زوكربرغ خلال جلسة الاستماع في الكونغرس
زوكربرغ خلال جلسة الاستماع في الكونغرس

بقلم مالك العثامنة/

كنت أتابع بتأمل يحاول قراءة التفاصيل الكامنة خلف شخصية مؤسس موقع فيسبوك، السيد مارك زوكربرغ، الشاب الذي يبلغ عمره الآن 34 عاما، وهو يواجه لجنة الاستماع في الكونغرس الأميركي ومتابعة ملايين من العالم له وهو يحاول الدفاع عن نفسه ومنصته. هذه المنصة التي أصبحت بحق القبيلة الزرقاء الجامعة للبشرية وقد ملأ بها الدنيا وشغل الناس.

لم تكن القضية التي كان الشاب الثلاثيني يواجه فيها عمالقة السياسة في واشنطن هي التي تشغلني بقدر ما كنت أسرح في ملامح الشاب الذي لم يتغير كثيرا رغم ملياراته التي ربحها بجهده وعبقريته. كنت أفكر بتلك البيئة التعليمية الحرة التي سمحت لشاب من أعلى الطبقة الوسطى، وبعصامية شديدة، أن ينطلق ويحلق في عالم الابتكار ويحقق لنفسه مكانا فيصبح هذا الخجول المتلعثم في أحاديثه العامة من أكثر الشخصيات تأثيرا على الكوكب.

شاب من نيويورك، ابن لطبيب أسنان وأمه طبيبة نفسية وهو مبدع منذ طفولته. لقي الرعاية من والديه وباقي أسرته التي تبنت ابتكاراته المبكرة؛ فكان والده يعتمد على برمجة ابتدعها ابنه الفتى للتواصل بين عيادته والمنزل. في الجامعة انطلق الفتى بأحلامه إلى أقصاها فلم يتردد مع زملائه في ابتكار برمجيات تواصل يحاول فيها على ما يبدو خلق عالم مواز دوما للواقع في التواصل بين الناس.

ما ينقص العالم العربي، حاكمية رشيدة وحاسمة، تحارب الفساد، وتعيد توزيع الموارد والثروة لتحقيق التنمية الحقيقية

​​باقي قصته تم ترجمتها لفيلم سينمائي كشف تفاصيل صعود هذا الشاب وطموحاته التي رافقت بساطة العيش التي انتهجها وانتهاء بحبه لابنة الأسرة الصينية اللاجئة التي اختارها زوجة له في حفل زفاف متواضع في فناء بيته الخلفي، وتوج كل ذلك بطفلة جميلة ربما هي الأكثر حظا في هذا العالم بأبوين تصرفا بثروتهما في الأعمال الخيرية.

لا يزال الشاب مارك في أول عمره الطري، وأمامه الكثير من الحياة ليعيشها ويقدم المفاجآت للبشرية.

على الطرف المقابل..

شاب تونسي، أصغر من مارك زوكربرغ بعامين، مبدع في الشعر وفنون الكتابة حد الإدهاش. أنهى دراسته الجامعية وبقي عاطلا عن العمل وصار رهينة للقهر الذي التف حول عنقه، في النهاية، حبل مشنقة اختياري في حادثة انتحار مأساوية.

اقرأ للكاتب أيضا: منتدى الإعلام العربي: محتوى الهامش أعمق من المحتوى الرسمي

أقصد هنا التونسي الشاب نضال الغريبي، والذي ترك خلفه رسالة انتحار مؤثرة ومحزنة. قرأت الرسالة فوجدت فيها أكثر من رسالة انتحار، كانت صرخة نجدة باسم ملايين من الشباب العربي المقهور بين الخليج والمحيط.

هذا الشاب التونسي وفي مقاربة فانتازية مع نظيره النيويوركي، جعلني أفكر في أهم صناعة يبدع فيها العالم العربي، وهي صناعة الخيبة وإنتاج القهر وتدويره جيلا بعد جيل.

ما يحدث في تونس، يمكن تعميمه على معظم العالم العربي (نستثني بعض دول الخليج التي استطاعت توظيف الثروة من أجل الإنسان فيها)، فهناك دوما نظرية "تلبيس الطواقي" وتوريث الوظائف والثروة والمناصب وتحويل الأوطان إلى مزارع لا تخرج ملكيتها عن دائرة المحسوبيات الضيقة.

القصة ليست في عجز الشباب العربي بقدر ما هو عجز في المنظومة المحيطة بهذا الشباب

​​القصة ليست في عجز الشباب العربي بقدر ما هو عجز في المنظومة المحيطة بهذا الشباب المحبط من أي غد واليائس من واقعه والمحاصر بإرث ثقيل في ماضيه وتاريخه. السبب، بالطبع، هو الأنظمة المستبدة ودائرة الفساد الفولاذية التي استحكمت حلقاتها فلا يعرف أحد كيف يمكن البدء بتفكيكها للوصول إلى نهاياتها.

الشاب العربي الذي يصل الجامعة بشق الأنفس، عبر مرحلة تعليم مشوبة بالكثير من الدجل المعرفي ولزوميات ما لا يلزم، ليصل إلى شهادة أكاديمية لم يعد سرا أن الحصول عليها يحتاج كثيرا من التزلف والغش والتدليس وقليل من الدراسة الحقيقية. ثم عليه مواجهة الواقع المر بسوق عمل مغلق في إطار اقتصاد منهك ومنظومة فساد جهنمية.

اقرأ للكاتب أيضا: ليبيا، متاهة الحل المفرودة على جغرافيا شاسعة

ما ينقص العالم العربي، حاكمية رشيدة وحاسمة، تحارب الفساد، وتعيد توزيع الموارد والثروة لتحقيق التنمية الحقيقية، لا تلك التنمية التي تكفي لملء نشرة الأخبار المحلية أو تعبئة الصفحات الأولى بالصحف لتمجيد الإنجازات الوهمية، والتي تتعلق تحت جسورها السرابية مشانق القهر.

وعود على بدء..

فلنتذكر أن مبدعا آخر في الولايات المتحدة اسمه ستيف جوبز، يتفاخر العرب بأن أصوله عربية سورية، بدأ أيضا من الصفر وحمل حلمه فغزا العالم به، ورحل إنسانا مخلدا بعبقريته لا بهويته ولا دينه ولا عرقه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.