خلال الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة
خلال الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة

بقلم محمد المحمود/

لم، ولن ينتهي الجدل الشرعي/ الديني والاجتماعي حول الحجاب، وحول كل ما يتعلق بالحجاب والنقاب في العالمين العربي والإسلامي؛ لأن الجدل في هذه المسألة التي نظنها محدودة في حدود قطعتي قماش، هو جدل متعدد الأبعاد، جدل مشتبك مع الجدل الاجتماعي/ الديني المركب حول مسائل أكبر من ذلك وأعمق وأشمل.

ولهذا، كلما ظننا أن هذه المسألة (مسألة الحجاب والنقاب) توارت واختفت؛ بتجاوز المجتمع المتحضر/ المتطور لسذاجتها؛ عادت تطل برأسها من جديد، وكأنها أم القضايا التي يرتبط بها المصير الجمعي؛ وجودا وعدما.

تبدو مسألة الحجاب ـ لأول وهلة ـ وكأنها مسألة شرعية/ دينية خالصة، لا لشيء؛ إلا لأنها تطرح على الأساس الشرعي، أو تحت العنوان الديني. اليوم، يخوض الناس فيها كموضوع لجدل اجتماعي واسع، ولكن بمفردات شرعية تستثمر في المقدس؛ بغية الظفر بقوة ضغط الاحتشاد الجماهيري للرأي المنحاز للحجاب أو للنقاب. إنهم يفعلون ذلك عن قصد؛ لأن الخطاب الشرعي في مثل هذا السياق يتوجه إلى الجماهير، وتحديدا، إلى عموم المتدينين الميالين إلى المحافظة الاجتماعية التي تجد مشروعيتها في الخطاب الديني.

يعرف الجميع أن الحجاب/ النقاب هو شكل من أشكال الهيمنة الذكورية

​​من الناحية العلمية/ الشرعية الخالصة، يمكن التأكيد على أن القضية حسمت على أكثر من صعيد، بل لقد تم وضع النقاط على الحروف منذ زمن بعيد. صحيح أن غلاة المتطرفين من السلفيين يحاولون العبث بالحقائق العلمية المثبتة في هذا المجال؛ كي يتمكنوا من فرض وجهة نظرهم المتطرفة حول "النقاب" قبل "الحجاب"؛ وكأن وجهة نظرهم هي عين الصواب؛ بل وكأنها الصواب الأوحد الذي يحظى بالإجماع العلمي من ذوي الاهتمام الشرعي على مر العصور والأزمان!

اقرأ للكاتب أيضا: العنصرية والمجتمع الحديث

يحاول غلاة المتطرفين استثمار مقولات العلماء المعاصرين في "الحجاب"؛ كي يجعلوها – تدليسا - في "النقاب". الحجاب، من حيث هو لباس احتشام يسمح بإظهار هوية المرأة (وجهها على نحو خاص)، يحظى بما يشبه الإجماع على وجوبه.

بينما "النقاب" الذي يطمس هوية المرأة لا يحظى إلا بتأييد القلة القليلة من شيوخ السلفية المعاصرين، بل إن أكبر شيخ معتمد للسلفيين في العصر الحديث (الألباني) كان يقول بجواز كشف الوجه/ وجه المرأة، وأكد مرارا أن الحجاب الشرعي لا يشمل تغطية الوجه بأي حال. ولقد ألف في هذا كتابه الشهير: (حجاب المرأة المسلمة)، هذا الكتاب المتحدي الذي حار فيه غلاة السلفية إلى اليوم، ولم يستطيعوا الرد على مقولة واحدة من مقولاته، فضلا عن أن يستطيعوا الرد على مجمل الكتاب.

عموما، يمكن تلخيص مجمل الرؤى الفقهية في هذه المسألة بما يلي:

  1. قليل من "العلماء" في القديم والحديث قالوا بوجوب تغطية الوجه/ وجه المرأة، واعتقدوا أن هذا هو رأي الدين، ومن يخرج عليه فهو آثم؛ إن كان عالما بالحكم الذي يعتقدون صوابه. وهؤلاء يعتقدون صواب رأيهم، ولكنهم ـ في الوقت نفسه ـ يعرفون ويعترفون بأن كثيرا من العلماء المجتهدين يخالفونهم. وهم يقدرون اجتهاد مخالفيهم، مع تأكيدهم أن رأيهم هو الأقرب للصواب (عكس غلاة المتزمتين اليوم الذين يحاولون إنكار مقولات هؤلاء العلماء المخالفين لهم، إما بتجاهل مقولاتهم أو طمسها أو تأويلها).
  2. أكثر العلماء في القديم، والأغلبية الساحقة من العلماء المعاصرين، يرون جواز كشف الوجه/ وجه المرأة، ويعتقدون أن الحجاب الشرعي لا يشمل الوجه والكفين، وبعضهم يحدده في عموم الاحتشام الذي يتحدد عرفا في كل مجتمع. ولا شك أن هذه الحقيقة (حقيقة أن الأغلبية الساحقة من علماء الشريعة لا يقولون بوجوب النقاب) تسببت في حرج شديد لأصحاب الرأي السابق، أو بالأحرى للغلاة المعاصرين منهم الذين يتعمدون طمس آراء المخالفين القائلين بالجواز لصالح رأيهم التحريمي المحدود، الذي يرونه ـ وهنا المشكلة ـ صوابا بدرجة اليقين المطلق، كما يرون أن ما خالفه هو خطأ بدرجة اليقين المطلق أيضا.

هذا مختصر ما قيل ويقال في هذه المسألة. وأعتقد أن كل المهتمين بهذه المسائل ـ ولو بأدنى اهتمام ـ باتوا يعرفون هذا المختصر الذي ذكرته آنفا. لكن، ما لا يعرفه كثيرون، ويتجاهله كثيرون أيضا؛ وعن عمد، هو أن "القدر المتفق على وجوبه شرعا" في هذه المسألة منوط باختيار المكلف، وليس لأحد حق إجباره عليه. هذه حقيقة يجري تجاهلها.

فمثلا، إذا كان ثمة إجماع نسبي على "وجوب تغطية الشعر والنحر"، فهذا الوجوب تكليف شرعي يتوجه إلى الفرد المكلف/ المرأة المسلمة بصفة شخصية خاصة، وليس لأحد أن يجبرها على تغطية شعرها ونحرها. الخيار للمرأة كإنسان حر؛ إن هي قامت بهذا الواجب، فهي ـ في التصور الفقهي ـ مأجورة، وإن لم تفعل فهي آثمة، والمسألة أولا وأخيرا بينها وبين الله، أي هي مسألة تدخل في الضمير = الاختيار الشخصي.

مشكلة الصف الثاني/ الطبقة الثانية من المتزمتين أنهم يحاولون الإيحاء للمرأة/ لمجتمع المرأة أن ما كان معترفا بوجوبه من الأحكام ـ من قبل المرأة، ومن قبل مجتمعها ـ فإن الإكراه فيه مشروع. فمثلا، إذا اعترفت المرأة ومجتمعها المتدين الحاضن لها أن تغطية شعرها ونحرها واجب شرعا، فالمتزمتون يعتقدون أن هذا الاعتراف يعني أنها ـ بضرورة هذا الاعتراف ـ تمنحهم حق إجبارها على تغطية شعرها ونحرها. المتزمتون يخلطون بين "الوجوب الفردي" وبين "حق الإكراه المجتمعي"؛ ليتمكنوا من وضع أفكارهم/ خياراتهم الفردية المتزمتة موضع التنفيذ على مستوى القانون المجتمعي العام.

هذا ـ باختصار ـ كل ما يدور حول المسألة شرعيا/ دينيا؛ ولا شيء أكثر من ذلك. لكن، وخاصة في العصر الحديث، تطورت مسألة الحجاب/ النقاب لتأخذ أبعادا أخرى. وهذا لم يعد خافيا، بل وهو واضح لكل متأمل، يشرحه ويؤكده هذا الإلحاح الكبير والمستمر على هذه المسألة الشرعية الجزئية الهامشية؛ بحيث أصبحت تبدو ـ بعد كل هذا الإلحاح، بل وهذا الهياج الديني والأرعن - وكأنها أصل من أصول الدين، وشرط أولي من شروط التدين.

يعرف الجميع أن الحجاب/ النقاب في القديم والحديث، وفي كل المجتمعات، هو شكل من أشكال الهيمنة الذكورية، هو من العلامات المجسدة/ الملموسة التي تؤكد للمجتمع الذكوري/ الذي يعاني اضطرابا ذكوريا أن المرأة لا تزال تحت السيطرة، بل لا تزال هامشية، ذات هوية ملغاة أو مغطاة، ما يعني أن الرجل لا يزال هو سيد الموقف، وأن شبكة العلاقة الاجتماعية في تراتبيتها المعهودة لا تزال تشتغل بما يخدم تطلعات أسيادها التاريخيين.

لا يخفى استثمار الجماعات الإسلامية في رمزيات الحجاب على أحد

​​وإذا كان إجراء أي تحوير على الحجاب/ النقاب يعني ـ بالضرورة ـ حدوث تحولات نوعية في شبكة العلاقات الاجتماعية (وهي تحولات لا تخص ترابية الذكر/ الأنثى فحسب، بل تتجاوز ذلك لتعم كل محاور هذه الشبكة)؛ فإن رمزية الحجاب/ النقاب تمتد إلى ما هو أبعد من نطاق المجتمع الواحد؛ حيث تشتبك مع التفاعلات الدولية التنافسية التي تجد صيغتها في حرب الرموز ذات العلاقة الوطيدة بصراع الحضارات/ الثقافات.

ومن هنا، قد يصبح الإصرار على الحجاب/ النقاب ـ رغم هامشيته في السياق الديني ـ مرتبطا بالأبعاد الرمزية التي يتخذها كعلامة جسدية ذات دلالة هوياتية تؤكد رفض هيمنة الآخر، سواء أكانت هيمنة ناعمة/ ثقافية، أم كانت هيمنة خشنة/ سياسية.

فلغة الجسد المحجب هنا هي لغة مقاومة، إنها علامة رامزة تؤكد بصراحة رفض الآخر برفض خياراته العلاماتية التي يحاول عولمتها في فضاء الذات، في مقابل تأكيد الاحتماء بخصوصية ثقافة الذات؛ كضمانة ـ ولو على المستوى النفسي - لتحقيق الاستقلال الذاتي.

اقرأ للكاتب أيضا: فلسطين بين الاحتلال ومشروعية النضال

وكما تدخل رمزية الحجاب ـ بقوة ـ على خطوط التفاعلات التنافسية/ الصراعية بين الدول/ الثقافات/ الحضارات؛ تدخل ـ وبقوة أيضا ـ على خطوط التفاعلات التنافسية/ الصراعية بين التيارات داخل الثقافة الواحدة، بل بين التيارات داخل الدولة الواحدة.

ولعل استثمار الجماعات الإسلامية في رمزيات الحجاب لا يخفى على أحد؛ إذ يصبح الحجاب في ظل التدافع الإسلاموي ـ العلماني أداة للتحكم في قطاع كبير من المنتمين أو حتى من المتعاطفين (القطاع النسوي) على مستوى عملي، كما هو ـ في الوقت ذاته ـ علامة رمزية لإثبات الوجود، ومن ثم إثبات القوة، وتأكيد الحضور النافذ في الفضاء العام الذي يصبح ـ في سياق هذه الحرب/ حرب الرموز ـ ليس أكثر من حلبة صراع.

المهم بعد كل هذا، هو التأكيد على أن ما نراه من تأكيد إسلاموي متواصل على الحجاب/ النقاب ليس مطلبا عمليا، بمعنى أنهم لا يؤكدون عليه لتحقيق "الاحتشام الأنثوي" عمليا؛ بقدر ما يؤكدون عليه لأبعاده الرمزية التي تحدد موقعهم في الصراع على النفوذ المجتمعي. أي أن "الاحتشام الأنثوي" هنا ليس مقصودا لذاته، بل لتحقيق الانتصارات الرمزية للتيارات الإسلاموية، خاصة بعد سلسلة الهزائم التي لاحقتهم في العقدين الماضيين، إذ ـ بعد كل هذه الهزائم ـ أصبح معقلهم الأخير مجرد قطعة قماش على جسد أنثى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يسرا
يسرا على ملق لمسلسل "خيانة عهد" (الصورة من حساب الفنانة يسرا على موقع تويتر) | Source: Twitter

خلال الماراثون الرمضاني الذي تبارى فيه نجوم الدراما في العالم العربي لتقديم أفضل ما عندهم لجذب الجمهور وتقديم المختلف ليتميز كل عمل عن الآخر، ومع فرض العزل المنزلي بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، يلتصق المشاهد بشكل أكبر أمام الشاشة الفضية مما يعطي مساحة أكبر للتحليل والتعمق بكل مشهد.

من أكثر المسلسلات الدرامية التي شدت انتباهي هذا العام في خضم هذه الأعمال الدرامية الكثيرة وخاصة المصرية، هو مسلسل "خيانة عهد"، وذلك لبراعة أداء الفنانة يسرا "عهد"، التي تثبت في كل عمل أنها تستحق لقب "مَلِكة" الدراما المصرية بجدارة وكذلك كل طاقم التمثيل في المسلسل خاصة الوجوه الجديدة التي فاجأتنا بأدائها المحترف، كذلك لا بد من الإشادة بحرفية كتاب القصة والسيناريو والحوار، أحمد عادل، وأمين جمال، ‎ووليد أبو المجد، ومحمد أبو السعد.

إن قصص العداوة والانتقام بين الإخوة ليست بجديدة، فقد عرضت هذه الفكرة في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية، لكن الجديد هنا هو الرموز والاستعارات الدرامية، التي تعطي المشاهد إشارة بأن هناك حدث ما سيحدث وكذلك وجود الكثير من المقارنات analogy المستمدة من قصص في القرآن الكريم. كذلك وجود البعد الدرامي الذي يقوم عليه المسلسل من خلال مَلَكة البطلة، باتصالها مع أرواح الموتى كما حدث بينها وبين ابنها إما بطريقة ملموسة بلمس وشم مقتنياته أو بطريقة غير ملموسة في ذهنها والإحساس بروحه وكذلك الأرواح التي تظهر لها في الأحلام للتنبيه بالخطر.

من أقوى المشاهد، التي شرّحت واقع أنه عندما تتملك الكراهية والحقد الشخص لا يمكنه التفريق بين البريء والمذنب فهي تأخذ الجميع على حد سواء، هو مشهد "عهد" مع أخيها "مروان" (خالد سرحان) في الشرطة عندما واجهته بسؤال عن ذنب "هشام" خالد أنور في انتقامهم منه، رد عليها، "الكره ما بيفرقش" أي الكره يشمل الجميع لكل من له صلة بذلك المذنب. 

فالدافع الحقيق للكراهية وأذية إخوة "عهد" لها هو الحسد والغيرة مع أنهم برروا هذه الكراهية بسبب تفضيل والدهم لـ "عهد" ومعاملة زوجة والدهم (أم عهد) السيئة لهم والغبن التي شعرت به والدتهم نتيجة لذلك. 

على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة

لكن مشهد أخت "عهد"، "فرح" (حلا شيحة)، مع "شيرين" (جومانا مراد) ـ المرأة اللعوب المدمنة التي وضعتها في طريق ابن اختها "هشام" لإغوائه بإقامة علاقة غير مشروعة معها وتدفعه لتعاطي المخدرات ـ يشير إلى أنها لم تتحمل محبة الناس لها وأيضا لها ابن يكبر أمامها وهي محرومة من الذرية ويثبت إلى أي مدى من الممكن أن يوصل الحسد والغيرة صاحبهما. فهذه الغيرة تذكرنا بقصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رموه إخوته في البئر، فلم يكن هناك دافع لهذه الكراهية سوى الغيرة.

أحيانا ينتاب المشاهد لحظات تساؤل، لما الشر ينتصر على الخير؟  فقد تمكن إخوة "عهد" من الانتقام منها ومن والدتها في قبرها عبر الغدر بأغلى ما عندها وهو ابنها.  فقد ذكرت أختها لـ "شيرين" أنها تعلم أن أكثر ما سيحرق قلب "عهد" هو أن يمس ابنها بأذى.  

والمشهد الذي كانت تدعو به "عهد" متضرعة لربها ترجوه بأن يحمي لها ابنها ويشفيه من الإدمان، يدفع المشاهد ليتساءل لما بعد كل هذه الدعوات لم ينقذ الله ابنها وينجيه من المكيدة التي آلت إلى قتله على يد خالته؟ ومع أن الإجابة الحتمية ستكون علينا الرضا بقضاء الله وقدره والسخط من ذلك يعتبر من الكفر، إلا أن لو حللنا الوضع بدون عاطفة موت "هشام" كان رحمة من الله لوالدته.

مع أنه تم خداع "هشام" والغدر به من قبل خالته، إلا أننا نجد أن بذرته الضالة هي التي ساعدت على انجرافه لطريق الفساد بسهولة، وهذه النزعة اتضحت من الحلقة الأولى بكذبه المستمر وتبديده لأموال والدته.  

وهنا نتذكر سورة الكهف والحكمة من قتل الخضر عليه السلام للغلام، "فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْرا"... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما".  

في "خيانة عهد" استبدل الله لـ "عهد" ابنها "هشام" بابن ثانٍ لم تلده وهو "الدكتور مصطفى" (شريف حافظ)، فقد كان بمثابة الابن الرشيد لها والتي عوضها الله به وهو الطبيب التي طالما كانت تتمنى ابنها يمتهن بهذه المهنة ويبدو لو عاش لم يكن بإمكانه التخرج من كلية الطب أبدا.

الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي

بعد مقتل "هشام" انتقل المسلسل إلى وجهة أخرى وهو علم الروحانيات أو الغيبيات ومع أن هذا الأمر بدا واضحا بشكل مقتطف في الحلقات الأولى من خلال قراءة الفنجان وأحلام "عهد" إلا أنه ظهر بشكل أكبر بعد مقتل ابنها. 

اتصال "عهد" بعالم الروحانيات هو الذي أعطاها القوة لكي تتماسك وإلا لانهارت ودمرها الحزن واليأس خاصة أنها فقدت ابنها وزوجها غدرا. وقد تجلى الاتصال الروحي ثاني أيام العزاء عندما نزعت الملابس السوداء واستبدلتها بأخرى ملونة ـ في ظل اندهاش الحضور ـ وخرجت إلى المطعم المفضل لابنها لكي تتخيل أنها تتحدث وتتناول الطعام مع ابنها. في الحقيقة لم يكن ذلك تخيلا بل حديثا مع روحه وهي التي أعطتها القوة وكثفت من مَلَكتها الروحانية، وبالرغم أنه ابن شقي في حياته إلا أن روحه طيبة وكذلك قتله غدرا سهل لوالدته الاتصال معه روحانيا لكي تأخذ حقه.

غالبا ما نجد ذلك الخلط لدى النقاد العرب بين علم الروحانيات أو الغيبيات والشعوذة، لذلك دائما تتهم قراءة الفنجان أو القراءة بالكف أو الودع على أنها دجل وشعوذة لكنها في المسلسل لم تكن كذلك لأن البطلة لم تتخذها للاتجار أو المنفعة بل كانت مجرد وسيط روحاني للتنبيه بالخطر. هذا الخطر بدا واضحا في فنجان القهوة الذي تناوله "هشام" الليلة قبل وفاته والتي لاحظت والدته بأنه يوحي بشر قادم له وعندما حاولت قراءة فنجانه منعتها صديقتها من قراءته بالقوة لأن ذلك يعد شعوذة مما أدى إلى كسر الفنجان وهو إشارة بأن هناك أمر سيء سيحدث له.

فالبطلة عندها هبة من الله منذ صغرها وهي الاتصال الروحي مع الأرواح وقد تمثل ذلك في عدة وسائط ليس فقط في قراءة الفنجان بل حتى في الأحلام. فأول مشهد كان في الحلقة الأولى هو كابوس مزعج رأته "عهد"، فهناك أنواع عديدة للأحلام منها العادية التي غالبا ما نحلم بها في الليل، وهناك أحلام النهار، والأحلام التي تسببها المواد المسكرة، والأحلام التي تسببها أغراض الانحدار في الحياة الماضية، والأحلام النبوية أو التنبؤ بما سيحدث والأحلام التي تسببها الأرواح والتي غالبا ما تنبه الشخص بمن يحاول أذيته وهذه النوعية من الأحلام هي التي كانت لدى بطلة المسلسل.

لقد ذكرت روزماري إلين جويلي Rosemary Ellen Guiley، وهي كاتبة أميركية متخصصة في علم الروحانيات، أن الروحانية تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: الوسيلة العقلية، والعلاج الروحي، والوسيط الروحي. تشمل الوسيلة العقلية عمل الغيبوبة، والتلقائية، والقياس النفسي، والاستبصار والحواس الإضافية الأخرى. كذلك تتضمن المهارات العقلية عمليات تحضير الأرواح، والتي تتميز عادة بالاتصال مع القتلى، والقراءات النفسية، والعلاج الروحي. عادة ما يأخذ الشفاء الروحي شكلين: شفاء الاتصال، عن طريق وضع اليدين على الرأس أو الجبهة، والشفاء الغائب الذي يعمل فيه عن بعد.

في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، بدأ كثيرون في الولايات المتحدة إعطاء المزيد من الاهتمام للمعتقدات الخارقة أو الهبات الخارقة للعادة. هذا أدى إلى قدر معين من القبول للميتافيزيقيا وهو فرع من فروع الفلسفة التي تدرس الطبيعة الأساسية للواقع، بما في ذلك العلاقة بين العقل والمادة، بين الجوهر والصفات، وبين الإمكانية والواقع.  

وقد شاهدنا الكثير من الأفلام الأميركية التي جسدت علم الأرواح لمعرفة الحقيقة، مثل فيلم (Ghost 1990) و (The Gift 2000) وغيرهم الكثير. وفي الثمانينيات، كان لدى الرئيس رونالد ريغان وزوجته نانسي psychic (طبيب روحاني) يستشيرونه في الكثير من المواضيع. وكذلك اكتسب الوسيط الروحي جون إدوارد John Edward مكانة مرموقة في تقديم "قراءات" خاصة على برنامجه التلفزيوني.

هناك أيضا دراسة أميركية أظهرت أن 35 بالمئة من أقسام الشرطة يستخدمون الوسطاء الروحانيين في التحقيقات الجنائية وأيضا مهن الخوارق أصبحت تكتسب شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وقد أصبحت الروحانيات تتخذ شكل من أشكال المهنية وتشمل أوراق اعتماد ولها دراسة معينة مع توفر الخبرة وهبة الشخص في إتقان مهارة هذا العلم ليتم الحصول على الدبلوم أو الدرجة العلمية المحددة.

لكن في عالمنا العربي ما زال الخلط قائما بين علم الروحانيات والشعوذة، لذلك عندما تكون هناك مَلَكة أو هبة لدى شخص لا يتم تنميتها بل يتم طمسها ووصفها على أنها ضرب من ضروب الخرافات والدجل، كما حدث مع "عهد"، مع العلم لو نمتها بشكل صحيح لأنقذتها من الكثير من المهالك.  

إن تنمية مَلَكة كهذه لابد أن تكون بطريقة علمية لكيلا يخلط بينها وبين الشعوذة وحتى تنميتها عن طريق الصلاة وأدعية الورد وقراءة القرآن والصيام الروحاني لا بد أن تكون بطريقة مدروسة. فهذا علم له فوائد كثيرة ومنها تقوية البصيرة للتنبؤ بالشر قبل وقوعه وهو أمر ليس بغريب شاهدناه في قصص الأنبياء والرسل وكذلك بين الأولياء والصالحين.