمن في كافة الديانات حتى وصل إلى صورته الحالية.

تحولت الصلاة إلى فعل استعراضي أمام المجتمع، مثل محاولة ترك آثار للسجود على الجبين

​​فالصلاة اليهودية تؤدى ثلاث مرات في اليوم، صلاة عامة في الصباح والمساء وصلاة غير عامة العصر، ومن الممكن دمج صلاتي العصر والمساء في صلاة واحدة، تؤدى الصلاة وقوفا ويخفض المصلي طرفه للأرض خشوعا.

واستعيض مع الزمن عن الركوع والسجود بالانحناء الجزئي للإمام ثم العودة، وبقي السجود فقط في صلاة يوم رأس السنة العبرية وعيد يوم الغفران، وتتطلب الصلاة اليهودية من المصلي أن يكون جسمه وملبسه طاهرا لذلك هناك إجراءات لغسل اليدين والوجه مع ترديد أدعية معينة، وقد تم الإعفاء حاليا من غسل الأرجل باعتبار الأحذية في هذا العصر أصبحت تقي القدمين من التلوث، ومن الممكن اللجوء للتيمم في حالة عدم توفر الماء بما يذكر بما هو موجود في الإسلام.

اقرأ للكاتب أيضا: بعد الديموقراطية، هل تتجه البشرية إلى عصر الرؤساء مدى الحياة؟

أما الدعوة للصلاة قديما فكانت عبر النداء بما يشبه الآذان. ويستخدم صوت البوق وهو عبارة عن قرن كبش في الأحياء اليهودية المتدينة للتنبيه ليوم السبت ولصلاة الصبح في بعض المناسبات. تؤدى الصلاة اليهودية بشكل منفرد أو جماعة، ونصاب الجماعة يتحقق بوجود عشرة أشخاص على الأقل. يقود الصلاة كبيرهم على طريقة الإمام حيث يتلو النصوص الدينية ويردد المصلون خلفه، وترتل النصوص التوراتية بما يشبه التجويد في الإسلام.

أصبح من الممكن في هذه الأيام تأدية الصلاة بوضعية الجلوس ولم يعد من المطلوب خلع الأحذية كما كان الحال سابقا، وأصبح مسموحا جلوس الرجال مع النساء معا باستثناء الأرثوذكس الذين ما زالوا يفصلونهم عن بعض ويشترطون أن تغطي النساء شعرهن أثناء الصلاة، وكذلك من الممنوع أن توضع في المعابد اليهودية تماثيل أو صور إذ تنص الوصايا على "أن لا تضع لك صورا منحوته".

وفي المسيحية كذلك الصلاة نوعان، الفردية والجماعية؛ الأولى تحررت من كثير من الطقوس والشروط وباستطاعة المؤمن أن يؤديها في أي مكان وبأي طريقة، ولا تتطلب تحضيرات قبلها وليس لها وضعيات معينة للقيام بها ولا تشترط ترديد مقاطع محددة من الأدعية أو الكتاب المقدس كل مرة، اعتمادا على القناعة بأن الله ينظر لفكر الإنسان وقلبه وليس ظاهره، وأن الله يقبل صلاته إن كانت صادرة من القلب. كما نظرت المسيحية للصلاة كعلاقة خاصة بين المؤمن والله: "ومتى صليت فلا تكن كالمرائين فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس، الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك واغلق بابك وصل إلى أبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية، وحين تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم فإنهم يظنون أنهم بكثرة كلامهم يستجاب لهم فلا تتشبهوا بهم لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه" إنجيل متى.

ويمكن تأدية هذه الصلاة في كل وقت من النهار والليل أو قبل تناول الطعام. ومع أن الكتاب المقدس لا يحدد أوقاتا معينة للصلاة، ولكن في الماضي كان المؤمنون يصلون صباحا يعقبها ثلاث صلوات في الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة التالية لصلاة الصباح، ثم صلاة عند الغروب وصلاة النوم عند بداية الليل وصلاة منتصف الليل. ومن الممكن أن تتضمن في طقوسها الركوع والسجود حسب رغبة من يؤديها.

أما اليوم فهذه الصلوات مفروضة فقط على رجال الدين المتفرغين للعبادة، واختيارية بالنسبة لبقية المسيحيين لأن أمور الحياة والعمل قد لا تسمح بالقيام بها. وهناك الصلاة الجهورية الجماعية التي تقام في بيوت العبادة مثل أيام الآحاد والأعياد الدينية، والتي تحدد الكنيسة وقتها حسب ما ترتئي. ويجلس المصلون الرجال والنساء خلالها على المقاعد ولا تتطلب هذه الصلوات ثيابا محددة أو إجراءات وشروطا معينة لتأديتها.

ذكرت الصلاة في القرآن قرابة المئة مرة للتأكيد على أهميتها كصلة بين المسلم والله؛ وهي تشير إلى مجموعة من المعاني حسب موضعها في الآية، أولها هو التوجه إلى الله بالدعاء، وتأتي في مواضع أخرى بمعنى تلاوة القرآن: "ولا تجهر بصلاتك" الإسراء 110. كما ذكرت في بعض الآيات بمعنى الثناء: "إن الله وملائكته يصلون على النبي" الأحزاب 56؛ وهناك المعنى المحدد لشعيرة إقامة الصلاة: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين"، هود 114، "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا"، الإسراء 78.

وفي سورة النور آية 58 ذكرت صلاة الفجر وصلاة العشاء بالاسم ولم تذكر أي صلاة أخرى، باعتبار النهار هو وقت العمل: "وجعلنا النهار معاشا" النبأ 11. وهناك صلاة قيام الليل المذكورة في القرآن والمقصود فيها الرسول تحديدا: "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من اللذين معك" المزمّل، ثم خففها الله عن الرسول ودعاه لقراءة ما تيسر من القرآن بديلا عنها: " علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من الْقرآن" المزمّل.

أما صلاة الجمعة فهي الصلاة الوحيدة المذكورة في القرآن والتي تقام خلال ساعات النهار: "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضّوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11)"، سورة الجمعة. وتوضح هذه الآية أن ترك العمل لتأدية الصلاة يتم استثنائيا في يوم الجمعة ولا يوجد أي إشارة لمثل ذلك في بقية أيام الأسبوع، وتدل الآية على صعوبة حصوله حتى في هذا اليوم نتيجة رغبة الناس بالتجارة واللهو.

خلال العقود الأخيرة سارت اليهودية والمسيحية باتجاه تعديل مظهر الشعائر الدينية بما يتماشى مع العصر

​​وهناك آيات في القرآن توضح أن الصلاة تتضمن الركوع والسجود، وأنها تشترط الوضوء: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين"، ويقول المقريزي في إمتاع الأسماع كان المسلمون يصلون مرتين في مكة قبل طلوع الشمس وبعد غروبها. وتقول سيرة ابن هشام عن مقاتل بن سليمان: "فرض الله تعالى في أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة والعشي".

اليوم يصلي المسلمون خمس صلوات هي صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، تتضمن 17 ركعة، تعتبر فرضا على كل مسلم، يضاف إليها 12 ركعة أخرى قبل وبعد هذه الصلوات تسمى السنن المؤكدة، وفوقها هناك 8 ركع أخريات تعتبر سننا غير مؤكدة، كذلك هناك صلوات أخرى مثل قيام الليل أو التراويح في رمضان وغيرها.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف جعلت اللغة من عمليات قتل خسيسة "جرائم شرف"

وهناك ترتيب دقيق ومحدد لما يقوله المصلي عند كل مرحلة من الصلاة مثل الفاتحة والتحيات والصلوات الإبراهيمية وكلام معين يقال عند الركوع والسجود والتسليم. وطوال العقود الماضية جرى اعتبار هذا الترتيب الحرفي هو شكل الصلاة الوحيد الذي يتقبله الله، باعتباره حسب ما يقولون قد انتقل من الرسول للصحابة للتابعين جيلا بعد جيل حتى اليوم، رغم أن القرآن لا يوجد فيه ما يدل على ذلك.

فالقرآن الذي يذكر فيه الوضوء بالتسلسل والتفصيل لا يوجد فيه إشارة إلا لصلاة في طرفي النهار وزلفى من الليل، ومن دون أي شرح لكيفية أدائها وعدد ركعات كل منها، وإذا أخذنا في الاعتبار منع الصحابة الأوائل من تدوين الحديث عن الرسول حتى لا تختلط بالقرآن، ندرك أن هذه الأمور قد دخلت الإسلام في مرحلة لاحقة على يد رجال الدين في العصور الوسطى.

خلال العقود الأخيرة سارت اليهودية والمسيحية باتجاه تعديل مظهر الشعائر الدينية بما يتماشى مع العصر من تخفيف عدد الصلوات والتساهل في شروطها ومحدداتها ولم يعد الركوع أو السجود شرطا لصحتها وتم التخلي عن التشدد في الملابس وأصبح بالإمكان الصلاة جلوسا على المقاعد.

وفي نفس الفترة زاد عدد الصلوات الإسلامية وأصبحت أكثر طولا وازداد التدقيق على الجزئيات الثانوية فيها، وأصبحت الصلاة في حالات كثيرة تكرارا آليا لكلمات وحركات لا يتم التمعن في معانيها والغاية منها، وانعكس هذا التشدد على مظهر وملابس الرجال والنساء باتجاه ما يعتقدون أنه مماثلا للعصور السالفة، من إرخاء الذقن وحف الشارب إلى الجلابية والعباءة. وتحولت الصلاة إلى فعل استعراضي أمام المجتمع، مثل محاولة ترك آثار للسجود على الجبين. وكل ذلك لم يكن موجودا قبل بضعة عقود فقط. زاد التركيز على المظاهر والقشور على حساب الجوهر ومقاصد الشريعة، ولكن محاولات إيقاف عجلة الزمن لن يكتب لها النجاح، ولذلك بدأت مؤخرا بعض المحاولات خصوصا عند المسلمين في الغرب لمناقشة بعض هذه المسلمات مثل السماح بالصلاة المختلطة بين الرجال والنساء أو حول إمامة المرأة في الصلاة، وغيرها من المواضيع التي كان التعرض لها صعبا قبل سنوات قليلة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.