أحد مقاهي الرباط فارغة خلال رمضان 2012 (أرشيف)
أحد مقاهي الرباط فارغة خلال رمضان 2012 (أرشيف)

بقلم سناء العاجي/

من المعتقدات الشائعة في المجتمع المغربي، تلك التي تتعلق بالتوقف عن استهلاك المواد الكحولية أربعين يوما قبل رمضان، اعتقاد مترسخ لدى الكثيرين، تغديه تصورات مختلفة منها مثلا أن الكحول يبقى في الدم لمدة أربعين يوما بعد استهلاكه، وبالتالي فالشخص الذي استهلك المواد الكحولية خلال الأربعين يوما قبل رمضان، سيبلغ الشهر الكريم وفي دمه كحول.

علميا، هذا المنطق عبثي بكل بساطة؛ إذ إن الكحول لا يبقى في الدم إلا بضع ساعات. وإلا، لنتخيل مثلا نتائج اختبار نسبة الكحول في الدم، في البلدان التي تقوم بهذا الإجراء. هل نتخيل مثلا أن هذه الدول ستسن قوانين تمنع قيادة السيارات لمدة أربعين يوما، على كل شخص شرب كحولا؟

لتبسيط ذلك، دعونا نتأمل الحالة التالية: إذا احترمنا منطق "الأربعين يوما"، فإننا سنجد أنفسنا أمام شخص شرب بضع كؤوس من النبيذ أو الجعة، في بلد لا يمنع فيه القانون ولا الدين هذا النوع من الاستهلاك. لكن، أربعون يوما بعد احتفائه بمشروبه، سيوقفه شرطي المرور لإجراء اختبار نسبة الكحول في الدم؛ وسيجد كحولا بدمه. يبدو كل هذا غير منطقي، أليس كذلك؟ ببساطة لأن العلم يقول إن الكحول يبقى في الدم لبضع ساعات فقط، وليس لمدة أربعين يوما.

اقرأ للكاتبة أيضا: مجتمع متدين بطبعه!

من الناحية الدينية أيضا، فإن الأمر عبثي ولا يتجاوز التحايل الذي يجيده كثير من مواطني بلداننا في تدبير علاقتهم بالدين وبالتقاليد. لنقلها إذن بكل البساطة الممكنة وبكل الوضوح اللازم: إن مجرد القبول بهذا المبدأ (أي بكون عدم شرب الكحول لمدة أربعين يوما قبل رمضان هو أمر شرعي يمكن المسلم من صيام رمضان من دون بقايا كحول في دمه) يعني ببساطة أن استهلاكه ممكن شرعا خلال باقي أيام السنة. فهل هذا هو المغزى من الأربعينية التي نتحدث عنها؟

هناك مدارس فقهية تعتبر بأن تحريم استهلاك المواد الكحولية هو أمر لم يرد في القرآن بشكل صريح

​​ربما يكون من المفيد أيضا أن نشير إلى أن هناك مدارس فقهية تعتبر أن تحريم استهلاك المواد الكحولية هو أمر لم يرد في القرآن بشكل صريح، وإلى كون الأخير يدعو لاجتنابه فقط، من دون تحريم قطعي. لكن، لندع هذا الاختلاف جانبا ولنعتمد على القراءة الفقهية الشائعة في معظم بلدان المنطقة، ومنها المغرب الذي يعتمد على القراءة المالكية التي تعتبر استهلاك الكحول حراما بشكل قطعي. من هذا المنطلق، فإن الحديث عن الانقطاع عن استهلاكه أربعين يوما قبل رمضان هو تحايل ساذج يعني ضمنيا أن استهلاكه في باقي أيام السنة لا يطرح أي إشكال ديني.

اقرأ للكاتبة أيضا: المرأة... ذلك البعبع المخيف

هذه ليست دعوة لاستهلاك الكحول بدون ضوابط، لكنها ببساطة دعوة لكي نوقف هذا التحايل المرضي الذي يربط الكثيرين مع الدين ومع القانون. تحايل يجعل كثيرا من الممارسات تتم في الخفاء، حفاظا على صورة سليمة أمام الآخرين. تحايل يجعل كثيرين يلوون عنق الحقيقة العلمية والمنطق لكي يحققوا بعض التوازن بين اختياراتهم الشخصية وبين الدين أحيانا والتقاليد أحيانا أخرى.

في الدول المتقدمة، يتم تقنين استهلاك الكحول، إذ يمنع استهلاكه قبل سن معينة، وتمنع قيادة السيارة بعد استهلاكه، كما يتم تشديد العقوبات عند ارتكاب جنحة أو جريمة في حالة سكر.

في نفس الوقت، توفر هذه الدول مراكز حكومية أو خاصة لعلاج الإدمان على الكحول. أما عندنا، فنحن نكتفي بالتحايل على العلم والدين والقانون. ونكتفي معه بالمنع القطعي (في العلن)، من دون إيجاد حلول منطقية تحترم اختيارات الأفراد في استهلاك الكحول أو عدمه، مع تقنين هذا الاستهلاك بشكل عقلاني، لحماية المجتمع من الاستهلاك المفرط.

كل أربعين يوما قبل رمضان وأنتم بكامل المنطق!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.