مسيحيون ومسلمون في قداس في كنيسة السيدة العذراء للسريان الأرثوذكس في دير الزور في سورية
مسيحيون ومسلمون في قداس في كنيسة السيدة العذراء للسريان الأرثوذكس في دير الزور في سورية

بقلم د. عماد بوظو/

تتفق كل المراجع الإسلامية على أن النبي محمد كان في الأربعين من عمره عندما تبلغ بالرسالة. وتزودنا كتب السيرة بالكثير من المعلومات حوله، مثل نسبه وتسلسل آبائه وأجداده وعائلته وطبيعة عمله في الرعي والتجارة. وهناك إجماع على أخلاقه الحميدة وصدقه وأمانته وأنه كان موضع ثقة محيطه.

ولكن عندما يأتي الحديث إلى اعتقادات الرسول وقناعاته الإيمانية ومن كان يتعبد قبل الدعوة، يسود نوع من الغموض والارتباك عند المؤرخين الإسلاميين، رغم أنه من الممكن له اعتناق ما يشاء من الأفكار والمعتقدات قبل مجيء الوحي. فحسب الإسلام هو بشر قد يخطئ ويصيب قبل البعثة وبعدها، فقد عاتبه القرآن عدة مرات على تصرفات قام بها بعد البعثة، منها حادثة عبد الله بن أم مكتوم الشهيرة: "عبس وتولى، أن جاءه الأعمى" عبس 1 ـ 2، أو: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم" التحريم 1، وحوادث أخرى مشابهة.

يعتبر أغلب الباحثين الإسلاميين أن الرسول غير معصوم إلا بما ينقله عن الوحي، وتشير بعض الآيات إلى أن درجة المعرفة عند الرسول قبل البعثة في بعض المواضيع لم تكن كافية: "ونحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين" يوسف 3. كما تشير آية أخرى صراحة إلى أن بعض آرائه قبل البعثة قد جانبها الصواب: "ووجدك ضالا فهدى" الضحى 7، لكن رجال الدين الذين كتبوا التراث الإسلامي لا يوافقون على مثل هذه الآراء رغم وجودها في القرآن.

الذين يريدون الترويج لثقافة الكراهية لا يناسبهم التاريخ المشترك للأديان السماوية ولا وجود هذا التقارب بينها

​​معرفة الوضع الثقافي والديني في مكة المكرمة، البلدة التي ولد ونشأ فيها الرسول، والمناطق المحيطة بها والقبيلة التي ينتمي لها وما هي قناعات المحيطين به، يمكن أن تلقي الضوء على هذا الموضوع الشائك. فقد ذكرت مكة للمرة الأولى في القرن الثاني الميلادي على يد بطليموس وتوصف منطقتها بأنها وادي غير ذي زرع، أي أن نشأتها واستقرار البشر فيها يعود لوقوعها على خط التجارة الرئيسي بين اليمن والحبشة جنوبا وبلاد الشام والعراق شمالا وما يقع وراءهما من الروم والفرس، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر فيها نفس الديانات الموجودة في هذه البلدان.

اقرأ للكاتب أيضا: هل الصلوات الخمس بدعة؟

تجمع كتب التراث على أن الرسول طوال الأربعين سنة قبل الدعوة لم يسجد لصنم قط. كما تتحدث المعلومات التاريخية عن وجود المسيحية في مكة، حيث يقول الرحالة المقدسي إن هناك مقبرة للمسيحيين على طريق بئر عنبسة، ويورد ابن الأثير وابن خلدون أن سادس ملوك "جرهم" الذين حكموا مكة كان اسمه عبد المسيح بن باقية بن جرهم، ثم انتقل حكم مكة إلى قبيلة خزاعة في نهاية القرن الثالث الميلادي ومن بعدها انتقل إلى قريش.

ويقول اليعقوبي في تاريخه إن من بين العرب الذين تنصروا قوم من قريش وخاصة بني أسد بن عبد العزى، وذكر الفيروز أبادي في تاج العروس موضعا في مكة يعرف بموقف النصارى. لكن كتاب السيرة المسلمين لا يحبذون أن يكون للنبي قبل الدعوة علاقة مع هؤلاء النصارى، وقالوا إن الرسول كان حنيفا، وكلمة حنيف وأحنف باللغة العربية تعني الميل، مثل ميل القدم للداخل، وفي اللغة العبرية والآرامية تشير إلى المرتد عن الدين.

وردت كلمة حنيف وحنفاء في القرآن اثنتي عشرة مرة يدل بعضها على التوحيد: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين" الأنعام 79، "حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق" الحج 31.

وفي آيات أخرى وردت للإشارة إلى إبراهيم باعتباره أبو الأنبياء وأول من نادى بالتوحيد: "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" النحل 120، ثم في الآيات الأخرى يتم ذكر الدين الحنيف بالإشارة للإسلام نفسه باعتباره إعادة إحياء لتوحيد النبي إبراهيم: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" الأنعام 161، "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين" آل عمران 67، "ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا" النساء 125. ثم يأتي أكثر تفصيلا في آيات أخرى: "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" 123 النحل، "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة" البينة 5.

تدل هذه الآيات على أن الدين الحنيف هو الإسلام نفسه وأن الله قد أوحاه لنبيه، بما لا يتماشى مع كونه كان موجودا قبل البعثة. كما أن المراجع التاريخية في بلاد الشام أو العراق أو اليمن لم تذكر وجود مجموعة أو طائفة من الناس يطلقون على أنفسهم اسم الحنفاء أو على معتقداتهم اسم دين إبراهيم خلال تلك الفترة من الزمن.

وأكثر من ذلك فإن أغلب كتب التراث الإسلامي عندما تتطرق إلى العائلات المسيحية المعروفة في مكة والتي برز منها رجال مشهورون بسعة معرفتهم وقوة حجتهم مثل ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو، فإنها تذكرهم باعتبارهم من هؤلاء "الحنفاء"، رغم أن ورقة كان، حسب البخاري، إمرءا تنصر في الجاهلية ويقرأ الإنجيل بالعربية والعبرية، وحسب سيرة ابن هشام المتوفي سنة 218 هجري فإن ورقة بن نوفل كان مسيحيا، كما أنه يلتقي عند الجد الرابع بالرسول نفسه.

كما أن عبيد الله بن جحش وهو ابن خالة النبي محمد قد مات مسيحيا بالحبشة، وتزوج الرسول أرملته أم حبيبة بعد وفاته. وعثمان بن الحويرث كذلك توفي مسيحيا بالشام، حتى السيدة خديجة زوجة الرسول الأولى والتي كانت حسب كتب التراث الإسلامي في العقد السادس من عمرها عندما تبلغ الرسول بالدعوة، والتي تتحدث هذه الكتب بإسهاب عن ثرائها ومقامها الشريف بين أقرانها وطهارتها، ولكنها تتجاهل قناعاتها قبل البعثة رغم أنه ليس هناك فرق إن كانت مسيحية أو تعبد الأصنام طالما أنها أول من آمن به من الرجال والنساء، وخاصة أن عائلتها مسيحية وحسب الكثير من كتب التاريخ فإن ابن عمها ورقة بن نوفل كان ممن حضروا زواجها بالرسول ومنهم من يقول إن ورقة كان وكيلها وهو من زوجها.

شهدت الحياة الثقافية والفكرية منذ القرن الرابع الميلادي الكثير من السجالات بين المسيحيين حول علاقة الله "الأب" بالمسيح "الابن" والروح القدس، حيث انشق عن الكنيسة أتباع أريوس والذين كانوا يعتقدون بأن الابن والروح القدس مخلوقان وغير مساويان للأب بالجوهر. ثم انشق النساطرة الذين اعتقد بعضهم بأن كلمة الله قد حلت على المسيح بالعماد وفارقته بالصلب.

يعمل المروجون لثقافة الكراهية على بناء الحواجز بين هذه الأديان رغم أنها تتفق في كل القضايا الجوهرية

​​ومن هذه الانشقاقات الكنسية خرجت طوائف ودعوات أصغر حجما وأقل انتشارا، وابتعدت هذه الطوائف نتيجة اضطهادها عن المدن الكبرى وانعزلت في البراري والنواحي البعيدة. وليس بالإمكان اليوم معرفة المذاهب المسيحية التي كانت الأكثر انتشارا في مكة وقتها، ولكن هناك من يقول إن الأحناف الموحدين المقصودين ببعض الأحاديث قبل الدعوة قد يكونون من المسيحيين الذين كان لهم تحفظات حول ألوهية المسيح.

بالإضافة إلى العلاقة الخاصة التي جمعت النبي محمد مع ورقة بن نوفل قبل الدعوة فقد كانت هناك علاقة حسنة بين الدين الإسلامي والديانة المسيحية نفسها، فمدينة القدس التي صلب المسيح على أحد تلالها "الجلجلة"، كانت هي القبلة الأولى التي توجه لها المسلمون بالصلاة، ثم أسرى إليها الرسول باعتبارها أرضا مباركة: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" الإسراء 1.

اقرأ للكاتب أيضا: احتفالات بالنصر بعد كل هزيمة

وعندما اشتد اضطهاد المسلمين في مكة هاجروا والتجأوا إلى الحبشة المسيحية وملكها النجاشي، كما أن بعض الآيات في القرآن كانت لمخاطبة ومحاججة القناعات المسيحية التقليدية: "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" الإخلاص.

كما كان هناك مكانة خاصة للرهبان والقساوسة المسيحيين في الإسلام: "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فأكتبنا مع الشاهدين"، المائدة 82 ـ 83. وتدل هذه الآية على وجود رجال الدين المسيحيين في المحيط الإسلامي وقربهم من الإسلام وسماعهم لهذه الآيات وتأثرهم بها.

الذين يريدون الترويج لثقافة الكراهية لا يناسبهم هذا التاريخ المشترك للأديان السماوية ولا وجود هذا التقارب بينها، ولا يجدون غضاضة حتى في تغيير التاريخ نفسه في سبيل هدفهم هذا. ويعمل هؤلاء على بناء الحواجز بين هذه الأديان رغم أنها تتفق في كل القضايا الجوهرية مثل الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر والثواب والعقاب والتقرب إلى الله من خلال الصلاة والصيام واتباع الوصايا الأخلاقية نفسها التي يحضون عليها، ويبحثون فقط عن نقاط الخلاف في أبسط الجزئيات بينها ليسارعوا بتكفير من يعتنق دينا آخر أو ينتمي لطائفة أخرى.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.