أمهات فتيات خطفتهن جماعة بوكو حرام المتطرفة، يحيين الذكرى الرابعة لاختطافهن
أمهات فتيات خطفتهن جماعة بوكو حرام المتطرفة، يحيين الذكرى الرابعة لاختطافهن

بقلم مالك العثامنة/

يقول الخبر المتداول نقلا عن مصدر رسمي في اليونيسيف الأسبوع الماضي إن عناصر جماعة بوكو حرام خطفوا أكثر من ألف طفل في نيجيريا منذ عام 2013.

الخبر (مثل غيره من أخبار مشابهة عن خطف أطفال) ينتهي حيث بدأ. فلا أحد (إلا ذوي العلم والمعرفة) يعرف أين ينتهي هؤلاء الأطفال في مجاهل تلك الحركات المتطرفة التي بات وجودها يشبه حركات الأشباح.

لكن لا نحتاج إلى الكثير من الذكاء لنتخيل مستقبل هؤلاء الأطفال، ولا أتحدث عن الألف في نيجيريا وحسب، بل عن كل الأطفال الذين أنتجهم التطرف ورماهم ثم خطفهم إلى مجاهله.

لا فرق كبير بين الناتج المعرفي لأطفال "داعش" والناتج المعرفي لغالبية خريجي المدارس النظامية في العالم العربي

​​ألف طفل تقريبا؛ نحن هنا نتحدث عن مشروع كتيبة عسكرية فريدة من نوعها، لا أب ولا أم، لا ارتباطات أسرية. مشروع كتيبة من قتلة مغسولة أدمغتهم بامتياز سيتلقون منذ نعومة أظفارهم التي ستخشن بعد قليل حتى بلوغهم مرحلة يتمكنون فيها من حمل السلاح، تعليما صارما على قواعد وأسس منهاج "إدارة التوحش"، الكتاب التعليمي الذي لم يجد صعوبة في اختراق عقول بالغين فآمنوا بكل الدم الذي احتواه الكتاب الشيطاني الفظيع.

اقرأ للكاتب أيضا: عن شابين: أحدهما شغل العالم والآخر رحل عنه مقهورا

في المقابل..

نحن أمام أجيال من أطفال ويافعين على مقاعد الدراسة النظامية في العالم العربي، يتلقون علومهم ومعارفهم التي تشرف عليها وزارات التربية في مناهج يفترض أنها مدروسة ومعدة بعناية. لكن واقع الحال يضعنا أمام مناهج "تربوية وطنية" تصر على التلقين الأعمى، وتجنب النقاش والجدل والتفكير في ما يرد من "معارف" محشورة بين الأغلفة.

ومن جهة أخرى نجد قراءة عمياء لمناهج التربية الإسلامية وعلوم العقيدة في المدارس والكليات والمعاهد والجامعات التي تعتمد التلقين أيضا وتعطل الفكر الحر "والاجتهاد" المنطقي الذي لو تم إطلاقه وإطلاق العقل لشهدنا حركة تطور معرفي ومجتمعي غير مسبوقة.

لا فرق كبير بين الناتجين؛ الناتج المعرفي لأطفال "داعش"، والناتج المعرفي لغالبية خريجي المدارس النظامية في العالم العربي. الفارق فقط هو في المسافة الزمنية التي يحتاجها الطالب العادي النظامي لتشغيل صواعق "العتمة" المزروعة في أعماق عقله الباطن.

إنك حين تردد على مسامعي "كطفل" الآية القرآنية "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، ثم تعكف منهمكا بحشو عقلي ووجداني أن الرجل ذا اللحية نصف الأمي ونصف الجاهل الحافظ فقط للكتب القديمة هو ذلك العالم المقصود في الآية، فإنني كطفل سأكبر وتنمو مداركي مقتنعة بقدسية هذا الأمي الجاهل، وتصبح توجيهاته بالضرورة تحمل صفة المقدس، مهما كانت تلك التوجيهات.

طبعا، سيثير هذا الكلام حنق كثيرين من حراس "التعصب الديني" والذين يعتقدون راسخين بيقينهم أنهم ولدوا فقط لحماية الدين "كما يعرفونه وحفظوه"، لكن هم أنفسهم في الحقيقة محصلة طبيعية للمعادلة التي لم تنكسر منذ وجد الشيخ "الكاهن الإسلامي" طريقه للتحالف مع سلطة المستبد السياسية.

تمنيت لو تلتئم القمة العربية مرة واحدة ولا تضع على جدول أعمالها إلا بندا واحدا، وهو "التعليم"

​​في دراستي الجامعية الأولى، ومنذ السنة الأولى في أوائل تسعينيات القرن الماضي في جامعة حكومية جنوب الأردن، كان من المواد الإجبارية مادة "الثقافة الإسلامية". وفي تلك المادة الجامعية لم يكن مسموحا لنا النقاش إلا في حدود الكتاب الوحيد المفروض علينا من مدرس المادة وبموافقة قسم دراسات الشريعة. الكتاب كان طبعا "معالم على الطريق" لقطب حركة الإخوان المسلمين المتطرف سيد قطب، والذي وضع في كتابه الأسس المنهجية الأولى لمن بعده من متطرفين، فألفوا كتابهم المتوحش "إدارة التوحش". ومن مصادر كتاب قطب نفسه علوم ابن تيمية، الشيخ المتطرف الذي وضع في فتاويه كل ما يمكن من دم وذبح، وقد وصفه معاصره في زمنه الرحالة ابن بطوطة بقوله "... وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون. إلا أن في عقله شيئا".

اقرأ للكاتب أيضا: ليبيا، متاهة الحل المفرودة على جغرافيا شاسعة

هذا ما تلقاه جيلي في جامعة يفترض أنها تعتمد مناهج البحث العلمي وأولها النقاش والجدل والسؤال والمحاورة، ولنا أن نتخيل ما تلقيناه (ولا يزال يتلقاه من بعدنا) في المدراس التي تعتمد سلطة المدرس الأبوية الصارمة والتلقين الأعمى وحشو العقول.

نعم، هناك حلول كثيرة لأطفال يختطفهم التطرف؛ حلول أمنية وحلول نفسية وعسكرية وكثير من النظريات الممكنة في إعادة تأهيلهم، لكن الحل الجذري الأكبر يكمن في باقي الأجيال من يافعين وأطفال في العالم العربي الذين يحتاجون إلى ثورة علمية ومعرفية تتواءم وواقعهم المحيط والمتخم بتكنولوجيا المعلومات بكل الفوضى التي تعصف بها.

تمنيت لو مرة واحدة أن تلتئم القمة العربية برؤسائها وزعمائها وملوكها فلا تضع على جدول أعمالها إلا بندا واحدا، وهو "التعليم". لو فعلوها.. لنفعوا بلدانهم مدى العمر وقضوا على الإرهاب بضربة طويلة المدى لكنها ناجزة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.