في الطريق لمغادرة الغوطة
في الطريق لمغادرة الغوطة

بقلم حازم الأمين/

الضربة لن تكون قاضية وهذا يكفي لأن يشعر الرئيس السوري بشار الأسد أنه ناج، وسيعيد الكرة حال ما يشعر أن الظروف تتيح له تكرارها. هذه لعبة صار الرئيس يجيدها. وللمتسائلين عن جدوى قصفه السوريين بالكيمياوي طالما أن لا قيمة ميدانية لهذا السلاح، أن يعرفوا أن لهذا السلاح قيمة في علاقة الرئيس بالسوريين. فبشار الأسد لن يتمكن من حكمهم إلا إذا لقنهم درسا كيمياويا. هذا ما يعتقده الرئيس، والأرجح أن هذا ما يعتقده حلفاؤه.

قبل الكيماوي الأخير بلحظات كانت مؤشرات كثيرة ذاهبة إلى أن ثمة فرصة تلوح للنظام. فتوحات ميدانية، وقمة الحلفاء في أنقرة، والكلام السعودي، وإعلان دونالد ترامب نيته الانسحاب من سورية. وفجأة سقط الكلور على رؤوس أهل دوما. والكلور مهمته القتل، ولا شيء غير القتل. "الانتصارات" مشتغلة أصلا، وخمسون قتيلا إضافيا لن يضاعفوا منها. إذا للكلور وظيفة أخرى طالما أن الرئيس في وضع غير سيئ!

سينجو الأسد ليس لأنه أدب السوريين، إنما لأن العالم عالق في مأزق أخلاقي هائل

​​على السوريين العائدين إلى "حضن الوطن" أن يعوا حقيقة إلى أين هم عائدون. أن يتذكروا أن العقاب الذي عاشوا في ظله على مدى خمسين عاما هو الآن مضاعف ومشحون برغبة في الانتقام. لا يمكن للنظام أن يستعيد "عافيته" من دون أن يكون حاكما في ظل هذه المعادلة.

الانتصارات الميدانية لا تعني شيئا من دون هذه الحقيقة، والنظام لن يتمكن من معاودة فرض سلطانه من دون شعب محكوم بحقيقة الكيمياوي. ليست هذه المعادلة ترميزا لعلاقة عنيفة بين نظام وبين مواطنيه. إنها الحقيقة كما هي. كل من يشعر بكرامته في ظل هذا النظام سيمثل تهديدا له. كل من يعتقد أن تسوية تقتضي عودته إلى "حضن الوطن" سيكون واهما وسيموت قريبا.

اقرأ للكاتب أيضا: وجه الشبه بيننا وبين تخلفنا

هذه هي الوظيفة الفعلية لقصف دوما، المهزومة أصلا، بالكيمياوي. والنظام ليس مخطئا بسلوكه هذا الطريق، فهو يعرف تماما حجم اهترائه ويدرك حقيقة عجزه عن استئناف حكمه بعد أن أهداه الحلفاء انتصارا على شعبه. الآن جاء دوره لكي يديم الانتصار. المهمة ليست سهلة، والأرجح أنه بصدد تكرار تجربة حماه في العام 1982. ففي حينها وفي أعقاب نجاحه في انتزاع المدينة من مسلحي الإخوان المسلمين، قرر تأديب أهلها. أدرك في حينها أن حكم سورية يقتضي درسا يجب لا ينساه أحد.

أنجز انتصاره العسكري على المسلحين وأقدم بعدها على قتل ما يزيد عن عشرين ألفا من أهل المدينة. وساد صمت هائل تمكن خلاله من معاودة حكم سورية لأكثر من ثلاثين عاما. وفي حينها لم يسأل أحد أحدا لماذا فعلها طالما أنه انتصر!

كل سوري يشعر بكرامته في ظل هذا النظام سيمثل تهديدا له

​​اليوم أيضا تصلح هذه الإجابة عن سؤال الكلور في دوما. لقد فعلها في دوما لكي يشعر أهل دمشق أنه سيعاود حكم المدينة وفق المنطق الذي عاود فيه حكم حماه في العام 1982. وهو أجرى حساباته وخلص إلى أن العالم بعيد عن محاسبته، وهو إذا أقدم على هذه المحاسبة فلن يطيح به. فمهمة القضاء على النظام في سورية قد تتسبب بحرب عالمية. الأرجح أنه سأل حلفاءه الروس والإيرانيين، والأرجح أنهم لم يمانعوا. لكن القرار صادر عن علاقة بين هذا النظام وبين السوريين عموما. كيمياء العلاقة تفترض هذه الفعلة، ومستقبل النظام يستحق المغامرة بها.

اقرأ للكاتب أيضا: مثلث الردة اللبناني: باسيل ونصرالله والحريري

لكن المفجع في هذا المشهد، هو أن النظام غير مخطئ في تقديراته. الأرجح أن يدفع ثمن فعلته، لكن الأثمان ستكون أقل مما يعتقد أنها عائدات الفعلة. فالعالم يقول إنه سيؤدب النظام لكنه لن يقضي عليه! هذا يبدو كافيا ليشعر سيد قصر المهاجرين أنه لم يخطئ عندما أعطى الأمر بالقصف. الثمن في أقصى نتائجه مطارات عسكرية وقواعد للوحدات الخاصة ومراكز أبحاث، ومئات من الجنود والضباط. لا بأس. حكم سورية مهمة تقتضي أثمانا أكبر، والنظام لا يجيد إلا هذا النوع من العلاقة مع السوريين.

لكن يبقى أن يفكر المرء بأن هذا لم يعد كافيا، وأن الزمن ليس صورا متناسلة، وربما حملت الأزمنة الجديدة مآسي أفظع، لكنها لا تتسع لأنماط متناسلة من العلاقات. حلفاء النظام يعرفون تماما أن لا مستقبل لربيبهم، وهم إذ يمعنون في التمسك به، يفعلون ذلك بصفته شرطا بائسا لوجهة في الصراعات والحروب. وما أن تأخذ هذه الحروب مساراتها، فإن الحاجة له ستنتفي. لم يعد النظام حاكما بشرطه الداخلي، وهو الشرط الكيمياوي. صار لسورية وظائف خارج ماكينة ضبطه. عليه أن يذهب مع طهران في حروبها الكثيرة، وعليه أن يلبي المهمة الروسية. الكيمياوي لم يعد شرطا لحكمه سورية. وهو سينجو ليس لأنه أدب السوريين، إنما لأن العالم عالق في مأزق أخلاقي هائل.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE - A U.S. Marine watches a statue of Saddam Hussein being toppled in Firdaus Square in downtown Baghdad on April 9, 2003…
"حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة صدام اسمك هز أميركا".

يصادف هذا الشهر بدء عامي العشرين في الولايات المتحدة، وهي بلاد انتقلت إليها للمساهمة في نشر الحرية والديمقراطية في دنيا العرب. لم يأت التغيير العربي الذي كنت أحلم به، فاتخذت من أميركا وطنا لي، وأكرمتني وأكرمتها، وأحببتها، وصرتّ أحدّث بنعمتها. لكن المقال هذا ليس عن الولايات المتحدة، بل عن خيبات الأمل العربية التي عشتها مرارا وتكرارا، والتي أثرت بي ولم أؤثر بها، والتي أفقدتني كل الأمل بالتغيير والتطوير والمستقبل في المشرق العربي وعراقه.

هذه الرحلة بدأت مع سنوات نضالي الطلابي في صفوف اليسار اللبناني. كنا تعتقد أن الطغاة هم أزلام الإمبريالية، زرعتهم بيننا لقمعنا وحماية إسرائيل، وأن العراقيين أكثر الشعوب العربية المتعلمة والمثقفة، شعب المليون مهندس. كنا نردد أن الأسد يحتل لبنان بمباركة أميركية وإسرائيلية، وكنا نصرخ "أسد أسد في لبنان، أرنب أرنب في الجولان".

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انقلبت أميركا على إمبرياليتها، وأطاحت بصدام، وفتحت الباب للعراقيين للبدء من نقطة الصفر لبناء دولة حرة وديمقراطية. كنت أول من آمن ببناء العراق الجديد. زرت بغداد، وحوّلت منزل العائلة إلى مكتب مجلة بالإنكليزية اسميناها "بغداد بوليتين". بعد أشهر، قتل إرهابيون أحد صحافيينا الأميركيين، فأقفلنا وهربنا. ثم عرضت علي محطة أميركية ناطقة بالعربية يموّلها الكونغرس فرصة عمل في واشنطن. مهمتي كانت المساهمة في بناء القناة العراقية لهذه المحطة. كان مقررا تسمية القناة "تلفزيون الحرية"، لكن الرأي استقرّ على اسم مرادف، فكانت "الحرة".

حطيت في واشنطن لأول مرة في حياتي فيما كانت تتردد في رأسي هلهولة "صدام اسمك هز أميركا". على عكس ما كنت أعتقد وأقراني العرب، الأميركيون لم يسمعوا، ولم يأبهوا، بالعراق، ولا بإيران، ولا بباقي منطقة المآسي المسماة شرقا أوسطا. المعنيون بالسياسة الخارجية الأميركية هم حفنة من المسؤولين والخبراء وكبار الضبّاط. 

لم يكد يمرّ عامين على انتقالي إلى واشنطن حتى قتل "حزب الله" رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري، حسب الحكم الصادر عن محكمة الأمم المتحدة. أصدقائي في لبنان ممن اتهموني بالخيانة والانتقال إلى صفوف الإمبريالية الأميركية في حرب العراق تحوّلوا وصاروا مثلي، يرون في الولايات المتحدة مخلصا من "القضية" و"المقاومة" و"الممانعة" و"التحرير" التي صارت تلتهمهم. نفس مشكلة العراق، كذلك في لبنان، كيف ينجب شعب قبلي طائفي لا يفهم معنى الحرية أو الديمراطية دولة ديمقراطية؟ 

غرقت "انتفاضة الاستقلال" اللبنانية في بحيرة من الدماء، من الحريري إلى العزيز سمير قصير وبعدهما زهاء 20 سياسيا واعلاميا وضابطا كان خاتمتهم الصديق لقمان سليم. أما القاتل، فلبناني يعمي بصيرته فكر قروسطوي وتعصب مذهبي وعشائري، ويقضي على اداركه أن المواطنية والديمقراطية في مصلحته، وأن مصائبه ومصائب لبنان سببها غياب الحرية والديمقراطية، وأنه لا يمكن للإمبريالية، ولا للسفارات الغربية، ولا لإسرائيل، أن تهتم بمصير ومستقبل لبنان وخلاصه أكثر من اللبنانيين أنفسهم .

في العام 2006، هاجم "حزب الله" إسرائيل، فاندلعت حرب، ووقف عدد كبير من اللبنانيين ضد ميليشيا "حزب الله"، ورحنا نتظاهر أمام البيت الأبيض، فما كان إلا من السوريين الأميركيين أن عيبونا واتهمونا بالخيانة، وحملوا أعلام "حزب الله" وصور نصرالله. السوريون أنفسهم عادوا فأدركوا أن نصرالله، وبشار الأسد، وأصحاب القضية لا يقاتلون لحمايتهم، بل للبقاء متسلطين عليهم. بعد اندلاع ثورة سوريا في 2011، انقلب هؤلاء السوريون أنفسهم، مثل العراقيين واللبنانيين قبلهم، من قوميين عرب صناديد الى أعداء العروبة ومؤيدي الإمبريالية والغرب والديمقراطية.

وحدها غالبية من الفلسطينيين لم تدرك أن كل أرباب القضية والتحرير والمقاومة هم مقاولون منافقون. هللت غالبية من الفلسطينية لصدام، ولاتزال تهلل للأسد وقاسم سليماني وعلي خامنئي. لم يدرك الفلسطينيون ما فهمناه أنا وأصدقاء من العراقيين واللبنانيين والسوريين: إسرائيل شمّاعة يعلّق عليها العرب فشلهم في إقامة دول. لا توجد مؤسسات عربية من أي نوع أو حجم قادرة على العمل بشفافية أو يمكن الإشارة اليها كنموذج عمل مؤسساتي. كل نقيب في لبنان أورث النقابة لولده، وكل رئيس ناد رياضي فعل الشيء نفسه. حتى المفتي الجعفري الممتاز في لبنان أورث منصبه إلى ابنه. ثم يقولون لك إسرائيل وسفارة أميركا والإمبريالية.

قبل ستة أعوام، بعد مرور أعوام على استقالتي من الحرة وانقطاعي عنها، تسلّم رئاسة القناة أميركي مثقف من الطراز الرفيع، فقلب المحطة رأسا على عقب، وطوّر موقعها على الإنترنت، وقدم الفرصة لكتّاب مثلي للنشر أسبوعيا. 

على مدى الأسابيع الـ 290 الماضية، لم أنقطع عن الكتابة أو النشر ولا أسبوع. مقالاتي تمحورت حول شرح معنى الحرية والديمقراطية وأهميتهما، وأهمية أفكار الحداثة وعصر الأنوار الأوروبي، والإضاءة على التاريخ الغني للعرب، والتشديد على ضرورة التوصل لسلام عربي فوري وغير مشروط مع إسرائيل. ناقشت في التاريخ، والأفلام العربية والمسلسلات، والسياسة والاجتماع. رثيت أصدقاء اغتالتهم أيادي الظلام في بيروت وبغداد. 

بعد 20 عاما على انخراطي في محاولة نشر الحرية والديمقراطية والسلام، أطوي اليوم صفحة تجربتي مع الحرة، في وقت تضاعف يأسي وتعاظم احباطي، وتراجعت كل زاوية في العالم العربي على كل صعيد وبكل مقياس، باستثناء الإمارات والسعودية والبحرين. حتى أن بعض الدول العربية انهارت بالكامل وصارت أشباه دول، بل دول فاشلة ومارقة يعيش ناسها من قلّة الموت.

لن تأتي القوة الأميركية مجددا لنشر الحرية أو الديمقراطية بين العرب. تجربتها بعد حرب العراق ومع الربيع العربي علّمتها أن لا فائدة من محاولة تحسين وضع شعب تغرق غالبيته في نظريات المؤامرة، وتتمسك بتقاليد قرسطوية تمنع تطور ثقافة الديمقراطية لبناء دولة حديثة عليها.

اليوم، أترجّل عن مسرح الحرة. سأواصل سعيي لنشر مبادئ الحرية والديمقراطية عبر مواقع أخرى، في مقالات ودراسات وتغريدات وغيرها، لكن رهاني على التغيير انتهى. المحاولات ستتواصل حتى لو بلا جدوى، عسى ولعل أن يسمع الصوت من يسمعه.