رفع ملصق عن الحرب الأهلية اللبنانية على أحد المباني المدمرة على أحد خطوط تماس هذه الحرب (أرشيف)
رفع ملصق عن الحرب الأهلية اللبنانية على أحد المباني المدمرة على أحد خطوط تماس هذه الحرب (أرشيف)

بقلم حازم الأمين/

ها نحن على مشارف حرب جديدة. إسرائيل مندفعة إليها بحماسة نادرة، ولا يبدو أن إيران تسعى إلى تفاديها. حرب جديدة بموازاة حروب كثيرة. المتحاربون الفعليون من خارج أهل الأرض التي ستشكل مسرح المأساة. حرب بين أقوى دولتين في الشرق الأوسط على أرض أضعف أهل هذا الشرق. وستكون حربا كبرى وسط كثير من الحروب على هوامشها.

لن تخمد الحرب بين إيران واسرائيل الحرب بين الأتراك والأكراد، والحرب بين النظام السوري وأهل سورية، وبينه وبين الفصائل المعارضة له، وبين الفصائل المدعومة من الخليج والفصائل المدعومة من تركيا. لن تطفئ هذه الحرب أيا من الحروب المشتعلة في المنطقة. ستنضم إليها وستشكل ذروتها.

لا شيء سوى الحروب في هذا الشرق. أكثر من نصف قرن من الحروب المتناسلة والمتصل بعضها ببعض على نحو يوحي بأن أيا منها لم ينجز مهمته. الحرب تورث أفقا لحرب تتولى بدورها فتح طريق لحرب تعقبها.

الغموض الذي يسبق أي حرب يجعل انتظارها في غاية القسوة

​​الأسبوع الفائت كانت الذكرى الـ 43 لاشتعال الحرب الأهلية اللبنانية، وهي بدورها حرب لم تكن أهلية وحسب، إنما حرب إقليمية أيضا وأحيانا أخذت أشكالا أممية، وسبقتها حروب وأعقبتها حروب.

كاتب هذه السطور لبناني من مواليد العام 1966 من منطقة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. بعد مولده بعام وقعت حرب الأيام الستة، وبعدها بثلاث سنوات حروب 1970 و1973. ولم يكن تجاوز سنواته التسع حتى بدأت الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975 والتي امتدت إلى العام 1990 وتخللها اجتياحان إسرائيليان عاشهما المراهق الذي كنته من ألفهما إلى يائهما.

اقرأ للكاتب أيضا: بشار الأسد مأزق العالم

وبعد التاريخ الرسمي لنهاية الحرب اللبنانية عشنا حروبا متقطعة مع إسرائيل في الأعوام 1993 و1996 و2006، وما أن وقعت هدنة على الحدود مع إسرائيل حتى استدار حزب الله نحونا وباشر حروبه معنا، فكانت واقعة 7 أيار/مايو 2008، وبعدها انتقل الحزب للقتال في سورية مستأنفا حروبا أهلية إقليمية لم ينج لبنان من تبعاتها.

خمسون عاما من الحروب المتواصلة شهدتها حياة رجل عمره اليوم 52 عاما. فأي خراب يمكن أن تحدثه هذه الحقيقة في وجدان هذا الشخص. الحرب هنا هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن أن تشكل وعيه وعلاقته بكل شيء. علاقته بالوقت وبالعمل وبأهله وبأولاده وبفهمه للمستقبل، وبردود أفعاله على أي واقعة وعلى أي مشهد يصادفه.

لكن المأساوي أكثر هو أن الخمسين عاما المنقضية ليست نهاية المطاف، فهذا الرجل بصدد معايشة حروب جديدة، وهو إذ ينتظرها مدركا أنه لن يموت في إحداها، يسأل نفسه ما إذا كانت استئنافا طبيعيا للحال التي ولد فيها. السلام ظرف غير طبيعي في حالة هذا الرجل الغريب والخرِب. كيف لسنوات، وإن كانت قليلة، أن تنقضي من دون أن تسعفه حرب بهديرها.

والحال أن هذيان الحرب لن يفضي به إلى اطمئنان لاحتمال ضبط ويلاتها. فالغموض الذي يسبق أي حرب يجعل انتظارها في غاية القسوة. الحرب نفسها لا تعرف شيئا عن أفقها وعن نفسها. التوقع هو ضرب من المستحيل وضرب من الموت الاستباقي.

عليك أنت الذي لم تقتلك كل هذه الحروب أن تنهي ما تبقى لك من عمر منتظرا الحرب القادمة

​​وبما أننا اليوم ننتظر حربا إسرائيلية إيرانية على أرضنا، فإن الخيال سيأخذنا إلى أن دولة نووية وتملك أسلحة فتاكة مثل إسرائيل ستفرغ كل ما في جعبتها على مدننا وقرانا! وسيأخذنا الخيال أيضا إلى أن دولة كبيرة تملك جيوشا جرارة مثل إيران سترسل مئات الآلاف من جنودها إلى بلادنا ليخوضوا حربا بعيدا عن حدودهم.

اقرأ للكاتب أيضا: وجه الشبه بيننا وبين تخلفنا

الأرجح أن ذلك لن يحصل بحرفيته، لكن لا يمكن ضبط الخيال، ولهذا الأخير ذخيرته وذاكرة يستعين فيها أثناء اشتغاله. خليط من مشاهد الاجتياحات الإسرائيلية ومشاهد من قوافل الجنود الإيرانيين أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وهذا يكفي لتوليد صور عن الحرب العتيدة التي تطرق أبوابنا.

لن نكون في هذه الحرب سوى وقودا لنزاع هائل لا صلة لنا فيه. إيران تريد تعويضا عن سلاحها النووي بتكثيف وجودها في سورية وفي لبنان، وإسرائيل تريد القضاء على رغبتها هذه. لا صلة لهذه الحرب بصراعنا مع إسرائيل وبحقوق الفلسطينيين بدولة مستقلة، ولا صلة لها بمخاوفنا من الطموحات الإمبراطورية الإيرانية. التسوية التي ستعقب هذه الحرب لن تأخذ في حسبانها أننا جزء من الصراع وجزء من التسوية. وهذا ما سيؤسس للحرب التي ستعقب هذه الحرب.

هذا ما يعنيه أن تكون جزءا من مجتمعات الحروب الأهلية، وأن لا تكون جزءا من هذا العالم السائر نحو مآلات أخرى. خمسون عاما لن تكفي لتغادر نفسك الخرِبة. عليك أنت الذي لم تقتلك كل هذه الحروب أن تنهي ما تبقى لك من عمر منتظرا الحرب القادمة. ألم يكن أجدى بك أن تقضي بواحدة منها، وأن تحرم ملوك الحروب وأمرائها من متعة سوقك إلى مزيد منها؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.