حفتر في صورة تعود لعام 2015
حفتر في صورة تعود لعام 2015

بقلم بين فيشمان/

في العاشر من نيسان/أبريل، ترددت شائعات في أرجاء ليبيا وواشنطن مفادها أن الشخصية العسكرية المؤثرة والمرشح المحتمل للرئاسة خليفة حفتر قد أرسل إلى باريس لتلقي العلاج الطبي بسبب حالة صحية طارئة.

وعقب التقارير اللاحقة بأن القائد السبعيني ربما توفي أو تعرض لسكتة دماغية خطيرة، أعلن ممثل الأمم المتحدة غسان سلامة أنه "تواصل عبر الهاتف" مع حفتر وناقش معه "الوضع العام في ليبيا". وهو تصريح يعني أن حفتر على قيد الحياة، ولا شيء آخر.

من جهتهم، أصر المتحدثون باسم حفتر وحلفاؤه على أنه بخير، لكن اختفاء القائد الذي يكثر عادة من إطلالاته الإعلامية يشير إلى خلاف ذلك.

وسواء عاد حفتر إلى وطنه أم لا، فإن سمعته كقائد قوي وآماله بقيادة ليبيا ما بعد الحرب قد تضررت ـ في تطور قد يؤثر على التوازن السياسي في البلاد، واستقرار مناطقها الشرقية المنتجة للنفط، وكذلك الآمال بإجراء انتخابات هذا العام، ونشاط الجماعات الجهادية. ومن أجل تجنب هذه السيناريوهات، على واشنطن العمل مع فرنسا وبريطانيا وحلفاء آخرين لصياغة استراتيجية شاملة لمرحلة ما بعد حفتر.

التجرد من أسطورة حفتر

في عام 1969، كان حفتر ضابطا في الجيش تآمر مع العقيد معمر القذافي للإطاحة بالملك إدريس. وبحلول عام 1987، تولى قيادة قوات في حرب ليبيا المتعثرة ضد تشاد التي أسفرت عن اعتقاله. وتخلى القذافي عن حفتر ومئات السجناء الآخرين الذين شاركوا في ذلك الصراع ـ في خيانة ملموسة دفعت بالقائد إلى الانقلاب على النظام والانضمام إلى جماعة معارضة مقرها في تشاد.

حتى إذا تعافى حفتر وعاد إلى بنغازي، يبدو أن مكانته قد تضررت بشكل يتعذر إصلاحه

​​وفي وقت لاحق، تلقت هذه الجماعة تدريبا سريا من الولايات المتحدة في إطار محاولات إدارة ريغان للإطاحة بالقذافي. وعندما فشلت تلك الخطة، هرب حفتر إلى تشاد واستقر في النهاية في الولايات المتحدة، حيث عاش ما يقرب من عقدين من الزمن قبل عودته إلى بنغازي فور انطلاق ثورة 2011.

ولم يلعب حفتر دورا مؤثرا في الثورة. غير أنه في 2014، وبعد موجة من الاغتيالات استهدفت أفرادا ومسؤولين أمنيين ونشطاء من النظام السابق، استغل حفتر الإحباط المتنامي في بنغازي وأعلن عن "معركة عملية الكرامة"، وهي حملة عسكرية كانت تهدف إلى تطهير ليبيا ممن أسماهم بالإرهابيين الإسلاميين.

وردا على تلك العملية، شكل الثوار الذين تحملوا العبء الأكبر من الصراع ـ بمن فيهم العديد من الإسلاميين ـ ميليشيا خاصة بهم حملت اسم "فجر ليبيا". وقد حصدت الحرب التي تلت ذلك آلاف الأرواح، ودمرت بنية تحتية مهمة، ومكنت جناح داعش الناشئ في ليبيا من التوسع.

وقد انتهى النزاع في أواخر 2015 بفضل "الاتفاق السياسي الليبي" الذي توسطت فيه الأمم المتحدة وتم تشكيل "حكومة الوفاق الوطني" في وقت لاحق، لكن حفتر وحلفاءه السياسيين رفضوا كلا المبادرتين في نهاية المطاف، وقوضوا بذلك فرصة التوصل إلى حل سياسي دائم.

وطوال هذه الفترة، تلقى حفتر الدعم من جهات خارجية فاعلة مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر، اللتين شاركتاه أيديولوجيته المتشددة المعادية للإسلاميين. فقد قام البلدان بقصف مواقع "فجر ليبيا" في طرابلس مرة واحدة على الأقل، في حين استهدفت مصر الإسلاميين في شرق ليبيا ردا على هجمات تنظيم "داعش" في شبه جزيرة سيناء. وقامت الدولتان بتزويد حفتر بالأسلحة والعتاد في خطوة شكلت انتهاكا لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة.

أما روسيا فقد استمالته هي الأخرى أيضا، حيث تردد أنها أرسلت مدربين إلى قواته في الشرق. وكانت فرنسا سباقة في هذا المجال ـ ففضلا عن قيامها بمهمات مكافحة الإرهاب انطلاقا من القاعدة الجوية الخاضعة لسيطرة حفتر، فقد استضافه الرئيس إيمانويل ماكرون في باريس في تموز/يوليو الماضي، ليكون بذلك أول زعيم أوروبي يعامله على قدم المساواة مع رئيس الوزراء الليبي.

لكن خلال العام الماضي، بدأ حلفاء حفتر الدوليون يستاؤون منه بسبب وعوده المتكررة بتحقيق النصر الكامل وتفاخره بشأن سيطرته على مناطق شاسعة دون دعم أقواله بأفعال على الأرض.

كان حفتر ضابطا في الجيش تآمر مع العقيد معمر القذافي للإطاحة بالملك إدريس

​​فبنغازي لم تكن يوما بمنأى تام عن الإرهاب، كما اتضح من محاولة اغتيال واضحة استهدفت جنرالا في "الجيش الوطني الليبي" في 18 نيسان/أبريل الحالي. كما لم تتمكن قوات حفتر من الاستحواذ على مدينة درنة الشرقية على الرغم من الحصار القاسي، وتجنب فصيله بشكل كامل الانخراط في الحملة ضد تنظيم "داعش" التي أطلقت في سرت عام 2016، تاركا القتال على عاتق ائتلاف ميليشيات بقيادة الإسلاميين من مدينة مصراتة.

وعندما ضعفت مكانة حفتر في الخارج، بدأ ائتلافه المحلي بالتصدع أيضا، إذ يستمد الجزء الأكبر من قوته الداخلية من علاقاته الخارجية. ومع ذلك، فإن شهرته وسمعته كرجل قوي أبقته مرشحا محتملا قويا للرئاسة قبل مرضه.

وبالمثل، فإن شبكة نفوذه في الشرق وسيطرته على المناطق المنتجة للنفط جعلت منه صاحب نفوذ في (أو قادرا على إفساد) أي جهد لتحقيق الاستقرار في البلاد.

دعم خطة عمل الأمم المتحدة

في أيلول/سبتمبر، وافق مجلس الأمن الدولي على خطة عمل أعدتها "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" لدفع عملية الانتقال السياسي قدما. وقد حددت الخطة إطارا زمنيا طموحا لاعتماد الدستور، وعقد حوار وطني، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، جميعها في 2018.

وبالنسبة إلى حفتر، كان احتمال حكم ليبيا عن طريق انتخابات شرعية، بدلا من غزو عسكري لا يمكن تحقيقه، أمرا جذابا للغاية. فقد حاول تصوير نفسه على أنه عنصر أساسي لخطة العمل، تماما كما فعل بين عامي 2015 و2016 مع "الاتفاق السياسي الليبي" و"حكومة الوفاق الوطني".

وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، أشار إلى احتمال مشاركته في الانتخابات المقبلة، لكن بعد مرور شهرين حذر من أن ليبيا قد لا تكون مستعدة لنظام ديمقراطي منذرا بالسوء من القيام بذلك. وبعبارة أخرى، كان يبدو وكأنه سيرشح نفسه للرئاسة أو يمنع إجراء الانتخابات.

وفي 12 نيسان/أبريل، أطلع مبعوث "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" غسان سلامة وزراء الخارجية العرب على مستجدات خطة العمل خلال اجتماع عقد في السعودية.

عندما ضعفت مكانة حفتر في الخارج، بدأ ائتلافه المحلي بالتصدع أيضا

​​وبعد أن أعرب عن أمله في تمرير ليبيا قريبا قانونا لبدء استفتاء على الدستور، أشار إلى أن الحوار الوطني قد بدأ في بعض المدن، وأنه من المقرر عقد مؤتمر وطني في الصيف المقبل. وذكر أيضا أن الانتخابات المحلية ستجري قريبا، على أن تليها الانتخابات البرلمانية.

وفي الوقت نفسه، أقر بأن "حوار البعثة الواسع النطاق مع مختلف الأطراف المسلحة في ليبيا" ما زال يمثل تحديا، لا سيما فيما يتعلق بمسائل مثل السماح بإجراء انتخابات، وتفكيك قواتها، وإنشاء جيش وطني.

البدائل ما بعد حفتر

حتى إذا تعافى حفتر وعاد إلى بنغازي، يبدو أن مكانته قد تضررت بشكل يتعذر إصلاحه، كما أنه ليس هناك خلف واضح له. وإذا أصبح عاجزا أو جرى تحييده، من المرجح أن يقوم ورثته المحتملون بمقاتلة بعضهم البعض للحصول على التمويل الأجنبي والمحلي الذي كان ضروريا لبسط نفوذه، بينما من المرجح أن يعيد حلفاؤه المناهضون للإسلاميين في غرب البلاد وجنوبها تأكيد استقلالهم إلى حين بروز قائد آخر يمدهم بالأموال والأسلحة. وفي ليبيا، لا تتنبأ الأيديولوجيا وحدها بدرجة كافية بالتحالفات الاستراتيجية لفصيل ما.

وخلال المرحلة المقبلة، هناك خياران أمام سلامة والأمم المتحدة. فبإمكانهما الالتزام بخطة العمل والتفاوض مع مجموعة أكبر من الجهات الفاعلة لتسهيل إجراء استفتاء وانتخابات سلمية، أو بإمكانهما السعي إلى تعديل الإطار الزمني للخطة وتسلسلها، من خلال العمل مع "حكومة الوفاق الوطني"، والقادة المدنيين في مجلس النواب ومقره في شرق البلاد الخاضع لتأثير حفتر، ومع خالد المشري، الرئيس المنتخب حديثا لـ "المجلس الأعلى للدولة"، وهو هيئة تشريعية تتمتع بسلطة غير محددة بموجب "الاتفاق السياسي الليبي". وقد سبق لسلامة أن أعرب عن حاجته إلى تعاون كل فريق من أجل تمرير تشريع الاستفتاء.

وفي إطار السيناريو الأخير، بإمكان "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" تشجيع السلطات الليبية على اتخاذ خطوات تحضيرية قبل إجراء الاستفتاء والانتخابات الوطنية ـ أي إجراء انتخابات بلدية، وتمكين مبادرات التنمية المحلية الممولة من ميزانية متفق عليها، وعقد المؤتمر الوطني. وقد يتمكن المسؤولون المنتخبون محليا والمشاركون في المؤتمر من رسم معالم الإعداد لقانون انتخابي وحشد الزخم للانتخابات الوطنية.

ومن جانبها، لم تكن الولايات المتحدة راغبة في الانخراط في السياسة الليبية خلال إدارة ترامب، وقد ركزت عوضا عن ذلك على شن ضربات جوية منتظمة ضد أهداف تابعة لتنظيمي "داعش" و"القاعدة". ولكن نظرا إلى النهاية المحتملة الوشيكة لحفتر، يتعين على واشنطن إعادة التركيز على قضايا الانتقال السياسي.

وإذا حصل انقسام في صفوف حلفاء حفتر، فستزداد وتيرة العنف وسيعود ذلك بالفائدة على تنظيم "داعش" أو جهاديين آخرين، كما حدث في 2014. ويكمن الحل في الحد من أي أعمال مماثلة لكي تتمكن "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" من تنفيذ خطة العمل.

وتحقيقا لهذه الغاية، على واشنطن إرسال مستشارين لدعم جهود "بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا" الرامية إلى دمج الميليشيات. كما عليها طلب مساعدة حلفائها لتمويل "صندوق تحقيق الاستقرار في ليبيا" التابع لـ "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي"، ليكون لدى المجالس البلدية مشاريع جديدة لإطلاقها فور انتهاء الانتخابات المحلية.

وأخيرا، على الإدارة الأميركية أن تضغط على الشركاء الأوروبيين والعرب من أجل زيادة دعمهم السياسي والمالي الأوسع للأمم المتحدة وتجنب استمالة خلفاء حفتر المحتملين ـ وهو خطأ على صعيد السياسة ساهم في الانقسامات التي تشهدها ليبيا في الوقت الحالي.

بين فيشمان، هو زميل مشارك في معهد واشنطن، وقد عمل مديرا لشؤون شمال أفريقيا في "مجلس الأمن القومي" الأميركي في الفترة 2011 ـ 2013.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟