قد يكون "الحالف الإسلامي" الذي تقوده السعودية الحل للقوة المقترحة في سورية
قد يكون "الحالف الإسلامي" الذي تقوده السعودية الحل للقوة المقترحة في سورية

بقلم عريب الرنتاوي/

تسعى الولايات المتحدة لإقناع عدد من الدول العربية، كي ترسل وحدات من قواتها البرية لتحل محل القوات الأميركية المنتشرة في شمال سورية وشمالها الشرقي... وإذ أبدت السعودية استعدادا للاستجابة للطلب الأميركي، فقد آثرت دول أخرى، التزام الصمت حيال هذه المسألة، فيما تسود شكوك عميقة في قدرة الدول المستهدفة على الاستجابة لهذا الطلب، إن لأسباب سياسية أو لأسباب تتعلق بقدراتها القتالية.

مصر، هي أكبر دولة من الدول المستهدفة، ولديها أحد أكبر الجيوش في المنطقة، بيد أنها على الأرجح، لن تستجيب للطلب الأميركي، لأسباب سياسية وعملية. سياسيا، تنتهج القاهرة سياسة "الاشتباك الإيجابي" مع النظام السوري، فهي تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة مع الأسد، ولديها بعثة أمنية مقيمة في دمشق، وسبق أن أسهمت في ترتيبات "خفض التصعيد" في منطقة الغوطة الشرقية، وهي تعارض المطالب بإسقاط النظام بالقوة العسكرية، وتدعو لحل سياسي توافقي للأزمة السورية، وعبرت عن "قلقها العميق" للضربة العسكرية الأميركية (الثلاثية) لسورية قبل عدة أيام.

ميدانيا، يخوض الجيش المصري معارك ضارية في شبه جزيرة سيناء ضد الجماعات الإرهابية، وعلى الرغم من كثافة الحشد العسكري والاستخدام الكثيف لمعظم أسلحة الجيش، إلا أن معركة مصر مع الإرهاب، ما زالت أبعد من أن تضع أوزارها، أقله في المدى المنظور.

ربما يجري الاكتفاء بوحدات رمزية، أو ضباط قيادة من الدول العربية الغنية

​​ولدى مصر حدود مترامية شرقا وجنوبا، وقد جرى التسلل منها لتنفيذ عمليات إرهابية أو تهريب السلاح والمقاتلين، ومن المستبعد أن تنخرط مصر ميدانيا في حرب في سورية، وعلى مسافة بعيدة من حدودها، وإن كان من غير المستبعد، أن تعبر رمزيا، وتحت الضغط، عن دعمها لأي تحالف عربي أو إسلامي في سورية، يضع هدف محاربة داعش في صدارة أولوياته.

اقرأ للكاتب أيضا: عن قمة الظهران قبل التئامها

السعودية، هي ثاني أكبر دولة مستهدفة بالطلب الأميركي، ولديها جيش كبير نسبيا، مجهز بأحدث ما أنتجته التكنولوجيا الغربية من أسلحة وذخائر، ولديه سلاح جو ضارب.

لكن السعودية، مع ذلك، وبرغم مئات مليارات الدولارات التي أنفقتها على التسلح خلال العقود الفائتة، ما زالت عاجزة عن كسب الحرب مع جماعة الحوثيين في اليمن، وهي الحرب التي قدر لها أن تستغرق ثلاثة أسابيع، فإذا بها تدخل عامها الرابع من دون جدوى.

غرق السعودية في المستنقع اليمني، سيشكل بلا ريب، هاجسا ثقيلا عند صناع القرار في الرياض، ولا أحسب أن أي تفكير سليم، سيدفع بالمملكة للتورط في حرب جديدة في سورية، قبل أن تخرج بماء الوجه، من حربها القديمة في اليمن.

الإمارات، دولة صغيرة نسبيا بموارد مالية كبيرة للغاية، نجحت في بناء قوة عسكرية محترفة، ومزودة بأحدث أنواع الأسلحة البرية والبحرية والجوية، وقد خاضت قواتها بعض المعارك والمواجهات، في اليمن وليبيا، وربما في غيرهما. لكن الدولة الصغيرة، لديها حساسية مفرطة حيال "الخسائر البشرية" نظرا لقلة عدد سكانها، وغياب أية "حافزية" لديهم للتضحية بأبنائهم في معارك يصعب عليهم فهم مدى ارتباطها بأمنهم الوطني.

وما ينطبق على الإمارات، ينطبق بدرجة أعلى قطر، فالإمارة الصغيرة، ستجد صعوبة بالغة، في توفير ما تطلبه منها الولايات المتحدة.

ليست هذه هي المشاكل الوحيدة التي تواجه استجابة الدولة المستهدفة لطلب إدارة الرئيس دونالد ترامب. ثمة عوائق ومشكلات أخرى، سيتعين تذليلها، منها الخلاف القطري مع الدول الثلاث الأخرى، والذي وصل حد غياب (أو تغييب) الأمير تميم لأول مرة عن قمة عربية منذ توليه مقاليد الحكم في قطر.

ومن المشاكل أن قيادة هذه القوة المقترحة، ستكون موضع تجاذب بين الرياض والقاهرة في حال استجابت العاصمتان لطلب إدارة ترامب. ومنها أن هذه القوات، ستنتشر على مبعدة من مواطنها ومراكزها، فيما طرق إمدادها، ستكون طويلة جدا، بل ومحفوفة بمخاطر جمة.

طرق الإمداد وحدها، ستكون مشكلة بحد ذاتها، فالمناطق التي ستنتشر فيها هذه القوات، "داخلية" في معظمها، والوصول إليها سيكون متعذرا من البحر، ورهنا بمواقف أنقرة المتشككة والمتحفظة، أو بقبول العراق فتح حدوده أمامها، أو بموافقة الأردن على ذلك، شريطة النجاح في طرد القوات السورية والمليشيات الرديفة لها، المنتشرة من شرق البادية وحتى الحدود مع العراق.

والأرجح أن ما تستطيع القوات الأميركية فعله والحصول عليه في أماكن انتشارها الراهنة، لن يكون سهلا على القوات العربية الحصول عليه عندما تحل محلها.

قيادة هذه القوة المقترحة، ستكون موضع تجاذب بين الرياض والقاهرة في حال استجابت العاصمتان لطلب إدارة ترامب

​​سيكون منتظرا من هذه القوات منع عودة داعش، وقطع الطرق الإيرانية البرية التي تربط العراق بسورية، وصولا إلى لبنان. وسيكون من مهامها، دعم وحدات الحماية أو التعاون معها على الأقل، الأمر الذي سيضعها في مواجهة مباشرة مع تركيا والمليشيات المحسوبة عليها، خصوصا مع تردي العلاقة بين أنقرة وثلاثة عواصم من العواصم الأربعة المستهدفة: القاهرة، أبو ظبي والرياض، وثمة شكوك عميقة لدى القيادة التركية، بأن بعض دول الخليج "تتآمر" عليها، وسبق أن دعمت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016، وأنها تحتفظ بعلاقات وطيدة مع خصومها الأكراد.

وإيران بدورها، لن تقف مكتوفة الأيدي، وهي ترى خصومها الخليجيين، يحتشدون لتقطع أوصال ممراتها البرية، وتقليص نفوذها الإقليمي، وهذا سيضع القوة العربية، تحت مرمى نيران إيران والمليشيات المحسوبة عليها كذلك، وليس من المعروف، كيف يمكن للولايات المتحدة أن تدعم وتساند هذه القوة، وما هي حدود هذا الدعم وأشكاله.

اقرأ للكاتب أيضا: من "الأممية البروليتارية" إلى "الأممية الإسلامية"

وقد تصبح هذه القوة، هدفا مشتركا، مباشرا أو غير مباشر، للقوتين الإقليميتين الأكثر تأثيرا على الأرض السورية: تركيا وإيران، وثمة ما يشي بأن هاتين القوتين، قادرتان على احتواء وتنظيم خلافاتهما، إن اقتضت مصلحتها المشتركة ذلك. والأزمة السورية، وفرت أمثلة عديدة على قدرتهما على التعاون وتعليق الخلافات، وأحيانا بنجاح مذهل.

إن هذه العوائق والتحديات لا تعني أن الدول المستهدفة ستقف عاجزة بلا حراك أمام الطلب الأميركي. ولعل في فكرة "التحالف الإسلامي" التي شدد عليها الوزير السعودي عادل الجبير، محاولة لتذليل هذه العوائق. وربما تعمد الدول المقتدرة ماليا من بينها، على إعادة إنتاج تجربتها في حرب اليمن، فتستجلب قوات من دول عربية وإسلامية فقيرة، بل وربما يجري استقدام وحدات عسكرية شبه نظامية أو وكالات أمنية (مرتزقة)، فالسعودية، وبدرجة أقل الإمارات، تفادت إرسال قوات برية وازنة لليمن، وهي استدعت ألوف الجنود السودانيين، وألوف المقاتلين الأفارقة (آخر دفعة من تشاد)، فضلا عن المليشيات اليمنية المحسوبة على كلا الفريقين.

في سورية، ربما يجري الاكتفاء بوحدات رمزية، أو ضباط قيادة من الدول الغنية المذكورة، بيد أن غالبية القوى الضاربة، ستكون من الدول الفقيرة والمنظمات والوكالات، وثمة عشرات ألوف المقاتلين السوريين الذين تقطعت بهم السبل، بالذات بعد معارك الغوطة الشرقية، المستعدين لإعادة تنظيم صفوفهم، والقتال تحت راية القوة العربية، إن وجدوا من يوفر لهم المال والسلاح، وهما متوفران على أية حال، وبغزارة، لدى ثلاث دول من الدول الأربع المعنية، سيما وأن كثرة من هؤلاء المقاتلين، اعتادت الحصول على الدعم والتمويل الخليجيين.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.