اجتماع وزراء الخارجية العرب تحضيرا للقمة العربية
اجتماع وزراء الخارجية العرب تحضيرا للقمة العربية

بقلم منى فياض/

نتلقى آلاف من الصفحات، مقالات ودراسات وأوراق مؤتمرات، من مختلف المنابر والمجلات والصحف وفي مختلف المجالات. كما نقرأ عن جوائز في مختلف الميادين؛ جميعها تذكر بإنجازات الفكر العربي والثقافة العربية والإبداع العربي.

لا شك أن العرب، كأفراد، ينتجون ثقافة وفكرا وأدبا وشعرا وبحوثا في مختلف الميادين؛ وحتى بعض الاختراعات.

لكن عندما ننظر إليهم كمجموعة تنتمي إلى ما يطلق عليه اسم "العالم العربي" وإلى إنجازات شعوبه المتعددة ماذا نجد؟ ليس الكثير. ويكفي لذلك مراجعة تقارير التنمية البشرية أو حقوق الإنسان أو الشفافية أو تحقيق الديمقراطية، سوف نجد أن العالم العربي لم يحقق الكثير، بل العكس، إنهم غائبون عن لائحة الإنجازات الكبرى والتي تغير البشرية إلى غير عودة.

إن القدرة على خلق واقع متخيل انطلاقا من الكلمات سمح لعدد كبير من المجهولين التعاون معا بشكل فعال

​​صار العرب وأداؤهم على كل شفة ولسان وموضع تندر أو هجاء؛ بحيث يمكن لمذيع أسترالي أن يتوجه إلى "العرب" مجتمعين، بخطاب مؤنب: ماذا قدمتم للبشرية (في العصر الحالي طبعا كي لا أشاركه في التعميم المجحف)؟

يتابع: نعرف إنجازات الألمان أو الفرنسيين أو الأميركيين أو الصينيين أو الإيرانيين أو الإسرائيليين... لكن ماذا يقدم العرب والإسلام؟ سوى العنف أو الإرهاب؟

اقرأ للكاتبة أيضا: هل النظام اللبناني توافقي حقا؟

هذه هي الصورة عن العرب. ذلك أننا عندما ننظر إليهم كوحدة افتراضية لا نجد سوى التشرذم والحروب والعنف وتأخر التنمية التي تترجم تراجعا وفقرا وبطالة وأمية على أنواعها. يتساءل كثر: أين تكمن المشكلة كي تبقى هذه الرقعة من الأرض على ما هي عليه الآن؟

مم يعاني العالم/ العوالم، العربي/ ـة؟

ليست المشكلة على مستوى الأفراد بالطبع، فالمقولات العنصرية التي تعيد التفوق الثقافي إلى البيولوجيا والعرق أو الإثنية لم تعد مقبولة. يبرهن العرب تفوقهم كأفراد في مختلف المجالات عندما يعملون في الأطر المناسبة في البلدان المتقدمة.

حاول يوفال هراري في كتابه Sapiens، تفسير تفوق صنف الهومو سابينس من البشر على جميع إخوته من الهومو نييندرتال إلى الهومو أركتوس وغيرهما، ونجاحه في القضاء عليهم؛ فكتب:

"في الصراع على مستوى الأفراد يتغلب النييندرتال على السابينس. لكن في صراع بين مئات، لم يكن لدى النيندرتال أقل حظ في الغلبة. كان بإمكان النييندرتال التشارك في المعلومات لكن لم يكن باستطاعتهم التعاون فعليا بأعداد كبيرة؛ ولا أن يكيفوا سلوكهم الاجتماعي بحسب التحديات التي تتجدد بسرعة".

يتخطى الهومو سابينس كل المخلوقات الأخرى بقدرته على التعاون. كان هذا سر نجاح الهومو سابينس.

معظم الباحثين يرتأون أن ما حققه سابينس هي إنجازات بسبب التطور الذي طال قدراته المعرفية. وخصوصا اختراع اللغة التي سمحت بتبادل المعلومات والأخبار وبالثرثرة التي ساعدت على تشكيل زمر bandes أعرض وأكثر ثباتا. ما سمح بإقامة العلاقات، والقدرة على نقل معلومات حتى عن أشياء غير موجودة. فقط السابينس استطاع أن يتحدث عن أي نوع يريد من الكينونات التي لا وجود لها؛ ولم يلمسوها أو يتحسسوها: من قيم وأساطير وآلهة...

إنها الثورة المعرفية التي تحققت وساهمت في تطورهم.

بعد هذه الثورة المعرفية، حلت السير التاريخية محل النظريات البيولوجية كتفسير أساسي لتطور السابينس. فلفهم ازدهار المسيحية أو الثورة الفرنسية، لا يكفي فهم التفاعلات الجينية والهرمونات والأعضاء. من الضروري أن نأخذ في الحسبان أيضا تفاعل الأفكار والهوامات.

هذا لا يعني أن الهومو سابينس والثقافة الإنسانية خرجت عن القوانين البيولوجية. فلا نزال حيوانات، وقدراتنا الفيزيائية والانفعالية والمعرفية مقولبة بالدي أن آي. مجتمعاتنا مبنية بنفس عناصر مجتمعات النييندرتال والشمبانزي، وكلما فحصنا هذه العناصر: إحساس، انفعال، روابط أسرية، كلما نقصت الفروقات بيننا وبين القرود الأخرى.

نخطئ إذا عند بحثنا عن الفروقات على مستوى الفرد والأسرة. إذا أخذنا فردا فردا، أو عشرة عشرة، نحن أشباه الشمبانزي على نحو مؤسف. أينشتاين لم تكن لديه مهارة يدوية، وبالتأكيد مهارته كانت أقل بكثير من مهارة صياد ـ ملتقط.

لا تبدأ الفروقات ذات المعنى بالظهور إلا عند تخطي عتبة الـ 150 فردا؛ أما عندما نصل إلى 1500 ـ 2000 فردا، تصبح الفروقات مذهلة.

لنجمع آلاف الشمبانزي في تيان آن مين أو في وول ستريت (لا أحد يجرؤ على ذكر الساحات العربية بعد) أو الفاتيكان أو الأمم المتحدة، فلن ينتج أي شيء. بالمقابل يجتمع الهومو سابينس دوريا في أماكن مشابهة. ومعا يخلقون بنى منظمة، شبكات تجارية، احتفالات جماعية، ومؤسسات سياسية، ما كان بإمكانهم تحقيقها منعزلين.

بالطبع، كانت المهارات اليدوية ضرورية كمهارات صناعة الأدوات واستعمالها. لكن هذه الأدوات ستكون دون نتيجة إذا لم تقترن بموهبة التعاون مع آخرين كثر.

لنفسر كيف تسنى لنا امتلاك رؤوس نووية؟ بينما منذ 30 ألف سنة بالكاد كنا نصنع العصا بطرف من السيلكس؟

الجواب تسنى ذلك بفضل تحسن مهارة التواصل الهائلة مع حشود من الغرباء. إن طرف العصا بالسيلكس يتطلب عمل عدة دقائق من شخص واحد. بينما إنتاج رأس نووي يتطلب تعاون آلاف من الأشخاص المجهولين عبر العالم.

إن القدرة على خلق واقع متخيل انطلاقا من الكلمات سمح لعدد كبير من المجهولين التعاون معا بشكل فعال.

لم يكن ممكنا قبل الثورة المعرفية إحداث تغير في السلوك دون التغير الجيني (مثل الشمبانزي). بعدها صار بإمكان السابينس تغيير سلوكه بسرعة ونقل الجديد إلى الأجيال اللاحقة.

صار الإنسان يدافع عن الوطن أو عن الدين أو عن حقوق الإنسان. مع أن هذه الأشياء لا وجود محسوس لها خارج تصورات اخترعها البشر وتبادلوها بين بعضهم البعض وآمنوا بها: لا وجود محسوس لآلهة ولا لأوطان ولا لنقود ولا لحقوق إنسان ولا لقانون أو عدالة خارج الخيال المشترك للكائن الإنساني.

في عالم ينحو نحو الترابط أكثر فأكثر، لن يكون بمقدور الكينونات والدول المتفرقة أن تعيش

​​وهذا ما لم يتوصل إليه العرب بعد! التعاون من أجل القيم أو الأشياء المشتركة التي يتشاركونها. ربما يفتقدون هذا المشترك الجامع بينهم مع زعمهم أنها العروبة. ربما لم يحددوا بعد أي عروبة؟ هل الشوفينية أم الثقافية؟ يجهلون أن بقاءهم نفسه مرهون بنجاحهم في التعاون من أجل أهداف يحددونها ويعملون لتحقيقها لمصلحة الجميع وليس الأجزاء.

شعوبنا ودولنا أوجدت إطارا جامعا منذ العام 1945 أطلقوا عليه اسم "الجامعة العربية"؛ مع ذلك لم يجتمعوا في الواقع ولا استطاعوا التعاون حقا رغم كل البيانات والقرارات التي يصدرونها. وحتى المجالس الفرعية التي أوجدوها بعد فشل الجامعة في جمعهم تعاني من نفس الأزمة التي تعانيها الجامعة.

اقرأ للكاتبة أيضا: الأيام الأخيرة لمحمد: هل صار نقد التراث ممكنا؟

المنطقة العربية محاطة بثلاث قوميات أصغر عدديا ومساحة من العرب مجتمعين؛ وبينها الكثير من العداء والصراعات ومواضيع التنافر ومع ذلك تجتمع لتتنافس في وضع يدها على البلدان العربية؛ ومع أنها تشهر العداء أحيانا لبعضها البعض، مع ذلك تتعاون في ميادين عدة عندما تفرض عليها مصلحتها ذلك.

تمجد الشعوب العربية الاخوة والعروبة التي تجمعها وتظهر رغبة في التعاون، فيما هي تتناحر فيما بينها وتنقسم اسرا وقبائل وانظمة متنافسة متناحرة ومتعادية. التعاون لديها هو شعار فقط لا غير.

يقارن هراري بين الشمانزي والبشر فيكتب:

الشمبانزي الذكر الألفا يغلب بقوته، القائد السابينس بتحالفاته. فكونوا قادة.

وفي عالم ينحو نحو الترابط أكثر فأكثر، لن يكون بمقدور الكينونات والدول المتفرقة أن تعيش.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.