خلال اعتصام أمام السفارة الروسية في العاصمة الإندونسية عام 2016 (أرشيف)
خلال اعتصام أمام السفارة الروسية في العاصمة الإندونسية عام 2016 (أرشيف)

بقلم حسين عبد الحسين/

للمرة الثالثة في خمس سنوات، وللمرة الثانية منذ انضمام الحكومة السورية إلى "منظمة حظر أسلحة الدمار الشامل" وإعلان دمشق تسليم مخزونها من هذه الأسلحة، قصفت قوات الرئيس السوري بشار الأسد المدنيين الساكنين في مناطق معارضيه بأسلحة كيماوية محظورة دوليا، ما يستوجب عقابا دوليا له على شكل ضربة عسكرية لقواته.

على أن الأمر يتعدى الأسد وسورية.

من يعرف تاريخ النظام العالمي، في مرحلته الأولى الفاشلة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم بعد إعادة تأهليه بصورة أفضل مع نهاية الحرب العالمية الثانية، يدرك أن العالم يغرق في صراع بين نموذجي حكم: الديموقراطية والديكتاتورية.

لا رفاه ولا استقرار في أي بقعة من العالم من دون تقويض كل الطغاة

​​ديموقراطيو العالم بنوا نظاما عالميا يشبه دولهم، يقوم على احترام حقوق الإنسان، والشفافية، واختيار الشعوب حكوماتها. الديكتاتوريات، بدورها، تسعى إلى تعميم نظام عالمي يشبهها أيضا: ظاهره ديموقراطي وحضاري، وباطنه بربري وهمجي ودموي، يحكم فيه الأقوياء الضعفاء ويسلبونهم قوتهم.

الحربان الكونيتان علمتا العالم الديموقراطي عددا من الدروس، أولها أن لا تسويات مع الطغاة، وأن الطغاة يسعون في كل لحظة لامتحان النظام الدولي، وامتحان صبر الديموقراطيات ونيتها حماية هذا النظام.

اقرأ للكاتب أيضا: من أحرق الشرق الأوسط؟

مثلا، احتل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجزاء من جورجيا، وعندما تساهل العالم معه، احتل شبه جزيرة القرم الأوكرانية، ثم راح يتدخل في انتخابات الدول المجاورة له، وتمويل حملات تهدف إلى إثارة القلاقل في الديموقراطيات الغربية وتقليص ثقة المواطنين في انتخاباتهم وأنظمتهم.

وبين اجتياحه لجيرانه، ومحاولاته تقويض الديموقراطيات، اغتال بوتين معارضيه المقيمين في أوروبا باستخدامه مواد محظورة دوليا، مثل البولونيوم وغاز الأعصاب، وعطل أي عقاب دولي ممكن لقصف الأسد السوريين بالغازات السامة.

ومثل بوتين، يمتحن "مرشد الثورة" الإيراني علي خامنئي صبر العالم يوميا. يبني منشأة نووية سرية محصنة في فوردو، ثم يقمع المتظاهرين الإيرانيين المطالبين بالحرية بالرصاص الحي، ويغتال معارضيه في عواصم العالم، حتى الديموقراطية منها، ويعلن نية بلاده القضاء على دولة عضو في الأمم المتحدة.

​​امتحان صبر العالم يمارسه الطغاة حتى في الدول التي تنعدم أهميتها الاستراتيجية، مثل الأسد، الذي يمتحن صبر العالم عند كل منعطف: يضرب شعبه بأسلحة كيماوية على نطاق محدود، وينتظر ردود الفعل الدولية ليكرر فعلته. وفي كل مرة يشعر فيها أن العالم لا يراقبه، يكرر هجماته.

بوتين وخامنئي لا يدعمان الأسد لأهمية سورية، بل لاعتقادهما أن في مصلحة كل منهما انتشار حكومات الطغيان على حساب الديموقراطيات. الديموقراطيات تفسد المحكومين، وتفتح عيونهم وعقولهم حول حقوقهم. لذا، تقفل روسيا وإيران والصين وباقي دول الاستبداد شبكات الانترنت، وتراقب مواطنيها، وتحصي عليهم أنفاسهم. التفكير ممنوع في روسيا وسورية وإيران والصين وأمثالها، فمن نتائج التفكير مطالبة الناس بحقوقهم وحرياتهم. ومن نتائج التفكير أيضا، اقتصادات مزدهرة مبنية على المبادرات الفردية والابتكارات.

آن الأوان لطي صفحة الأسد، وتقليص إمكانياته حتى يكفي السوريين والعالم شره

​​على أنه بسبب تجدد حكامها وحكومتها، يحدث أن تنسى الديموقراطيات ـ وخصوصا الولايات المتحدة ـ الدروس التي تعلمتها من الحربين الكونيتين، ومنها أن أنصاف الحلول لا تنفع مع الطغاة، وأن احتواء الطغيان أمر شبه مستحيل، وأن الطاغية الوحيد الممكن التعايش معه هو الطاغية المحاصر الضعيف، على شاكلة روسيا السوفياتية، وعراق صدام حسين، وكوريا الشمالية. هؤلاء طغاة كفوا العالم شرهم، لا لصحوة ضمائرهم، بل لعجزهم عن ممارسة أي نفوذ خارج حدود مملكتهم القاحلة المظلمة.

اقرأ للكاتب أيضا: فرصة أم لعنة؟

ضرب الأسد عسكريا لا يتعلق بالشأن السوري، ولا بشخص "سيادة الرئيس" الأسد، بل هو تأكيد التزام الديموقراطيات بحماية النظام العالمي من همجية الطغاة، داخل سورية وخارجها.

​​وضرب الأسد لن يكون مجحفا بحقه، فهو سليل عائلة أقامت حكمها على زعزعة الأمن والاستقرار لابتزاز العالم، فقتلت مسيحيي لبنان باسم العروبة والإسلام، ثم قتلت مسلمي سورية باسم المسيحيين والأقليات. وقتل آل الأسد الفلسطينيين بذريعة تحرير فلسطين، فيما حمى آل الأسد الإسرائيليين في الجولان بقتالهم في جنوب لبنان، وانضم الأسد للحرب على الإرهاب باستضافة وإرسال الإرهابيين من أصقاع العالم لقتل الأميركيين والعراقيين في العراق. لم يلتزم آل الأسد قانونا دوليا واحدا، بل اخترقوا القوانين، ثم ابتزوا ديموقراطيات العالم بحجة المعاونة في حماية هذه القوانين وحماية النظام العالمي.

لقد آن الأوان لطي صفحة الأسد، وتقليص إمكانياته حتى يكفي السوريين والعالم شره بانشغاله عنهم بضعفه وعجزه. تدمير الأسد وتحويله إلى شخصية أكثر هامشية يمكنه أن يتحول إلى عبرة لباقي طغاة العالم، خصوصا في موسكو وطهران، مفادها أن الديموقراطيات جدية في الدفاع عن النظام العالمي القائم.

على أن رسالة الديموقراطيات قد لا تكفي لثني الطغاة عن مواصلة سعيهم لتقويض النظام العالمي، وهو ما يتطلب مواجهة عالمية شاملة ضد الديكتاتوريات، على غرار مواجهة النازية في الحرب العالمية الثانية، والشيوعية في الحرب الباردة، والإرهاب في الحرب الأممية ضده.

كلها منظومات هددت العالم بالأمس، وبعضها ما يزال يهدده اليوم، والدرس منها واحد، أن لا رفاه ولا استقرار في أي بقعة من العالم من دون تقويض كل الطغاة، وكف أيديهم عن شعوبهم وعن شعوب المعمورة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A member of the Russian military police patrols near the village of Tal Krum in the Syrian Golan Heights on August 14, 2018. …

في أوائل شهر مايو الماضي دفع نظام الأسد بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو مدينة درعا مع أنباء متواترة عن اقتراب شن عملية عسكرية في المحافظة بدعم إيراني. وردا على ذلك، شهدت مدينة درعا انطلاق انتفاضة جديدة حيث خرج العشرات من الأهالي للاحتجاج على تحشيد قوات النظام السوري على أطرافها. وتشير الأحداث إلى أن المليشيات الإيرانية والأخرى الطائفية التي تتبعها، ستواجه بمقاومة عنيفة، داعية "الضامن الروسي" إلى تحمل مسؤولياته.

ويحدث هذا التصعيد قبيل أن تكمل اتفاقية المحافظة الجنوبية عامها الثاني في ظل اتفاق "التسوية"، الذي جرى توقيعها بين القوى المحلية وقاعدة "حميميم" الروسية، في شهر يونيو عام 2018، بهدف إيقاف العمليات العسكرية التي قادتها موسكو على المحافظة السورية جنوبا، واستمرت لأكثر من شهر ونصف الشهر.

ويذكر أن قوات النظام السوري مدعومة بالقوات الروسية وبموافقة أميركية قد تمكنت من إنهاء العمليات القتالية في كامل الجنوب السوري يوم 31 يوليو 2018.

وبرعاية وضمانه روسية رسمية، توصل الأهالي والنظام إلى اتفاق يحمل الكثير من البنود منها إطلاق سراح المعتقلين وتسوية أوضاع المطلوبين لأجهزة الأمن وتسهيل عودة النازحين واللاجئين والعودة التدريجية للحياة ومؤسسات الحكومة المدنية من مدارس ومستشفيات وخدمات وبشكل فيه شيء من اللامركزية. كما أرسلت روسيا العشرات من الشرطة العسكرية كنقاط مراقبة لضمان تنفيذ الاتفاق.

يبدو أن الحرب التي قد يشنها النظام ضد أهالي درعا قادمة وهي ضرورة للنظام وللقوى الأخرى على الساحة السورية

والآن بعد عامين من الاتفاق، يسعى النظام إلى التنصل من جميع الاتفاقيات التي تتعلق بجنوب سوريا ويحاول استعادة محافظة درعا بالقوة. ولم يقدم أي بادرة حسن نية لأهالي الجنوب. لم يبن مدرسة أو يوصل خطوط الكهرباء أو يفرج عن المعتقلين أو يطمئن النازحين إلى إمكانية عودتهم بسلامة، بل على العكس عمل على تجاهل كل ما تم الاتفاق عليه، وأرسل إشارات واضحة للسكان المحليين وأصبح من الأخبار اليومية العادية سماع عملية اغتيال بين قادة المعارضة وممثلي النظام وخطف متبادل لإطلاق سراح معتقلين وفلتان أمنى وأصبحت قوات النظام عصابات تعمل وتنافس بعضها ضد المدنيين.

بصرف النظر عن الفشل التام في الالتزام باتفاقية 2018، ترجع الحملة العسكرية التي يشنها النظام السوري على مدينة درعا إلى عدة أسباب منها خشية النظام من أن تصبح درعا نواة لاستمرار الثورة السورية التي بدأت في عام 2011، ورغبته في استغلال معركة درعا كورقة لكسب الوقت بعد إخفاقه في الملف الاقتصادي.

يخشى أيضا النظام من أهل محافظة درعا كون المجتمع متماسك وعنيد ولديه نزعة استقلالية عن النظام وظهر فيه قيادات جديدة محلية لها تأثير واحترام ومختلفة جذريا عن النماذج العسكرية التي كانت موجودة في درعا قبل استيلاء النظام عليها. 

ومن ثم، يمكن أن تكون درعا نواة لاستمرار الثورة ضد النظام وهذا ما يشكل تهديدا جديا لروسيا وإيران والنظام إذا ما استمرت هذه الحركة. لذلك، اعتبر النظام أن مدة الاتفاق الزمنية انتهت وأن كل درعا يجب أن تعود إلى سلطة النظام بدون شروط وبدون أي اعتبار للضمانات الروسية.

ومع تفشى وباء كورونا وضعف الاقتصاد وظهور متطلبات اجتماعية واقتصادية وخدماتية ما بعد "الانتصار" والتي لا يستطيع النظام دفعها ولا يريد مناقشتها، فإن معركة في درعا بالنسبة للنظام ستكون ضرورة لكسب الوقت وتأجيل مستحقات الانتصار للطبقة الموالية للنظام وسحب النظام للجيش الذي أصبح عاطلا عن العمل من إدلب إلى درعا. ومن ثم، أدرك السكان المحليون أن النظام لم ولن يتغير وقاموا بردعه وإيقاف تصرفاته غير القانونية وغير أخلاقية وأحيانا بقوة السلاح.

لعبت روسيا، التي لم تستطع الحفاظ على تعهداتها بما في ذلك الاتفاق الذي حدث بين السكان المحليين والنظام تحت رعايتها، دورا كبيرا في تحفيز النظام السوري على مهاجمة درعا، فبعد فشل جميع المفاوضات بين الطرفين، ظهر الروس بموقف المتفرج الذي لا يعرف ماذا يفعل ولا كيف يحمي تعهداته، لكنهم عرضوا على أهل درعا الانضمام للمجموعات الروسية المسلحة والانتقال إلى ليبيا للقتال هناك أو للانتقال إلى منطقة السويداء لقتال الدواعش هناك.

يخشى النظام من أهل محافظة درعا كون المجتمع متماسك وعنيد ولديه نزعة استقلالية

من دون أي التزام واضح بالاتفاقية، يعتقد النظام أن الاتفاقية التي توسطت فيها روسيا قد انتهت صلاحيتها معتبرا أن مدة الاتفاق الزمنية انتهت وأن كل درعا يجب أن تعود إلى سلطة النظام بدون شروط وبدون تدخل روسيا إلا لمساندته عسكريا. 

الجانب الروسي دائما ما يوازن تصرفاته بين دعم النظام والمحاولة دون الغرق في المستنقع السوري. وهذا دائما يعطي النظام مساحة أوسع للعمل ضد ما يريده الروس، الذين لا يهتمون كثيرا بما يقوم به النظام داخليا خصوصا إذا كان هذ التدخل ولا يؤثر على الاستراتيجية الروسية تجاه سوريا ومصالحها.

تمثل منطقة الجنوب تمثل أهمية استراتيجية كبرى للحليف الإيراني الذي يسعى لإيجاد موطئ قدم له بالقرب من الحدود مع إسرائيل وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط في حال تعرضها لحملة عسكرية أميركية إسرائيلية.

تصرفت إيران أيضا كلاعب رئيسي في تحفيز النظام السوري على مهاجمة درعا، فالموقف الإيراني ينطلق من أن اتفاق أستانا يمثل حجر الزاوية للتعاون الروسي الإيراني التركي لإنهاء الأزمة السورية بطريقة تحفظ مصالح هذه الدول. ومن هذا المنطلق فإن روسيا وافقت على إعطاء تركيا ضمانات على الأرض لضمان أمنها وتحقيق أهدافها في سوريا في منطقتي شرق الفرات وإدلب، وبالتالي ترى إيران أن على روسيا أن تعطيها نفس الحقوق الأمنية والاستراتيجية في المنطقة الجنوبية في سوريا (جنوب دمشق حتى حدود مع إسرائيل) وذلك لمواجهة أي تصعيد أميركي إسرائيلي عسكري ضد إيران ولتقوية موقف إيران في أي محادثات قادمة بخصوص الملفات العالقة مع الغرب.

وكلما زادت الضغوط الدولية على إيران واستمرت الضربات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية داخل سوريا، كلما ازداد إصرار إيران على تكثيف وجودها على الحدود مع إسرائيل وبالتالي إلغاء الاتفاق الذي رعته روسيا بين السكان المحليين والنظام وضرورة وقف ما تعتبره إيران حالة الفوضى في الجنوب. ودائما ما يبرر النظام السوري تصرفات إيران بادعائه أنها تحارب الإرهاب.

تمثل منطقة الجنوب أهمية استراتيجية كبرى لإيران التي يسعى لإيجاد موطئ قدم لها بالقرب من الحدود مع إسرائيل وهو ما يمنحها ورقة ضغط في حال تعرضها لحملة عسكرية أميركية إسرائيلية

بالنسبة لإيران، فهي لم تضيع أي وقت لبناء قوات حليفة لها تحت عدة مسميات ووسعت قواعدها العسكرية في هذه المنطقة القريبة من إسرائيل ولم تبال أو تهتم بما يقولوه أو يقوم به الروس من اتفاقات مع الإسرائيليين والأميركيين، وذلك وفقا لمبدأ "إذا أنتم لا تستطيعون حمايتنا من الإسرائيليين فاتركونا نحاربهم وحدنا". 

ولهذا السبب قام الإيرانيون بإنشاء اللواء العسكري الشيعي 313 برئاسة إبراهيم مرجي ومقره في "أزرع" والذي يتألف مما يقارب 1200 مقاتل، ومرتبط بالحرس الثوري الإيراني ومهمته حماية مصالح إيران بالمنطقة بما فيها مخازن الأسلحة الاستراتيجية في المنطقة الجنوبية. 

ومن ثم، فإن التهدئة في الجنوب لا تصب في مصلحة إيران التي تسعى إلى بسط سيطرتها على الحدود الجنوبية لتهديد إسرائيل والاحتفاظ بورقة ضغط تساهم في تخفيف الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض عليها من قبل الغرب.

في النهاية، يبدو أن الحرب التي قد يشنها النظام ضد أهالي درعا قادمة وهي ضرورة للنظام وللقوى الأخرى على الساحة السورية، وكل له أسبابه المختلفة وهذا الاختلاف هو الذي سيحدد المدى الذي ستأخذه شكل هذه الحرب الجديدة ومداها الذي قد يكون محدودا لمنع حدوث حركة نزوح جديد للأردن تُظهر فشل الروس والنظام وإيران في كل ما ادعوه من سيطرة على درعا.

وفى ظل تفشى وباء كورونا يتوجب على جميع الأطراف الفاعلة في المجال السوري أن تتوقف عن لغة الحرب والالتزام بتعهداتهم المتعلقة بالجنوب السوري، فالتصعيد المستمر ضد المناطق الجنوبية سينتج عنه تهديدا لأمن الدول المجاورة خاصة الأردن وإسرائيل، والتي قد تتدخل لحماية أمنها وحدودها وهو ما قد يعيد الأزمة السورية إلى نقطة الصفر.

المصدر: منتدى فكرة