جزء نظام القبة الحديدة الإسرائيلي المصمم لإسقاط الصواريخ قصيرة المدى في الجولان
جزء نظام القبة الحديدة الإسرائيلي المصمم لإسقاط الصواريخ قصيرة المدى في الجولان

بقلم فارس خشّان/

ثمة سباق في سورية بين حلين. إما حل على الطريقة الإسرائيلية وإما على الطريقة الفرنسية.

هو في الواقع سباق بين "المستهدَف" وبين "الوسيط".

تل أبيب تحاول وضع خطوط حمراء ضد التمدد الإيراني في القسم الذي يعنيها من سورية، فيما تسعى فرنسا إلى إعادة الاعتبار لدور مجلس الأمن الدولي.

قبل الضربة الأميركية ـ الفرنسية ـ البريطانية كانت العين مسلطة على تداعيات الغارات العسكرية المؤلمة التي وجهها سلاح الطيران الإسرائيلي إلى مواقع إيرانية، في ظل تصعيد كبير في حرب "التهديدات" بين تل أبيب وطهران.

يفضل بوتين التعامل مع إسرائيل ومراعاة مصالحها في سورية على التعاطي مع المجتمع الدولي

​​بعد الضربة الغربية التي توسلت صواريخ "لطيفة وجديدة وذكية"، سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى إرسال مشروع قرار شامل إلى مجلس الأمن الدولي لاعتماد مضامينه "الوسطية" كحل للأزمة السورية، بعدما كان قد أعلن أن الضربة العسكرية التي شاركت بلاده فيها، إنما كانت لإبلاغ الروس بأن المجتمع الدولي ليس باللطافة التي يتوهمونها، عندما يجري تخطي الخطوط الحمراء التي يرسمها هذا المجتمع، وتاليا لابد من إعادة دور مجلس الأمن الدولي الذي يسلبه الفيتو الروسي.

وفي ذهن الغرب الذي اختبر رؤساؤه المتناوبون على مراكز القرار ذهنية فلاديمير بوتين، فإن الرئيس الروسي "الدائم" لا يحترم إلا الأقوياء. اللطفاء لا يعنيه أمرهم. هو يستغلهم.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية و... زمن الخيبة

ولكن هل حملت الضربة الغربية عناصر القوة التي تجعل بوتين "يحترم" الضالعين فيها؟

لا شيء يوحي برد إيجابي عن هذا السؤال.

المقارنة قد تعطي إشارات سلبية.

بعد العملية الإسرائيلية الأخيرة، اتصل بوتين ببنيامين نتانياهو، وكانت مناسبة لاطلاع الجميع على مطالب تل أبيب في سورية.

بعد العملية الغربية أصرت العواصم المعنية بها، على تأكيد مبادرتها هي للتواصل مع القيادة الروسية.

وإذا ما اعتمدت مرجعية هذه المقارنة، يتضح أن فلاديمير بوتين يعطي أهمية للضغط الإسرائيلي فيما يحاول قطع الطريق أمام تثمير الضربة الغربية.

وهذا بديهي، فالضالعون بالضربة الغربية جعلوا الجميع يفهم أنها "خطوة كاملة بذاتها"، فيما كانت إسرائيل تجزم بأن ضربتها ليست سوى خطوة جديدة في مسار تصاعدي.

وإذ اتضح أن تل أبيب موحدة ضد التمدد الإيراني في سورية، ظهرت العواصم الغربية منقسمة على نفسها، إذ إن أصوات المعترضين عليها ـ وبعضهم يحابون روسيا ـ كادت تكون متزامنة مع "ساعة القصف".

في ذهن الغرب فإن الرئيس الروسي "الدائم" لا يحترم إلا الأقوياء

​​وبينما تعمل إسرائيل على وضع شروطها على الطاولة من خلال صواريخها، بدا للجميع أن عواصم مشاركة في الضربة تستعمل بعض صواريخها لتجلس هي إلى الطاولة، بعدما أجبرت على مغادرتها، إثر "إجهاض" ضربة العام 2013 وتسليمها لروسيا بدور رائد لمصلحة بشار الأسد.

ويفضل بوتين التعامل مع إسرائيل ومراعاة مصالحها في سورية ـ تماما كما سبق له وفعل مع تركيا ـ على التعاطي مع المجتمع الدولي، لأنه في أخذه مصالح الدول الإقليمية بالاعتبار، يبقى القوة الدولية الكاسحة في الشرق الأوسط، في حين إن قبوله بحل ينتجه مجلس الأمن الدولي، يجعله، في أحسن الأحوال، متساويا مع الآخرين. وهذا لا يناسبه.

اقرأ للكاتب أيضا: "سيدر" و... سان جورج

بطبيعة الحال، إيران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استهداف نفوذها، خصوصا وهي تلتمس تطويقها، فحرية الرد على إسرائيل محدودة، سواء بالمصلحة الروسية أم باختلال الميزان الاستراتيجي، ووضعيتها الاقتصادية المتهاوية تنتظر الوصول إلى مستوى الخطر، في حال انسحبت واشنطن، في 12 أيار/مايو المقبل من الاتفاق النووي.

وتأسيسا على ذلك، فإن اعتماد الحل الفرنسي الذي تأمل باريس أن تنتجه الصواريخ "اللطيفة والجديدة والذكية" مستبعد، إذا لم تدخل على الخط قوة التهديد بصواريخ "غير لطيفة"، فيما إعطاء قوة دفع لموسكو في وجه طهران، حتى تتمكن من مراعاة مصالح إسرائيل في سورية، قد ينتج تقدما لحظوظ الحل الإسرائيلي، لأن إيران لن تسلم بانحسار نفوذها عن الخط الذي يعني إسرائيل في سورية، إلا بعد تأزيم كبير يحمل في طياته مشاهد حربية مرعبة.

وسط هذا المشهد الذي يقدم الحل الإسرائيلي على ما عداه، فإن الأنفاس يحبسها شعور كبير بأن العالم يعيش حاليا تحت رحمة خطأ في... الحساب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟