قد يكون "الحالف الإسلامي" الذي تقوده السعودية الحل للقوة المقترحة في سورية
قد يكون "الحالف الإسلامي" الذي تقوده السعودية الحل للقوة المقترحة في سورية

بقلم عريب الرنتاوي/

تسعى الولايات المتحدة لإقناع عدد من الدول العربية، كي ترسل وحدات من قواتها البرية لتحل محل القوات الأميركية المنتشرة في شمال سورية وشمالها الشرقي... وإذ أبدت السعودية استعدادا للاستجابة للطلب الأميركي، فقد آثرت دول أخرى، التزام الصمت حيال هذه المسألة، فيما تسود شكوك عميقة في قدرة الدول المستهدفة على الاستجابة لهذا الطلب، إن لأسباب سياسية أو لأسباب تتعلق بقدراتها القتالية.

مصر، هي أكبر دولة من الدول المستهدفة، ولديها أحد أكبر الجيوش في المنطقة، بيد أنها على الأرجح، لن تستجيب للطلب الأميركي، لأسباب سياسية وعملية. سياسيا، تنتهج القاهرة سياسة "الاشتباك الإيجابي" مع النظام السوري، فهي تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة مع الأسد، ولديها بعثة أمنية مقيمة في دمشق، وسبق أن أسهمت في ترتيبات "خفض التصعيد" في منطقة الغوطة الشرقية، وهي تعارض المطالب بإسقاط النظام بالقوة العسكرية، وتدعو لحل سياسي توافقي للأزمة السورية، وعبرت عن "قلقها العميق" للضربة العسكرية الأميركية (الثلاثية) لسورية قبل عدة أيام.

ميدانيا، يخوض الجيش المصري معارك ضارية في شبه جزيرة سيناء ضد الجماعات الإرهابية، وعلى الرغم من كثافة الحشد العسكري والاستخدام الكثيف لمعظم أسلحة الجيش، إلا أن معركة مصر مع الإرهاب، ما زالت أبعد من أن تضع أوزارها، أقله في المدى المنظور.

ربما يجري الاكتفاء بوحدات رمزية، أو ضباط قيادة من الدول العربية الغنية

​​ولدى مصر حدود مترامية شرقا وجنوبا، وقد جرى التسلل منها لتنفيذ عمليات إرهابية أو تهريب السلاح والمقاتلين، ومن المستبعد أن تنخرط مصر ميدانيا في حرب في سورية، وعلى مسافة بعيدة من حدودها، وإن كان من غير المستبعد، أن تعبر رمزيا، وتحت الضغط، عن دعمها لأي تحالف عربي أو إسلامي في سورية، يضع هدف محاربة داعش في صدارة أولوياته.

اقرأ للكاتب أيضا: عن قمة الظهران قبل التئامها

السعودية، هي ثاني أكبر دولة مستهدفة بالطلب الأميركي، ولديها جيش كبير نسبيا، مجهز بأحدث ما أنتجته التكنولوجيا الغربية من أسلحة وذخائر، ولديه سلاح جو ضارب.

لكن السعودية، مع ذلك، وبرغم مئات مليارات الدولارات التي أنفقتها على التسلح خلال العقود الفائتة، ما زالت عاجزة عن كسب الحرب مع جماعة الحوثيين في اليمن، وهي الحرب التي قدر لها أن تستغرق ثلاثة أسابيع، فإذا بها تدخل عامها الرابع من دون جدوى.

غرق السعودية في المستنقع اليمني، سيشكل بلا ريب، هاجسا ثقيلا عند صناع القرار في الرياض، ولا أحسب أن أي تفكير سليم، سيدفع بالمملكة للتورط في حرب جديدة في سورية، قبل أن تخرج بماء الوجه، من حربها القديمة في اليمن.

الإمارات، دولة صغيرة نسبيا بموارد مالية كبيرة للغاية، نجحت في بناء قوة عسكرية محترفة، ومزودة بأحدث أنواع الأسلحة البرية والبحرية والجوية، وقد خاضت قواتها بعض المعارك والمواجهات، في اليمن وليبيا، وربما في غيرهما. لكن الدولة الصغيرة، لديها حساسية مفرطة حيال "الخسائر البشرية" نظرا لقلة عدد سكانها، وغياب أية "حافزية" لديهم للتضحية بأبنائهم في معارك يصعب عليهم فهم مدى ارتباطها بأمنهم الوطني.

وما ينطبق على الإمارات، ينطبق بدرجة أعلى قطر، فالإمارة الصغيرة، ستجد صعوبة بالغة، في توفير ما تطلبه منها الولايات المتحدة.

ليست هذه هي المشاكل الوحيدة التي تواجه استجابة الدولة المستهدفة لطلب إدارة الرئيس دونالد ترامب. ثمة عوائق ومشكلات أخرى، سيتعين تذليلها، منها الخلاف القطري مع الدول الثلاث الأخرى، والذي وصل حد غياب (أو تغييب) الأمير تميم لأول مرة عن قمة عربية منذ توليه مقاليد الحكم في قطر.

ومن المشاكل أن قيادة هذه القوة المقترحة، ستكون موضع تجاذب بين الرياض والقاهرة في حال استجابت العاصمتان لطلب إدارة ترامب. ومنها أن هذه القوات، ستنتشر على مبعدة من مواطنها ومراكزها، فيما طرق إمدادها، ستكون طويلة جدا، بل ومحفوفة بمخاطر جمة.

طرق الإمداد وحدها، ستكون مشكلة بحد ذاتها، فالمناطق التي ستنتشر فيها هذه القوات، "داخلية" في معظمها، والوصول إليها سيكون متعذرا من البحر، ورهنا بمواقف أنقرة المتشككة والمتحفظة، أو بقبول العراق فتح حدوده أمامها، أو بموافقة الأردن على ذلك، شريطة النجاح في طرد القوات السورية والمليشيات الرديفة لها، المنتشرة من شرق البادية وحتى الحدود مع العراق.

والأرجح أن ما تستطيع القوات الأميركية فعله والحصول عليه في أماكن انتشارها الراهنة، لن يكون سهلا على القوات العربية الحصول عليه عندما تحل محلها.

قيادة هذه القوة المقترحة، ستكون موضع تجاذب بين الرياض والقاهرة في حال استجابت العاصمتان لطلب إدارة ترامب

​​سيكون منتظرا من هذه القوات منع عودة داعش، وقطع الطرق الإيرانية البرية التي تربط العراق بسورية، وصولا إلى لبنان. وسيكون من مهامها، دعم وحدات الحماية أو التعاون معها على الأقل، الأمر الذي سيضعها في مواجهة مباشرة مع تركيا والمليشيات المحسوبة عليها، خصوصا مع تردي العلاقة بين أنقرة وثلاثة عواصم من العواصم الأربعة المستهدفة: القاهرة، أبو ظبي والرياض، وثمة شكوك عميقة لدى القيادة التركية، بأن بعض دول الخليج "تتآمر" عليها، وسبق أن دعمت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016، وأنها تحتفظ بعلاقات وطيدة مع خصومها الأكراد.

وإيران بدورها، لن تقف مكتوفة الأيدي، وهي ترى خصومها الخليجيين، يحتشدون لتقطع أوصال ممراتها البرية، وتقليص نفوذها الإقليمي، وهذا سيضع القوة العربية، تحت مرمى نيران إيران والمليشيات المحسوبة عليها كذلك، وليس من المعروف، كيف يمكن للولايات المتحدة أن تدعم وتساند هذه القوة، وما هي حدود هذا الدعم وأشكاله.

اقرأ للكاتب أيضا: من "الأممية البروليتارية" إلى "الأممية الإسلامية"

وقد تصبح هذه القوة، هدفا مشتركا، مباشرا أو غير مباشر، للقوتين الإقليميتين الأكثر تأثيرا على الأرض السورية: تركيا وإيران، وثمة ما يشي بأن هاتين القوتين، قادرتان على احتواء وتنظيم خلافاتهما، إن اقتضت مصلحتها المشتركة ذلك. والأزمة السورية، وفرت أمثلة عديدة على قدرتهما على التعاون وتعليق الخلافات، وأحيانا بنجاح مذهل.

إن هذه العوائق والتحديات لا تعني أن الدول المستهدفة ستقف عاجزة بلا حراك أمام الطلب الأميركي. ولعل في فكرة "التحالف الإسلامي" التي شدد عليها الوزير السعودي عادل الجبير، محاولة لتذليل هذه العوائق. وربما تعمد الدول المقتدرة ماليا من بينها، على إعادة إنتاج تجربتها في حرب اليمن، فتستجلب قوات من دول عربية وإسلامية فقيرة، بل وربما يجري استقدام وحدات عسكرية شبه نظامية أو وكالات أمنية (مرتزقة)، فالسعودية، وبدرجة أقل الإمارات، تفادت إرسال قوات برية وازنة لليمن، وهي استدعت ألوف الجنود السودانيين، وألوف المقاتلين الأفارقة (آخر دفعة من تشاد)، فضلا عن المليشيات اليمنية المحسوبة على كلا الفريقين.

في سورية، ربما يجري الاكتفاء بوحدات رمزية، أو ضباط قيادة من الدول الغنية المذكورة، بيد أن غالبية القوى الضاربة، ستكون من الدول الفقيرة والمنظمات والوكالات، وثمة عشرات ألوف المقاتلين السوريين الذين تقطعت بهم السبل، بالذات بعد معارك الغوطة الشرقية، المستعدين لإعادة تنظيم صفوفهم، والقتال تحت راية القوة العربية، إن وجدوا من يوفر لهم المال والسلاح، وهما متوفران على أية حال، وبغزارة، لدى ثلاث دول من الدول الأربع المعنية، سيما وأن كثرة من هؤلاء المقاتلين، اعتادت الحصول على الدعم والتمويل الخليجيين.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.