هدد ترامب بإعادة فرض العقوبات النفطية والمالية ضد طهران (أ ف ب)
هدد ترامب بإعادة فرض العقوبات النفطية والمالية ضد طهران (أ ف ب)

بقلم جاي سولومون/

في الوقت الذي تستقبل فيه إدارة ترامب وزير خارجية ومستشار أمن قومي جديدين هذا الربيع، يشغل مصير التومان الإيراني حيزا كبيرا من استراتيجية البيت الأبيض حول كيفية التصدي لطهران. وكان الرئيس ترامب قد هدد بإعادة فرض العقوبات النفطية والمالية ضد طهران إذا لم يعزز الدبلوماسيون الأميركيون والأوروبيون شروط الاتفاق النووي الإيراني التاريخي لعام 2015 قبل الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاق مكمل لسد الثغرات التي تشوب الاتفاق النووي في 12 أيار/مايو.

ووفقا لمسؤولين أميركيين سابقين وحاليين، فإن الانخفاض الحاد في قيمة التومان في الأشهر الأخيرة يمنح الولايات المتحدة وحلفائها نفوذا كبيرا على إيران إذا قرر الرئيس ترامب سحب دعمه للاتفاق النووي.

ويذكر أن العملة الإيرانية انخفضت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق مقابل الدولار الأميركي في آذار/مارس، وخسرت أكثر من ثلث قيمتها منذ أن تولى ترامب منصبه العام الماضي. وقد تؤدي العقوبات الدولية الجديدة وغيرها من الخطوات المتخذة لاستهداف الاقتصاد الإيراني إلى انخفاض العملة بصورة أكثر.

وأفاد هؤلاء المسؤولون أيضا بأنه يتعين على إدارة ترامب تحديد أهدافها بشكل واضح حول شن أي حرب مالية جديدة على إيران، وإن كان بعض مساعدي الرئيس يحثونه على البقاء في الاتفاق النووي.

تلوح في أفق طهران مسألة الخلافة السياسية أيضا، إذ يبلغ المرشد الأعلى الثامنة والسبعين من عمره، وقد خضع لعلاج السرطان

​​واقترح ترامب احتمال أن تسعى الولايات المتحدة إلى استخدام ضغوط مالية متزايدة على طهران لإقناعها بالعودة إلى طاولة المفاوضات بحثا عن اتفاق أكثر جاذبية لواشنطن، وهو أمر استبعدته إيران بالفعل.

ويرى مسؤولون أميركيون آخرون أن استهداف شؤون إيران المالية يشكل أداة لاستنزاف البلاد من قدرتها على دفع تكاليف عملياتها العسكرية في الخارج، لا سيما في سورية ولبنان واليمن.

اقرأ للكاتب أيضا: على محادثات ترامب مع كوريا الشمالية أن تعالج مسألة الانتشار النووي في سورية وإيران

وتجدر الإشارة إلى أن ترقية المعارضين الكبيرين لإيران ـ وهما مستشار الأمن القومي الجديد جون بولتون ووزير الخارجية المكلف مايك بومبيو ـ في الشهر الماضي ستزيد من إمكانية وضع استراتيجية أكثر طموحا تهدف إلى تغيير النظام. فقد أعرب كل من الرجلين في الماضي عن أهمية استنزاف خزائن النظام لتشجيع التغيير السياسي. وصرح بولتون أمام تجمع لإحدى الجماعات الإيرانية المعارضة في الصيف الماضي أنه "يجب ان تتمثل السياسة المعلنة للولايات المتحدة في الإطاحة بنظام الملالي في طهران". وأضاف "لن يتغير سلوك النظام وأهدافه، وبالتالي فإن الحل الوحيد هو تغيير النظام نفسه".

استهداف الاقتصاد الإيراني، ولكن إلى أي حد؟

لم تسر الإدارات الأميركية المتعاقبة ومسؤولو وزارة الخزانة على خط واحد فيما يتعلق بالهدف النهائي من جهودهم التي استمرت لعقود طويلة حول الضغط على الاقتصاد الإيراني. فقد تحدث أعضاء إدارة جورج بوش الابن عن خنق طهران اقتصاديا، الأمر الذي سيؤدي إلى تدافع شديد نحو البنوك الإيرانية لسحب الودائع المصرفية والتومان، وبالتالي زعزعة استقرار النظام. ووصفوا أعمال إيران غير المشروعة ودعمها للإرهاب الدولي بأنها تشكل تهديدا للنظام المالي العالمي. ونتيجة لذلك، قام مسؤولو وزارة الخزانة بجولة عالمية وحذروا المصارف والحكومات الأجنبية من القيام بأي تبادل تجاري مع إيران، وإلا فسيواجهون خطر التواطؤ في الأنشطة الإجرامية الدولية.

وكان لهذه الاستراتيجية الأميركية تأثيرا مهلكا على الاقتصاد الإيراني. فخلال الولاية الثانية للرئيس باراك أوباما، خسر التومان نحو ثلثي قيمته، وتم تخفيض مبيعات طهران من النفط إلى أقل من النصف، وانكمش اقتصاد البلاد.

لكن الصفقة النووية التي تم التوصل إليها عام 2015 دفعت واشنطن إلى المسار المعاكس تماما. فقد أكد مسؤولون كبار في إدارة أوباما أن الهدف النهائي للحرب المالية الأميركية هو الحصول على تنازلات إيرانية فيما يخص برنامجها النووي، وليس تغيير النظام.

تنفق طهران مليارات الدولارات في عملياتها العسكرية في الخارج، ولا سيما في سورية

​​وانحسرت الجهود الرامية إلى تثبيط الاستثمار في إيران، على الرغم من استمرار دور الجمهورية الإسلامية في تمويل الإرهاب والمشاركة في الأنشطة الأخرى غير المشروعة.

وفي هذا الصدد، قال وزير الخارجية السابق جون كيري لقناة "سي أن أن" في تموز/يوليو 2015 إن "العقوبات حثت الإيرانيين على المجيء إلى طاولة المفاوضات". وأضاف "لقد قامت إيران تماما بكل ما هدف إليه الجميع عند وضعهم العقوبات".

ولم يتضح حتى الآن الهدف النهائي لإدارة ترامب حول سياسة العقوبات الخاصة بإيران، لا سيما إذا انسحب الرئيس الأميركي من الاتفاق النووي في أيار/مايو. فمن الناحية النظرية، يمكن أن يسعى إلى إعادة فرض جميع العقوبات الاقتصادية المعطلة التي تم إلغاؤها رسميا عام 2016، والتي شملت عقوبات على البنك المركزي الإيراني وفرض حظر على الصادرات النفطية للجمهورية الإسلامية.

وتستطيع وزارة الخزانة الأميركية أيضا استئناف حملة التشهير التي استخدمتها بفعالية لمنع الاستثمارات في إيران. واقترح مسؤولون كبار في إدارة ترامب إمكانية السير في هذا الاتجاه أيضا.

وفي هذا الصدد، قالت وكيلة وزارة الخزانة والمسؤولة في إدارة ترامب عن العقوبات المفروضة على إيران سيغال ماندلبر للكونغرس في كانون الثاني/يناير "لقد أوضحنا في مشاركاتنا، سواء هنا في الولايات المتحدة أم في الخارج، أن الشركات التي تمارس أعمالا تجارية في إيران ستواجه مخاطر كبيرة".

العملة الإيرانية في هبوط حاد

على الرغم من الاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية، لا يزال الاقتصاد الإيراني ضعيفا للغاية، في رأي المسؤولين الأميركيين والمحللين الإيرانيين. ففي 28 آذار/مارس، انخفض سعر صرف التومان الإيراني إلى أدنى مستوياته على الإطلاق ليصل إلى 52 ألفا مقابل الدولار الأميركي وانخفض بنسبة 37 في المئة خلال العام الماضي.

ووفقا لهؤلاء المسؤولين والمحللين، يندرج حديث ترامب القاسي عن إيران ضمن الأسباب المؤدية لذلك. ولكن الأهم من ذلك هو حالة النظام المصرفي في البلاد، إذ يقول بعض المحللين إن ما يصل إلى عشرين مؤسسة مالية كبرى في إيران قد أعلنت إفلاسها في الأشهر الأخيرة. كما أن عمليات إغلاق شركات الاستثمار الخاص، التي تفتقر إلى تأمين المودعين، ساهمت في إطلاق شرارة الاحتجاجات الوطنية التي اجتاحت البلاد في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

ليس من الواضح ما إذا كان جون بولتون ومايك بومبيو سيلتزمان بمواقفهما المتشددة ويسعيان إلى استغلال الانقسامات في إيران

​​وفي ظل جميع الاتجاهات التراجعية، توقع "صندوق النقد الدولي" في تقريره من مارس/آذار أن الاقتصاد الإيراني قد ينمو بنسبة 4 في المئة في السنة المالية المنتهية في 20 آذار/مارس 2019. ويمكن أن يساعد انخفاض التومان في جعل الصادرات الإيرانية أكثر تنافسية. ومع ذلك، خلص "صندوق النقد الدولي" إلى أن ديون الحكومة الإيرانية تضخمت إلى حوالي 50 في المئة من الناتج الاقتصادي للبلاد، وأن أكبر ثلاثة صناديق تقاعد في البلاد أصبحت تفتقر إلى السيولة. وذكر التقرير أن "المدراء أشاروا إلى المخاطر الجمة التي يشكلها ضعف القطاع المصرفي والاختناقات الهيكلية والمخاطر المتزايدة لعدم اليقين".

الخاتمة

تواجه إيران في عام 2018 مجموعة من التهديدات السياسية والاقتصادية والبيئية التي ربما لم يسبق لها مثيل منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية قبل نحو أربعين عاما. فقد استمرت الاضطرابات التي بدأت في العام الماضي على مستويات متفاوتة، وشملت احتجاجات من قبل النساء اللواتي يسعين إلى مزيد من المساواة بين الجنسين، والنقابات العمالية التي أزعجها الركود في الأجور والتضخم.

كما أدى نقص المياه والزلازل التي ضربت إيران إلى إرهاق قدرات حكومة الرئيس حسن روحاني. فضلا عن ذلك، تنفق طهران مليارات الدولارات في عملياتها العسكرية في الخارج، ولا سيما في سورية، حيث تقاتل منذ سبع سنوات لدعم نظام الرئيس بشار الأسد.

اقرأ للكاتب أيضا: المحادثات النووية السعودية: المخاطر والقيود

وتلوح في أفق طهران مسألة الخلافة السياسية أيضا، إذ يبلغ المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الثامنة والسبعين من عمره، وقد خضع لعلاج السرطان في السنوات الأخيرة. وهناك دلائل متزايدة على أن القادة العسكريين والسياسيين بدأوا يتنافسون على السلطة تحسبا لعدم استمراره في الحكم.

ومن بين السيناريوهات المحتملة، يمكن لوحدة النخبة العسكرية الإيرانية، أي "الحرس الثوري الإسلامي"، أن تسعى إلى إقامة حكم عسكري. وفي هذا الإطار، كتب الخبير في الشؤون الإيرانية علي رضا نادر في شباط/فبراير: "تشير انتفاضة عام 2017، وتقسيمات النخبة الداخلية، وعدم قدرة خامنئي على الحفاظ على نظام سياسي مستقر، إلى أن زوال النظام، إذا حدث، يجب ألا يكون مفاجئا".

ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان جون بولتون ومايك بومبيو سيلتزمان بمواقفهما المتشددة ويسعيان إلى استغلال هذه الانقسامات في إيران عند توليهما منصبهما. ويمكنهما القيام بذلك إما عن طريق تصعيد الحرب المالية على إيران، أو السعي لتحدي طهران على جبهات أخرى.

ومن جانبه، لم يضع الرئيس ترامب بعد رؤية متسقة حول السياسة تجاه إيران. ففي سورية، عملت القوات الأميركية كحصن منيع ضد المقاتلين الإيرانيين والشيعة الذين يعملون على ترسيخ سيطرة نظام الأسد على السلطة.

لكن في الشهر الماضي، أعلن ترامب عزمه على إعادة القوات الأميركية وإخراجها من سورية. وقال في اجتماع سياسي حاشد يوم 30 آذار/مارس، "سنخرج من سورية قريبا جدا. فلندع الآخرين يتولون أمرها الآن".

جاي سولومون، زميل زائر مميز في "زمالة سيغال" في معهد واشنطن ومؤلف "حروب إيران: ألعاب التجسس، معارك المصارف، والاتفاقات السرية التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط".

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟