ترامب أقال بولتون في سبتمبر 2019 بعد عام ونصف تقريبا من شغله منصب مستشار للأمن القومي. وتحدثت الأنباء عن أن بولتون كان يتصادم مع مسؤولين آخرين في البيت الأبيض فضلا عن أن اختلافه مع ترامب حول سياسات خارجية رئيسية بخصوص إيران وكوريا الشمالية قبيل رحيله
بالنسبة لترامب وبولتون فإن تثبيت القوة الأميركية ومنع انتشار الأسلحة هو الأولوية (أ ف ب)

بقلم جويس كرم/

لم يترك الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجالا كبيرا للشك بأنه على شفير توجيه ضربات عسكرية في سورية، وتحدث بلغة "دفع الثمن" و"خيارات عسكرية كثيرة" و"المحاسبة" منذ يوم الأحد، أي بعد ساعات من وقوع اعتداء دوما والذي راح ضحيته 48 شخصا وأوقع مئات الجرحى بما يعتقد أنه سلاح كيماوي بحسب الأدلة الأميركية والفرنسية من الاعتداء والتي تعمل على تحديد الغاز المستخدم والجهة المتورطة.

"الولايات المتحدة سترد" هكذا قالت سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي يوم الاثنين بغض النظر عما قد تقوم أو لا تقوم به الأمم المتحدة، في وقت تحدث ترامب عن تحرك يتم إعلانه بعد وليس قبل حدوثه.

 طبعا وفي حال استنباط معجزة في مجلس الأمن الدولي، مثل قرار فتح جميع مخازن النظام السوري للتفتيش والمراقبة الدولية فقد يغير ذلك من معايير وحجم الرد ومن يشارك به.

لا تهدف الضربة تغيير المعادلة العسكرية على الأرض بل معاقبة الأسد

​​لكن على الأرجح ألا تنتظر واشنطن ما يجري في نيويورك، والتحرك مع فرنسا وربما بريطانيا لمعاقبة الجهات التي استخدمت الكيماوي، مع حصر أي تحرك بهذا الهدف وليس بتغيير المعادلة العسكرية على الأرض في الحرب السورية.

اقرأ للكاتبة أيضا: ترامب وبازار "الانسحاب" من سورية

ويمكن القول إن هناك اليوم ثلاثة معايير موضوعة للرد الأميركي وحدود أي ضربات عسكرية لترامب في سورية:

أولا، سبب وهدف الرد هو السلاح الكيماوي والتحرك لفرض عرف دولي في الحروب يمنع استخدام هذا السلاح. فمنذ ضربة الشعيرات العام الفائت استخدم الأسد على الأقل ست مرات هذا السلاح، الذي يوفر عليه إدخال قواته ويتناسب مع هدف سياسة التهجير القسري في الحرب. بالنسبة لترامب، هذا يعني أن ضربة الشعيرات لم تنجح في ردع النظام الوحيد في العالم اليوم الذي يستخدم السلاح الكيماوي بهذا الشكل؛ وتتمسك الإدارة بحاجة دولية لترسيخ هذا العرف.

فالردع ضد استخدام السلاح الكيماوي هو العامل الوحيد لتحريك البوارج الأميركية باتجاه سورية في عهد باراك أوباما في 2013، ولقصف واشنطن قاعدة عسكرية لنظام الأسد في 2017 وهو السبب الوحيد لفرضية التحرك اليوم.

سبب وهدف الرد هو السلاح الكيماوي والتحرك لفرض عرف دولي في الحروب يمنع استخدام هذا السلاح

​​ورسم الخط الأحمر للسلاح الكيماوي ليس من اختراع أوباما أو ترامب أو إيمانويل ماكرون أو تيريزا ماي، بل هو سقف متعارف عليه دوليا ولم يعد يخرقه اليوم وبالشكل العسكري سوى نظام الأسد وفي الاغتيالات السياسية لكل من كوريا الشمالية وروسيا كما حصل عام 2017 في كوالالمبور ومنذ أسابيع في سالزبري.

ومن هنا، فإن الالتقاء الأميركي ـ الفرنسي ـ البريطاني على رسم الخط الأحمر لمنع استخدام هذا السلاح يتجاوز أي دوافع لتحرك إنساني في سورية، علما أن الغالبية الساحقة من الضحايا لم تسقط بالسلاح الكيماوي.

اقرأ للكاتبة أيضا: تصعيد أميركي مرتقب ضد إيران

المعيار الثاني في أي ضربة أميركية أو أميركية ـ فرنسية، هو أنها لا تهدف إلى تغيير المعادلة العسكرية على الأرض بل معاقبة الأسد. ويقول السفير الأميركي الأخير لدى سورية روبرت فورد لصحيفة "ذي ناشونال" إن المس بموقع الأسد في السلطة هو خط أحمر لروسيا كما استخدام الكيماوي هو خط أحمر لأميركا.

وبالنظر إلى حسابات ترامب ومستشار الأمن القومي الجديد جون بولتون، فتثبيت القوة الأميركية ومنع انتشار الأسلحة يأتي قبل معادلات قلب موازين الحرب السورية. من هنا يتوقع أن تكون أي ضربات على سورية أوسع بنطاقها من تجربة الشعيرات، وقد تتكرر، إنما لا تهدف لإسقاط النظام، أو تغيير حسابات الحرب مع غياب استراتيجية أميركية لذلك.

المعيار الثالث هو توجيه صفعة لروسيا التي تتمادى حتى بنظر ترامب في خروقاتها أوروبيا واستخباراتيا، ولم تعن ضماناتها الكثير لجهة التخلص من ترسانة الأسد الكيماوية ومنعه من استخدام هذا السلاح منذ 2013. وكان لافتا ذكر المسؤولين الأميركيين روسيا في جميع بياناتهم حول دوما في الأيام الأخيرة، وبعد عقوبات أميركية يوم الجمعة الفائت طالت الدائرة المغلقة حول فلاديمير بوتين بينهم صهره كيريل شامالوف.

هذه هي المعايير التي تتحكم بحسابات ترامب في أي قرار وشيك حول سورية، وسيكون من شأن هذا القرار تعميق الفجوة بين موسكو وواشنطن، ومعاقبة الأسد من دون إسقاطه، وإعادة سورية لساعات للجدل الأميركي الداخلي من دون إيقاف الحرب أو تقديم استراتيجية واضحة لذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.