أحد مشاهد العرض المسرحي (تصوير: ليز لورين)
أحد مشاهد العرض المسرحي (تصوير: ليز لورين)

بقلم رياض عصمت/

من هو عدو الشعب؟ هناك في كل العصور أعداء كثر للشعوب، بعضهم واضح للعيان، وبعضهم مقنع بأقنعة القداسة والطهر والوطنية. لكن مسرحية "عدو الشعب" للمؤلف النرويجي هنريك إبسن - الذي أطلق عليه اسم "أبو المسرح العالمي الحديث" ـ تعالج قضية مختلفة تدور أحداثها في بلدة نرويجية يحلم قاطنوها بالثراء من السياحة بسبب اكتشاف ينبوع مياه صحية فيها.

سرعان ما تطرح المسرحية أسئلة أخلاقية عندما يكتشف بطلها الدكتور ستوكمان أن مياه ذلك الينبوع ملوثة بجراثيم مؤذية لصحة الإنسان: هل عدو الشعب حقا هو من يعلن حقيقة كون تلك المياه مؤذية للصحة بحيث تعتبره الغالبية مدمرا لمصالحها المادية؟ أيعقل أن يصبح الشخص الذي يتحدى جهل الجماهير بالعلم، ويواجهها بالحقيقة الدامغة ولو على حساب رزقه ومصالح عائلته عدوا الشعب حقا؟ هل يتوجب على الطبيب، صاحب الضمير النزيه، أن يسكت أمام إصرار الأغلبية على جني المكاسب من الينبوع، متجاهلين سوء تصريف المعامل المجاورة للنفايات السامة، والضرر الذي تسببه المياه للبشر؟

عرض مسرحية إبسن "عدو الشعب" انتصارا يضاف إلى السجل الحافل لمسرح "غودمان"

​​تبدو مسرحية هنريك إبسن "عدو الشعب" (1882) من خلال عرض مسرح "غودمان" الشهير في شيكاغو، والذي أعده وأخرجه مدير الفرقة الفني روبرت فولز، مسرحية ذات مضمون خالد، وفي الوقت نفسه تصلح مشكلتها الأخلاقية المطروحة لزماننا المعاصر.

مضى قرابة 150 سنة على تأليف "عدو الشعب" وما زالت نضرة، مؤثرة، بحيث تمس صلب حياتنا. كم من الحقائق الصادمة، يا ترى، تخفى عن إدراك الناس بسبب جشع بعض شركات الأدوية أو الأغذية المعلبة التي لا تراعي الآثار الجانبية المضرة لمنتجاتها التي تسوق بإعلانات براقة؟ وإلى أي حد يقدم بعض أصحاب الاستثمارات على غض النظر عن مخاطر محتملة لمنتجعاتهم من أجل تحقيق الربح المادي؟

اقرأ للكاتب أيضا: هل يعيد التاريخ نفسه؟

ألف إبسن (1828 ـ 1906) كما كبيرا من المسرحيات، تراوح بين الشعرية والواقعية الطبيعية والرمزية الشاعرية. كان نمط المسرح الواقعي الذي أبدعه في القرن التاسع عشر مختلفا تمام الاختلاف عن المسرح الإغريقي والشكسبيري، بحيث أن جورج برنارد شو ألف كتابا بعنوان "جوهر الإبسنية"، فضله فيه حتى عن شكسبير.

انتقل إبسن من المسرح الشعري كما في "بيرجنت" و"براند" إلى كتابة مسرحيات تصور شرائح من حياة البشر العاديين، فكتب "بيت الدمية" في عام 1879 لتثير ضجة هائلة في المجتمعات الأوربية، بحيث تظاهر الرجال في كوبنهاغن ضد هجر بطلتها نورا لبيت الزوجية بعد أن شعرت أن زوجها يعاملها كدمية، حتى قيل إن "صفقة نورا لباب بيتها هزت أوروبا".

رد إبسن بعناد على الهجوم بتأليف مسرحية تالية هي "الأشباح" (1881)، التي صور فيها صبر زوجة على انحلال زوجها الأخلاقي والعيش مهادنة لفسقه وفجوره، فإذا بابنهما بعد رحيل أبيه يحمل جرثومة مرض السيفلس ويجعل حياتها جحيما لا يطاق.

سرعان ما واجه إبسن نقدا أعتى من الأول من عموم الناس، لكنه لم يحجم عن مناكفة منتقديه، فكتب رائعته "عدو الشعب" (1882) معلنا للناس أن من ينطق بالحقيقة إنما هو بطل يدافع عن القيم النبيلة ويقف كفرد في طليعة المجتمع في مواجهة الأغلبية الساحقة الحريصة على مصالحها المادية، حتى ولو اعتبر من قبلها خائنا وعدوا للشعب.

يا لها من فكرة درامية عميقة وبالغة الدلالة في زماننا الذي هيمنت فيه عقلية القطيع، وسيقت غالبية الجماهير تحت تأثير ماكينة الإعلام إلى تصديق دعايات أصحاب النفوذ والمصالح، واتخاذ موقف النقمة والإدانة والتشهير تجاه الأفراد القلائل الذين يمثلون طليعة الشعب ويواجهونه بالحقيقة الجارحة.

اقرأ للكاتب أيضا: حين كان الضرب مسموحاً.. ولد التمرد 

جدير بالذكر، إن هنريك إبسن اختار الهجرة من موطنه وعمره 36 عاما ليقيم في إيطاليا، ثم ألمانيا، مدة 27 عاما، كتب خلالها كثيرا من روائعه، ونادرا ما زار خلالها النروج، رغم أن أعماله ظلت تقدم في الدول الاسكندنافية. نذكر من أبرز إنجازات مرحلته الأخيرة: "البطة البرية"، "هيدا غابلر"، "آل روزمر"، "امرأة البحر"، "البناء الأعظم" وأخيرا "حين نصحو نحن الأموات"، وهي تطرح أسئلة وجودية بالغة الأهمية والدلالة في كل عصر ومكان.

تدور "عدو الشعب" حول اكتشاف الطبيب توماس ستوكمان، الذي عينه أخوه عمدة البلدة مشرفا صحيا على ينبوع المياه الصحية التي تستقطب الناس من مختلف أرجاء البلاد للاستشفاء، أن تلك المياه ملوثة ببكتريا مؤذية للبشر. يعتقد ستوكمان أنه بمجرد إعلانه حقيقة اكتشافه للناس حول تلوث مياه ينبوعهم سينال الاحترام والتقدير. لكنه بمجرد أن يحاول نشر تقريره العلمي، يفاجأ بأنه ألَب على نفسه أخاه العمدة ومحرري الصحيفة التقدمية وعمه والد زوجته الذي يمتلك مصنعا يصرف نفاياته لتلوث تلك المياه وأهالي البلدة. هكذا، يحاول الجميع منع ستوكمان من إشهار الحقيقة، لأن ذلك سيؤثر على ازدهار السياحة ويهدد مصالحهم.

مضى قرابة 150 سنة على تأليف "عدو الشعب" وما زالت نضرة، مؤثرة، بحيث تمس صلب حياتنا

​​يبدأ الاضطهاد والقمع من منع نشر تقريره في الصحيفة المحلية، إلى تسريح شقيقه العمدة له من وظيفته كمشرف صحي على النبع، إلى تهديد والد زوجته الحامل بالحرمان من حصتها من مصنعه عبر شرائه أسهما في الينبوع، وصولا إلى تحطيم أثاث بيته وتهديد أمنه الشخصي، لأنه اعتبر بالإجماع عدوا للشعب.

يخلص ستوكمان إلى القول: "ليست مياه الينبوع مسممة فقط، بل أرواحنا مسممة أيضا" كما يخلص إلى أن "من يقف وحيدا هو الذي على حق، وأن أغلبية الناس جاهلة". تقف زوجة ستوكمان وابنته الشابة إلى جانبه في حين ينبذه المجتمع ويعتبره خائنا، لكن الطبيب الشجاع يقرر الاستمرار في رسالته بأن ينشر الحقيقة في كل مكان يستطيع الوصول إليه مهما كانت النتائج. تنتهي المسرحية بذلك نهاية مفتوحة، خارجة عن إطار التراجيديا والكوميديا معا، لتفتح باب المسرح الواقعي واسعا على مصراعيه.

اقرأ للكاتب أيضا: الوضوح الفكري في زمن الغموض

أعد المخرج المخضرم روبرت فولز مسرحية إبسن بأمانة عامدا إلى تكثيف حواراتها دون أن يفقدها روعتها. صمم الديكور الحديث المصمم الأميركي العالمي تود رونثال. لكن اللافت للنظر هو نجاح عمل المخرج مع الممثلين ـ وهو الذي سبق أن أخرج في عام 2005 مسرحية إبسن "بيت الدمية" بإعداد جعل فيه أحداثها تدور في حديقة لينكولن في شيكاغو ـ إذ حرص المخرج على الأداء الواقعي المقنع، وحسن تقمص الشخصيات من قبل الممثلين كافة.

كما حرص على توزيع الأدوار بشكل غير تقليدي، فأسند دور ستوكمان إلى الممثل القدير ذي الملامح الاسكندنافية فيليب إيرل جونسون، بينما أسند دور زوجته إلى الممثلة السوداء لانيس أنطوان سيلي، وابنته إلى الممثلة الشقراء الشابة ربيكا هورد، كما تضمن بقية الطاقم ممثلين ملونين من أعراق مختلفة، تألق بينهم بحضور قوي الممثل القدير سكوت جاك في دور العمدة.

عمد ربورت فولز إلى حشد ممثلين وممثلات في مشهد الاجتماع الذي دعا إليه ستوكمان لإعلان اكتشافه العلمي، واختار بجرأة أن يجلسهم في مقدمة المسرح وظهورهم نحو الجمهور، بينما جعل ستوكمان وبعض الآخرين يعتلون منصة عالية في عمق المسرح، أو التجول أحيانا بين الجالسين في مقدمة المسرح، الذين كثيرا ما تمت الاستعاضة عنهم في عروض أخرى بالجمهور الفعلي الجالس في الصالة، أو اللجوء إلى حلول أخرى فريدة كما فعل الممثل السينمائي المعروف مايكل شانون حين أخرج في شيكاغو اقتباسا لمسرحية "عدو الشعب" ألفه الكاتب برت نوفو بعنوان "خائن"، إذ نقل الجمهور إلى خارج المسرح الصغير ليدخله إلى قاعة اجتماعات مجاورة في الشارع، وغير نهاية المسرحية فجعل الطفل يولد ميتا بما يوحيه ذلك من دلالة رمزية.

يبقى عرض مسرحية إبسن "عدو الشعب" انتصارا يضاف إلى السجل الحافل لمسرح "غودمان"، الذي اعتبرته مجلة "تايم" مؤخرا أفضل مسرح إقليمي أميركي على الإطلاق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة